مسؤولية المجتمعات في تفعيل دورها الريادي.


رابط المقال في مجلة مواطن الإلكترونية:

http://www.mowatinoman.net/archives/4018

مسؤولية المجتمعات في تفعيل دورها الريادي.

من السهل جدا على أي نظام يتمتع بسلطة مطلقة التعلل بعدم جهوزية الشعوب للديمقراطية، وهذه الحجة وإن بدت غير منطقية إلا أنها تحمل جانبا من الصواب، وذلك إذا ما تحدثنا عن الديمقراطية كعملية تنموية للمشاركة الشعبية، تبدأ من أحقية المشاركة في صناعة القرار وحق تشكيل الأحزاب وتنظيم الحياة السياسية داخل المجتمعات، إلى الاستفادة من تطوّر العملية الديمقراطية عبر توسيع التوظيف أكثر، وتنوع استخدام الأدوات الديمقراطية بما ينظم العملية السياسية بعيدا عن أي مشاكل دستورية يخلقها تضارب عمل السلطات أو غياب الخبرة الكافية في مواجهة المشاكل الديمقراطية التي تنشأ عادة من آلية توظيف وتفعيل المساهمة الشعبية في صناعة القرار.

من المسؤول؟:

        حين لا يفهم المواطن البسيط أو المتعلم، الفرق بين توزيع السلطة وفصل السلطات، فذلك وإن كان مرده جزئيا يقع على عاتق المواطن نفسه، إلا أنه وبنسبة كبيرة تقع مسؤوليته على النظام السياسي؛ وذلك لغياب المفهومين عمليا في الدولة أو البلد التي يقطنها المواطن. وسبب هذا الغياب أو التغييب هو تعمد النظام أو السلطة إلى عدم تفعيلهم كأداء سياسي في الحياة العامة رغبة منها إلى الاحتفاظ بأوسع قدر ممكن من التحكم والسلطوية في كافة القرارات السياسية، وحين الحديث عن نظام ملكي أو سلطاني يتمتع بسلطة مطلقة، فنحن نتحدث هنا عن حاكم ذو سلطة مطلقة لا أحد يشاركه صناعة القرار ولا أحد يحاسبه أو حتى يراجع وراءه!

دور السلطة في تهميش الشعوب واقصاءها:

في عمان على سبيل المثال، بدأت تجربة مجلسي الدولة والشورى بالمجلس الاستشاري، قبل أن تتحول في العقد الثالث من دولة سلطان عمان الحالي قابوس بن سعيد إلى الصورة التي هي عليها الآن مع اختلاف بسيط في الصلاحيات والمهام. ولكن قابوس بن سعيد الذي وضع على نفسه عاتق تشكيل ما يسمى أو يوصف خطأ بأنه برلمان؛ هو نفسه الذي رفض ولا زال، توسيع صلاحيات الشورى، ولا زال السبب الرئيسي خلف ذلك غير معروف للآن، إن كان رغبة منه في الاحتفاظ بقدر أكبر من السلطة، أم الركون إلى وجهة النظر التي تخلص إلى عدم جهوزية الشعب لممارسة الديمقراطية السياسية بشكلها الحضاري في بعض المجتمعات الغربية. ولكن غالبية الشواهد على أداء السلطة السياسية ترجح كفة الاحتمال الأول. خاصة وأن قابوس بن سعيد عادة ما يستخدم الأزمات الشعبية إلى تمكين شعبيته أكثر، عبر إلقاء اللوم على أي مسؤول ومن ثم إقالته، ويأتي بمسؤول جديد بنفس السياسة!!

 وكذلك وفي 1996 وضع سلطان عمان الحالي على عاتقه نشر مذكراته أو خواطره الخاصة لتكون دستور عمان الحالي -النظام الأساسي للدولة-، وهو تصرف غير محمود العواقب البتّة، وليس ذلك فقط لوجهة النظر الواحدة الغالبة على هكذا نوع من الدساتير، ولكن لغياب الدراسة الأكاديمية التي تبني قاعدة منطقية لأي بند قانوني، وغياب الجانب الحقوقي – لا يوجد في عمان قانون خاص بحقوق الإنسان- وقصر مفهوم الحقوق نوعا ما على الجانب الأمني فقط، أي في حالة اعتقال المواطن ما هي الواجبات والحقوق المترتبة له وعليه.

كما أن الطابع القبلي والمذهبي غالب على الشكل العام للدستور أو النظام الأساسي للدولة، وهو ما نلاحظه في المواضيع المتعلقة بالجنسية والزواج وانتقال السلطة..إلخ. وهذا دليل كاف ومتين على مسؤولية السلطة أو السلطان الحالي في ممارسة سياسة تشويه الديمقراطية وتقديمها على أنها مجرد “هدايا” أو “عطايا” يقدمها الحاكم لشعبه كيفما يريد ووقتما يريد!

دور الشعوب في اقصاء نفسها:

ولكن كذلك، الشعب يتحمل جزء من هذه المسؤولية، حين يتخلى عن حقه في المطالبة بهكذا ممارسة! طالما أن الفرد أو المجتمع، توفر لديهم من المعلومات ما يكفي للمطالبة بحقهم في دور مؤثر للمساهمة في صنع القرار السياسي، وأن عملية الذهاب للتصويت والاحتكام بالصناديق كطريقة أو كمؤشر على أن المجتمع يعيش حالة من الديمقراطية، ما هو إلا تضليل متعمد في غياب الآليات اللازمة لتفعيل العمل الديمقراطي، وأن الديمقراطية كذلك ليست فقط صندوق انتخاب!

كذلك الشعب ومن خلال تجربته مع حكومة السلطان الحالي، تبينت له مدى أضرار السلطة المطلقة على مستقبل البلد سياسيا واقتصاديا، وكان على الأقل، يتوجب عليه البحث عن آليات تتيح له “مراقبة” و “تحديد” سلطات الحكومة الواسعة، والدفع باتجاه مساءلتها بكافة مكوّناتها وعدم القبول بالتوزيع القائم على جهتي السيادة والخدمية. مع عدم نكران وجود بعض الأصوات الضعيفة من حيث العدد والتأثير كذلك، والتي تنادي إلى الإصلاح والقضاء على الفساد وإعطاء الفرصة لدماء جديدة أن تجد مكانتها في العملية السياسية من أجل ضمان وصول أفكار ومساهمات الأجيال الجديدة. هذه الأصوات عادة ما تصف نفسها بــ “الوطنية”، أي التي تنادي بالإصلاح مع الإبقاء على سلطات السلطان الحالي كما هي! وكذلك ترى في كل صوت معارض لسلطة قابوس المطلقة، أو التشكيك في نزاهته، هو خيانة وطنية وانقلاب على كافة الثوابت الوطنية الضامنة للاستقرار!!!

ولكن، هل يمكن وضع اللوم على من حاول المطالبة بالإصلاح؟ أو من قام فعلا بتقديم العديد من التصوّرات والسيناريوهات السياسية البديلة التي من الممكن أن تساهم إلى تغيير صورة الوضع السياسي الراكد؟ في حين أن السلطة تكافئ كل شخص يسعى إلى هذا الأمر بالتضييق الأمني والاحتجاز والسجن والملاحقة القضائية!!!!

هل هناك منطقة وسطى؟:

عادة أمام خيارات متعلقة بالحقوق المدنية والحريات، فإن التفكير مجرد التفكير في إيجاد حلول وسطية يعد انتهاكا أو تمييعا لمفاهيم الحقوق. ذلك أن دمقرطة الشعوب إذا ما أصاب أحد مراحلها أي تحريف، فذلك يعني أن العملية بأكملها ستأخذ منحىً أو منعطفا خاطئا سيشوه العملية بأكملها. ولكن البعض كذلك، ولتجنب خسائر الأرواح أو الحبس لفترات طويلة والتغييب القسري، يبحث عن أكثر الوسائل “نعومية” ولطافة من أجل تمرير أفكاره.

وعطفا على نوع “الأصوات الوطنية” الذي أشرت إليه سابقا، فإن هذه الأصوات اليوم عادة ما تبدأ أي خطاب إصلاحي لها بمديح طويل لسلطان عمان الحالي، وذكر منجزاته في تشكيل هوية وطنية غير “مذهبية” حسب تعبيرهم. وأن عمان اليوم أحد الدول الأكثر استقرارا وسلاما وسط عالم مهتز! ولربما أجد جانبا من العذر لهذه الأصوات، التي تعمل أو تبحث جاهدا من أجل إيصال فكرة التغيير وضرورة تجنب مستقبلا مجهولا بسبب نتائج السياسة الحالية، لكن في الحقيقة أن تجاهل سبب المشكلة الحقيقية هو مشكلة أخرى! ووضع اللوم على مسؤولين صغار أو ظروف مجهولة أو أيادة خفية لا يعطي نتيجة أبدا، وأن الاحتفاظ بنفس الأدوات أو الاعتماد على السياسة نفسها للوصول إلى نتيجة مغايرة هو تصرف وإن أعطى نتائج مبشرة مبدئيا، إلا أنه سرعان ما يعود أسوأ من قبل.

وللتوضيح أكثر، وللتذكير كذلك بتجربة أحداث 2011 الاحتجاجية، حين عمد قابوس بن سعيد إلى استغلال بعض الأصوات التي برزت وبقوة فترة الاحتجاجات، أو توظيف بعض الأسماء القريبة والمؤثرة، فقط استقدم بعض الشخصيات للهيكل الحكومي، والتي كان معروف عن بعضها نهجها المعارض -أو هذا ما أراده لنا البعض أن نفهم- لكن هذه الأصوات ولمجرد أنها أصبحت جزء من الحكومة، أصبحت تدافع عن سياساتها -سياسة الحكومة- بشراسة! مع العلم، أن هذه السياسات هي نفسها التي كانوا ينشطون ضدها سابقا!

وهذا يوضح مدى إداراك السلطات الحالية لآلية استيعاب المشاكل وتحويرها، وتوظيف الأصوات المعارضة لها إلى أن تكون في البداية جزء منها بحجة المساهمة في التغيير وتجديد الدماء، ثم التحول إلى مدافع شرس رغبة للحفاظ على المنصب أو المكانة السياسة التي تحصل عليها هذا الشخص في الحكومة.

في رأيي الشخصي، لا توجد هناك منطقة وسطى، ولكن توجد هناك حلول. على سبيل المثال، للتخلص من مشكلة السلطة المطلقة، لا بد من توزيع السلطة، وتكوين جهاز إداري رقابي يعتمد عمله بالتوازي على لجان منفصلة مستقلة مراقبة لأداء السلطة، لضمان عدم تضارب المصالح والمهام الوظيفية لكل سلطة وكذلك استقلاليتها من سلطة الفرد الواحد، خاصة بعد فصل السلطات الثلاث – التشريعية والتنفيذية والقضائية- مع توصيف مهام ووظائف كل سلطة -في عمان، يرأس قابوس كافة هذه السلطات-. هذا عادة ما يتبعه أو يسبقه وضع دستور سياسي محترم يقوم على كتابته عدد من الأكاديميين والقانونيين والاقتصاديين والحقوقيين…إلخ. وإنشاء محكمة دستورية تكون جهة قضائية أعلى من سلطة الحاكم والحكومة ومستقلة في سيادتها وقراراتها.

الخلاصة:

الحكومات في الشرق الأوسط وخاصة الخليج العربي، تتحمل الجانب الأكبر من غياب المشاركة الشعبية، ولعل الأدوات العقابية التي اتبعتها في ملاحقة ومعاقبة الأفراد المنادين بالإصلاح السياسي واحترام الحقوق والحريات، هو أكبر مثال على ذلك، حيث أعطوا انطباعا للعشوب أن الحقوق والحريات ما لم تأتي كهبة أو منحة من الحكومات؛ فإنها عمل فوضوي الغاية منه تقويض استقرار البلدان وتدميرها.

ولكن هذا لا يجب أن يكون كذلك عذرا إلى تنازل الشعوب عن حقها في المشاركة في صناعة القرار السياسي والمساهمة إلى بناء تجربة ديمقراطية سليمة. وأن عدم إدانة الشعوب لأداء حكوماتها القمعي؛ أو عقابها لكل صوت مطالب بالإصلاح والتغيير والتحديث؛ هو مشاركة في تشريع الاستبداد، أو تشريع ابتعاد السلطات بالقرار السياسي بعيدا عن المشاركة الشعبية!

نبهان الحنشي     @Nabhan80

عُمان قابوس، أم عُمان العمانيين!.


 

لم أتوقع يوما ما، أن أرى مسؤولا لحكومة في دولة تدعي الحياد أن يظهر ويتحدث ويقول عن الربيع العربي أنه درس على الشعوب أن تتجنبه، في حين أن الشعوب أو على أقل تقدير المساهمين في تفعيل الحراك الاحتجاجي وثورات الربيع العربي، في حالة مصر على وجه التحديد، حيث حكومة العسكر تم تأييدها من حكومات الخليج العربي كافة، وغالبية محركي ثورة يناير في سجون العسكر، وأن يشبه كذلك المعارض بالمقاتل – التشبيه هنا حسب مجرى حديثه في الحوار إياه كان القصد منه الاتهام وليس التقدير، أي مثل الذي يحمل سلاحا لفرض فكرته! – وليس حتى بالإصلاحي أو منتقد العمل الحكومي، حيث أوضح أن الانتقاد شيء آخر غير المعارضة!. حيث أن حكومة دولته ليس لديها مشكلة مع النقد ومشكلتها مع المعارضين!.

يوسف بن علوي، والذي أراهن أنه هو من يرسم سياسة عمان الخارجية اليوم، أو كأقل تقدير، هو المساهم الرئيسي على ما هي عليه اليوم، وهو ثقل رئيسي لاستمرار “السلطان” الحالي في منصبه الذي فيما يبدو – أي قابوس- أنه أبعد من أن يمثل دورا حيوياً سواء على صعيد نظامه السلطوي المستبد – قابوس أحد الحكّام القلة في العالم الذي يتقلد مناصب سياسية تشريعية وتنفيذية وقضائية وعسكرية ودبلوماسية في نفس الوقت- أو على صعيد التأثير الخارجي. ولعل المتتبع لتصريحاته على مدى الخمس سنوات الأخيرة، سيجد أن آراءه سياسة متبعة في عُمان، وليست مجرد آراء شخص مسؤول.

الجانب الأخلاقي والاصطفافات:

الجانب الأخلاقي هو الجانب الذي تتكئ عليه سياسة حكومة عمان اليوم، وهو تقديم نفسها محايدة وعلى خطوة واحدة من كل الأطراف. هذه السياسة ليست عيبا على الإطلاق، فالاصطفاف الطائفي باسم الدين أو المذهب، أوحتى التاريخي/الثقافي، أمر غير محمود بالمطلق، فهو وحسب مفهوم دول الخليج والعرب والإسلام، قائم على مبدأ دفاعي/عسكري وليس تنموي، ما يعني تكريس التعاون الأمني والعسكري، وتزايد فرض قوانين وبنود هدفها القضاء على أي حراك معاكس لرغبات الأنظمة السياسية، ليس داخل البلد الواحد فقط، ولكن حتى في بلدان الاصطفاف. كسرت عمان هذه الصورة التي لطالما تغنت بها وعلى أنها محايدة ولها مفهومها الخاص “المستقل” حول العديد من القضايا ومنها الإرهاب، بعد إعلانها الإنضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية ضد الإرهاب، وهو ما يعطي بطريقة غير مباشرة صورة واضحة حول النظام السياسي المستقبلي بعد السلطان الحالي. مع العلم، أنّ عمان كانت سابقا -ولا زالت- على تعاون أمني مشدّد مع جاراتها دول الخليج العربي، وكذلك بعض الدول العربية الأخرى. وهذا التعاون الذي يسمح لها كما يوجب عليها مطاردة وتسليم المطلوبين في أراض آخرين أو في أراضيها!.

وهو من ناحية أخرى فإنه – أي الاصطفاف – غير متعلق ولا متصل بجانب تنموي للشعوب ولا حماية حقوق الإنسان في حرية التعبير والتنقل والعمل… إلخ، بل يصب على تعزيز دور رقابي متشدد وتمديده.

كذلك، لطالما حاولت عمان تقديم نفسها ك صورة مثالية ل سياسية النأي بالنفس، وهي كما نعلم سياسة مستحيلة وادعاءها إنما يعني اختباء حكومة أي دولة خلف شعارات فضفاضة لتبرير عجزها/دعمها لوضع سياسي معين. ف عمان لم تدعم ثورة مصر ولا تونس ولا ليبيا، بل تعاملت معها بسياسة التسليم بواقع الحال والتعامل مع معطيات نتيجة متغيرات جديدة. وفي سوريا لطالما ولا زالت تقف إلى جانب نظام بشار الأسد وتدعمه بقوة، حتى دون أن تتخذ خطوة واحدة اتجاه إدانة ممارسة النظام الوحشية اتجاه المعارضة له. وفي البحرين، رغم تناقل الكثير لتصريح من الصعب نسبه إلى سلطان عمان الحالي الذي يطالب فيه نظام البحرين المستبد بتحقيق مطالب شعبه، إلا أن تصريح رسمي لـ ابن علوي كسر حقيقة هذا الأمر، حينما أعلن ومن طهران، أحقية النظام في البحرين في التعامل مع الاحتجاجات بما يتناسب!

وهذه صورة أخرى حاول مثقفو السلطة تعميمها، وهي أن عمان “المحايدة” منحازة دائما لرغبات الشعوب!

المشهد السياسي:

من حق أي باحث أو مطلع أو مهتم بالشأن السياسي في عمان، أن يقول أن الصورة السياسية غير واضحة، وهذا حقيقي. فأنا لا أتحدث فقط عن صورة النظام السياسي، ولكن كذلك أراء العامة حوله، فالغالبية العظمى التي تقدس السلطان الحالي أو تؤيده، هي نفسها الغالبية التي تنادي للقضاء على الفساد، وتدين أي قرار حكومي يضر ب جيب المواطن (المصلحة الاقتصادية)، وبعضهم يدعو ليل نهار للانتقام من الظالم! ثم تجد في الأخير أن كل مؤشرات الرفض والاحتجاج هذه تقف ساكنة بل وربما يكون لها ردة فعل شرسة، حالما يتم نسب الأمر إلى سلطة السلطان الحالي المتسببة إلى توالد ونمو هكذا نوع من الأزمات بسبب مزركزية السلطة وغياب الإصلاح الحقيقي، وحصر موضوع مكافحة الفساد بصغار موظفي الدولة، وتجاهل منبعه الأساسي، أي السلطان الحالي.

ما لا تستطيع تجاوزه في الحالة العمانية، عدة أمور؛ فالنظام السياسي سلطوي مطلق. السلطان – كمنصب وشخص- مقدس وغير مسموح نقاش نزاهته وقابليته أو حتى صلاحيته، وهذا بموجب المادة 41 من النظام الأساسي للدولة الذي وضعه وفرضه السلطان الحالي منفردا. لا أحد يستطيع أن يثير تساؤلا حول ثروة السلطان ولا مقدار ما يضع يده عليه من ثروة البلد، ولا مدى فوائده التي يأخذها من بعض موارد البلد الأساسية مثل النفط – قابوس هو المسؤول الفعلي عن المالية في عمان ويكاد أمر تسيير أرقام المبالغ من كافة الموارد يجري بسرية تامة يعلمها قابوس والوزير المباشر وآخرين قلة معدودة ومحدودة- ولا مسموح كذلك للنظر في ميزانية مؤسسة مثل ديوان البلاط السلطاني والمؤسسات التي تتبعها حول ميزانيتها السنوية فيما وكيف تصرفها، ولا حول الميزانية السنوية المخصص لقصور السلطان وخدماته ورفاهيته وسفره وما إلى ذلك!. كذلك، لا أحد يعلم إن كان السلطان الحالي له نسبة محددة من فوائد القروض البنكية، وإن صحت هكذا فرضية، فلا أحد يعلم النسبة الفعلية التي يقتطعها السلطان لنفسه. خاصة إذا ما علمنا أن فوائد البنوك من القروض لا تقل عن 8% من كل قرض شخصي أو غيره. غياب الدقة في هكذا أمور لا يعود إلى غياب الشفافية في تقديم أرقام أو إحصائيات، بل إلى التعتيم المطلق حول ثروة السلطان وحجم ما يقتطعه لنفسه من كافة ثروات البلد والمؤسسات النفطية والتجارية الأخرى.

كل ذلك يقود وبصورة مقلقة ومؤسفة – إن صح الوصف- إلى القول أن السلطان الحالي الذي يقدم نفسه كمصلح وباني لــ عمان الحالية، هو نفسه المدمر لها! فسياسة المركزية والسلطوية واللامسائلة التي بناها حول نفسه، هي التي خلقت اليوم حالة عدم معرفة وضع اللوم على من! فالمشاكل الاقتصادية التي عادة لا تُحل، ومشاكل البنية التحتي التي كذلك عادة يتم توفير حلول مؤقتة وليست جذرية، مازالت مستمرة.

المستقبل في عمان:

لكن المشكلة الحقيقية، التي فيما يبدو أن قابوس هو الحاجز الأساسي لأي حل لها، هي توزيع السلطة. عُمان التي لا يُعرف من خليفة سلطانها الحالي، ليس بها حكومة فعلية، فحكومة عمان هي مجرد أشخاص يختارهم السلطان بنفسه، يتم تعيينهم بمرسوم سلطاني، وأي قرارات كبرى يسعون لاتخاذها لا بد أن يصدر فيها مرسوما من السلطان كذلك. وهم محكومين بسياسة مالية محددة جدا قائمة على قائمة توزيع وليس على حسب خطة سنوية وزارية محددة. لذلك ليس هناك وزارة أو وزير يتم محاسبته بالمعنى الفعلي، لأن الوزير عادة يتم وضعه في الوزارة بأوامرقابوس، ما يعني لا يشترط أن يكون للوزير خطة معينة وأهداف محددة، يتم مساءلته عليها كل فترة!.

ومجلس عمان – البرلمان – دوره استشاري وليس تشريعي. ف مجلس الشورى -الغرفة التحتية لمجلس عمان الذي يتكون من أعضاء منتخبين من الشعب- يرفع اقتراحاته إلى مجلس الدولة – الغرفة العلوية لمجلس عمان والذي يتكون من أعضاء يعينهم قابوس بمراسيم- الذي بدوره يضيف أو يزيل عليها أو ربما حتى يرفضها! ثم يرفعها إلى مجلس الوزراء – أقرب وصف له أنه الجهة التنفيذية التي تتبع قابوس مباشرة وتتكون من وزراء يتم تعيينهم من قبل قابوس- والذي كذلك من شأنه أن يرفض أو يقبل بعض ما يرفع إليه، مع غياب ضمان أن يتم رفع الوثيقة الأصلية التي رفعت من الشورى أولا! وبعدها يرفع الوزراء وثيقته إلى السلطان ليوافق أو يرفض!.

لربما المتتبع للعمل البرلماني في عمان، سيجد من النظرة الأولى أنه عمل أراد له قابوس اللاجدية ونزع الثقة عنه عبر إعطاءه صلاحيات غير مجدية، وعبر احتواءه على بعض أعضاء غير مؤهلين نوعا ما للعمل البرلماني، وهذا مرده لأمرين: أولا، أنّ الانتخابات البرلمانية والمتعلقة بالشورى لا تفرض على كل منتخب أو مترشح تقديم برامج انتخابية، بالتالي وجود ما يضمن للناخب الاطلاع على أهلية المنتخب أم لا. ثانيا، غير مسموح في عمان إنشاء الأحزاب السياسية أو أي نشاط فكري سياسي مستقل!

كذلك يجب أن نضع في عين الاعتبار، أن بعض الوزارات في عمان مُنحت صفة السيادية، مثل النفط والمالية والدفاع والخارجية. وهي وزارات المسؤول الأول والفعلي لها هو قابوس نفسه. مع ذكر، أن قابوس يتدخل في كافة المؤسسات الرسمية وآلية عملها.

لربما يعتقد البعض، أن قابوس من خلال ممارسته الاستبدادية عبر تحكمه في غالبية المناصب الرسمية الهامة، هو وسيلة آمنة من أجل استقرار عمان وبناء الدولة بعيدا عن الصراعات التي حولها، وكذلك ضمانة للهدوء الداخلي وحفظ لسيادة أسرة آل سعيد. لكن هذا الحل فعاليته ترتكن بصورة أو بأخرى إلى عدة عوامل، أهمها: الدعم الذي تلقاه بصورة مباشرة من دول كبرى مثل بريطانيا التي ساندته استخباراتيا وعسكريا كما ساندت والده سعيد بن تيمور سابقا، وكذلك وجود النفط الذي ضمن لــ قابوس استقرار اقتصادي ساعده على تأمين علاقاته القبلية التي استند عليها في الاستقرار. لكن هكذا عوامل كذلك مهدد لــ عمان ما بعد قابوس، وذلك لعدم وجود حليف – خليفة قابوس- سياسي واضح مع نفس القوى العالمية الكبرى، وإن بدى خارجيا هيثم بن طارق الأوفر حظا، وداخليا شقيقه الأكبر أسعد بن طارق لقربه أكثر من القبائل العمانية المهمة وكذلك القيادات الدينية. لكن هكذا أمر كذلك يثير قلق الخارج والداخل حول ما إذا كانت أسرة آل سعيد بكافة “ذكورها” المؤهلين لخلافة قابوس سيقبلون ب أسعد أو هيثم، أو حتى إن كانوا سيقبلون بمرشح قابوس الذي وضع اسمه في التوصية التي أمر بفتحها في حال عدم اتفاق مجلس أسرة آل سعيد على مرشح معين خلال فترة 3 أيام.

كذلك، عامل النفط الذي مما لا شك فيه أنه ذاهب لــ النفاد بعد أعوام عدّة، وهو ما يعني حالة تقشف اقتصادية غير محمودة العواقب ستؤدي إلى خلل في عمل الحكومة وفرض سيطرتها الأمنية والعسكرية المعتادة، وكذلك غياب الدافع الأساسي لاسترضاء القبائل الكبرى خاصة المختلفة في الإيديولجية والمذهب!.

عدم قيام قابوس بتفعيل الحياة السياسية وتقديم تجربة سياسية تتمثل عبر فصل السلطات ومحكمة دستورية وإنشاء دستور يساهم في وضعه عدد من خبراء من مختلف المجالات، أكبر إخفاق لــ قابوس. وفيما يبدو أن كل ما يهتم له قابوس حاليا راحة البال فيما يخص الشأن الداخلي، طالما تتوفر له كافة الوسائل والأدوات التي تمكنه من قضاء سنواته الأخيرة مرتاح البال غير آبه لما سيحدث في الغد، خاصة وأنه مهما حدث بعده، لن يجني إلا الثناء. مع كمية التضليل التي تتبعها مكنته الأمنية المسيطرة على مؤسسات الثقافة والإعلام كذلك.

شذرات


من السذاجة بمكان، أن يتحدث “مثقف” عن الفرق بين معتقلات الأمن الداخلي “المخابرات” في عمان، مع غيرها من دول الخليج أو العربية.
مقارنة الظلم ب ظلم آخر، وامتداحه فقط لأنه أقل قسوة، هذا “أبشع” ما يمكن أن يجنيه المثقف بحق نفسه، ذلك أنه وبطريقة ما، تغاضى عن الخطأ الأساسي وشرعيته “الاعتقال والإخفاء القسري”، وقدم صورة أخرى مغايرة، وكأنه يبرر للاعتقال.
لم أجد حتى الآن أحد هؤلاء النخبة، في ظل امتداحهم ل” لطافة السجان ” من يطالب بضرورة وضع الأجهزة الأمنية في مكانها الطبيعي، مع ضرورة مراقبتها ومحاسبتها كذلك إن لزم الأمر.
الخاطفون، أو عصابات الخطف، حينما يختطفون شخصا ما، يتعامل بعضهم كذلك برفق مع المخطوفين، يضعه في مكان راق، ويقدم له طعاما شهيا فاخرا، ويسمح له بالتواصل مع عائلته بين وقت وآخر… لكن هل هذا يبرر الخطف!
كذلك، السكوت عن ما يفعله جهاز الأمن الداخلي، خطأ لا يغتفر، الكتابة عنه وعن المحققين بهذه الطريقة، خطأ آخر لا يغتفر، تجاهل معتقلين تعرضوا لظروف أكثر قسوة – أنا أحدهم – حيث تم وضعهم في زنازين رثة لم تكن تُعقّم بالديتول، ولم يُقدم لنا فيها شاي كرك ، خطأ لا يُغتفر! ولا أستخدم مصطلح لا يغتفر هنا تطرفا، بل قراءة لنتيجة فعل هذا المثقف، حينما يُشرع للسجان ما يفعله بطريقة غير مباشرة.
أما شيطنة الدولة أو شيطنة الأمن، فهذا مصطلح وهمي، ابتدعه بعض “النخبويين” للأسف، وهم من يتداوله! ذلك أن انتقاد الحكومة وفسادها، وأنياب سلطتها الأمنية – التي لم تُبقي مُختلفا أو مُعارضا لها إلا وعضّت يديه- هو إجرام حقيقي يحدث أمام أعيننا باسم القانون! عدم المحاسبة والمراجعة من الحكومة لهكذا أمر، هو ما يعطي قراءة مسبقة بل وتوقع سليم لما يحدث، وهو ما نراه فعلا اليوم، من اعتقالات لمجرد الرأي!
ولأنني حسمت موقفي تماما من ما يسمى بحكومة وكافة أجهزتها، فإنني لا بد وأن أذكر، أن أحد أزمات التغيير في عمان، ليست السلطة الرسمية، بل “شلة نخبويون” أعطوا أنفسهم الحق المطلق في قبول أو رفض أي شيء يأتي من خارج نطاق دائرتهم، بل ولمجرد اعتقال أي شخص من دائرتهم – معظمهم قام بحذف ومسح ما تم اعتقاله بسببه- يستميتون دفاعا عنه، وهذا ليس خطأ، ولكن الخطأ تجاهل أي فرد آخر من خارج الدائرة، وعدم الاهتمام حتى بالدفاع عنه من حيث المبدأ! بالتالي، أعتقد أنه من الجيد أن نتحقق من الذي “يشخصن” المواقف والأمور، بل ويشيطن أي طرف من خارج دائرتهم.
مراجعة المواقف وتصحيح المسار، أهم بكثير اليوم من مصطلحات التغيير وشعارات الحرية الرنانة التي أصبح البعض يستخدمها لمجرد فرد العضلات الثقافية، وحين يحين وقت الاختبار، يصبح السجّان مخدة ناعمة وقيد حريري!

عمان الخارج، عمان الداخل.


 

أحد الركائز الأساسية لصورة الدول اليوم، تعتمد على أدائها في سياستها الخارجية. هذه السياسة لا تعني بالضرورة علاقة دولة بأخرى، بقدر رأي الدولة حول نظام الدولة الأخرى. العلاقة عادة ما كان يحكمها نوع المصالح المتبادلة بين البلدين، حتى عام 2011، الذي شهد عددا من الثورات في عدد من البلدان العربية. كان لها أثرها الواضح والمباشر على تبدل علاقات كثير من الدول ببعضها، إما للطائفة أو المذهب أو حتى الاقتصاد، لكن لم يكن لهذه العلاقة أي صلة بالجانب الحقوقي للأسف.

ظهرت عمان في الفترة الأخيرة كــ “حمامة سلام” في ملفات العلاقات الخارجية للدول الكبرى، فقد ساهمت بصورة أساسية إلى توصل الدول الكبرى الــ 5+1 إلى إنهاء أزمة الملف النووي الإيراني، بالتالي رفع العقوبات الاقتصادية التي كانت حاصرت إيران لأكثر من ثلاثة عقود، بعد الثورة الإسلامية التي أسقطت نظام الشاه، وفرضت سلطة جديدة لنظام المرشد. ولكن، هذا الاتفاق السياسي/الاقتصادي، تجاهل تماما كافة الملاحظات السلبية ضد إيران المتعلقة بالملف الحقوقي في الداخل الإيراني. وتجاهل قضايا كثيرة مثل قضيتي “البلوش” و “الأحواز”.

كما تعمل عمان جاهدة كذلك، على إنهاء الأزمة السورية، ولكن الأزمة إيّاها يبدو أنها أكثر صعوبة وتعقيدا، ليس بسبب الأطراف السورية نفسها (النظام والمعارضة وباقي الأطراف المتقاتلة)، بل للتدخل الإقليمي الواسع والمعقد كذلك في هذه الأزمة، سواء الغربي أو العربي، مع النظام أو ضد النظام. ولكن، الواضح جليا أن الحكومة العمانية من الداعمين لسياسة النظام السوري، وأحد الأطراف التي فيما يبدو أنها لن تتخلى عنه للنهاية. لذلك، وعلى ما يبدو أن إنهاء الأزمة السورية حسب السيناريو العماني، سيكون عبر إبقاء نظام الأسد، مع ضمان مشاركة المعارضة في السلطة، وهنا يجب أن نبحث عن معنى آخر تماما للمعارضة، فالبطبع لن تكون المعارضة التي تناضل في الميدان.

الدور العماني في حلحلة الملفات العالقة الخارجية، لا يبدو في الحقيقة أمر سيء على الإطلاق، بل على العكس، الكل يحلم بعالم آمن سالم من الحروب والاقتتال والمشاكل العنصرية والدينية والطائفية. إلا أنّ هذه “الحلحلة” تتطلب حلولا جذرية وليس حلولا “مؤقتة”. خاصة أننا نعلم يقينا، أن “دفن” المشكلة لا يعني مطلقا علاجها. وأنّ ما اتفقت عليه الأطراف اليوم ستختلف عليه غدا.

في زيارته لدمشق يوم 26 أكتوبر 2015، أكّد وزير شؤون خارجية عمان حرص بلاده على حل الأزمة السورية ووحدة أراضيه، وترحيب رئيس النظام السوري “بشار الأسد” بهذه الجهود تبعه بجملة: “ما يضع حدا لمعاناتهم من ‫‏الإرهاب ويحفظ سيادة البلاد ووحدة أراضيها، مشددا على أن القضاء على الإرهاب سيسهم في نجاح أي مسار سياسي في سوريا.”

ولعلّ في رؤية “الأسد” أن الثورة السورية ما هي إلا “عمل إرهابي” مؤشر واضح ونتيجة مبكرة لــ “شكل” الحلّ السياسي الذي تسعى إليه عُمان.

من الضروري التشديد على أهمية حفظ حقوق كافة الأطراف في تواجدهم السياسي في أيّ حل قادم، ولكن، أن يتم التغاضي عن كافة جرائم الحرب التي ارتكبها النظام السوري، فهذا أمر غير محمود العواقب البتّة. رغم أنّنا لا نستطيع إنكار “الإنحراف” الكبير الذي وصلت إليه الثورة السورية، منذ قُبول بعض أطرافها مساعدات “مشبوهة” نوعا ما، تحكمت في مسارها المستقبلي، بل وأضفى عليها طابعا “دينيا” بعد أن كانت ثورة شعب يطالب بحقوقه في المشاركة السياسية والكرامة والحرية، والتي تطورت لاحقا –بسبب عنف النظام- إلى تغيير للنظام. إلا أنّ هذا الانحراف إذا ما قمنا بتحديده، لتمكنا بسهولة من معرفة “جوانب” الخطأ والإضافة، وكذلك استبعادها عن واقع الثورة السورية، خاصة مع وجود الجيش السوري الحر، الذي لا زالت أهدافه تحرير الأرض السورية من قبضة النظام السوري، وتأسيس دولة مدنية، لا دينية، في أكثر من مناسبة.

بعض الأخطاء التي شابت الحراك الثوري في سوريا لا تلغي الثورة. وتنامي ظهور جماعات متشددة دينيا لا يُلغي أبدا حرص شريحة واسعة في الجيش الحر، وكذلك المجلس الوطني السوري إلى إقامة دولة مدنية. كذلك، لا بدّ لنا من أن نعترف، أن مساعدة إيران، وحزب الله للنظام السوري –وروسيا “عسكريا” مؤخرا-، وتدخلهم المباشر في الأزمة السورية أجّج من الصراع الطائفي، وساهم إلى تعزيز تواجد “المذهبيين” كردة فعل. وهو الأمر الذي شهدناه للأسف كذلك في البحرين سابقا، حينما دخلت القوات السعودية والإماراتية لكبح “الثورة البحرينية”.

أيّ حل سياسي، قائم على تسويات، حل سياسي مؤقت، شبيه بتأجيل حدوث “كارثة” من جيل إلى جيل آخر. وأي حل سياسي يتم التغاضي فيه عن الجانب الحقوقي، والسكوت عن جرائم أيّ طرف كذلك، سيخلق فتيل أزمة أكبر، قابل للاشتعال مستقبلا في أيّ وقت في حالة تغيّر ظروف المناخ السياسي الداخلي للبلد، أو حتى الخارجي. وعلى عمان أن تدرك، أن السلام ليس مجرد اتفاقيات يتم التنازل من خلالها عن بعض الأهداف والمصالح للإلتقاء على نقاط متشابهة أو الوقوف على أرض متساوية، بل السلام حلول جذرية تنزع الأسباب الرئيسية لنشوب الأزمات.

الحالة الحقوقية في عمان الداخل ليست جيدة، وانتهاكاتها بحق الناشطين مستمرة، وبعض الأحكام التي صدرت منذ 2011 وحتى الآن، بحق الكتّاب والناشطين، تعطي وصفا عاما وربما كذلك مفصلا، على أن عُمان الداخل تعيش أزمة حقوقية كغيرها من دول الخليج العربي، وأنّه وفق ما نشرت رويترز في 21 ديسمبر 2015، فإن الولايات المتحدة أعفت “سلطنة عمان” من انتقاد “مُحرج” لها في سجلها الحقوقي، كمكافأة لها على دورها في حل أزمة النووي مع إيران. هذه الخطوة كفيلة بحدّ ذاتها إلى تفسير اتجاه “التسويات” الذي تمارسه حاليا “عُمان”

العقلية الحقوقية، التي تحترم حق الإنسان وكرامته وتصون حريته، وتُجرّم الإرهاب أيّا كان مصدره، هي العقلية التي من المفترض بها أن تدير أيّ علمية سلام في جزء من العالم. فليس من المعقول أن تأتي أنظمة تمارس القمع مهما كانت درجته، وتمّت إدانتها في أكثر من تقرير حقوقي، وتقبع في مؤخرة الدول في الحرية، وكذلك في حرية الصحافة، أن تقود عمليات سلام، بحجة أنها دول تعيش حالة استقرار عالية المستوى، دون إشارة إلى أن نوع النظام “سلطوي مطلق”.

الصحافة في عمان: قوانين تكرّس التضييق على الحريات


بهان الحنشي – كاتب وناشط حقوقي

رابطة الصحافة البحرينية  http://www.bahrainpa.org/?p=487
تمثل حرية الصحافة وحرية العمل الصحفي  إحدى الركائز الأساسية لحرية التعبير، التي تضمنتها المادة التاسعة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948م. الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان السياسية والمدنية التي اعتمدتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة في عام 1996، تضمنت أيضا في مادتها التاسعة عددا من البنود التي كرّست مبادئ حرية الرأي والتعبير والإعلام، وهي إن لم تكن قد ساهمت بصورة مباشرة في تطوّر العمل الصحفي بالنّظرإلى طريقة تناول الأحداث في مختلف المجالات، إلا أنها بالتأكيد ساهمت في وجود قاعدة أساسية لحماية حرية الرأي والتعبير والإعلام، والتي بدورها أتاحت للصحافة مجالا واسعا تتحرّك من خلاله.
ولكن الوطن العربي، الذي أصبح مثالا على “تردّي حرية الصحافة” يعيش حالة يمكن وصفها بالصحافة المعلّبة، أو الصحافة ذات الخطوط المحدّدة، خطوط عادة ما تضعها وترسمها السلطة. لذلك ليس بالغريب أن تحتل الدول العربية والخليجية خاصة مراتب متأخّرة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تصدره منظمة “مراسلون بلا حدود”.
وإن كانت الكويت واحدة من الدّول التي حققت مراكز متقدمة، ليس على صعيد الدول الخليجية فحسب بل والعربية أيضا، فإنّ دخول الإتفاقية الأمنية الخليجية حيز التطبيق ساهم في تراجع تصنيف الكويت، حتى وإن كان برلمان الكويت يرفض تطبيق الإتفاقية الأمنية، لكنّ سلسلة الاعتقالات ضد الناشطين والصحفيين أثبتت أن الكويت لا تختلف عن نظيراتها من دول الخليج العربي.
منذ العام 2011، وبعد أن بدأت العمليات الإحتجاجية في عدد من البلدان العربية، واجهت الصحافة العربية والخليجية تحديّا جديدا، تمثّل في مدى قدرة الصّحافة على مواكبة الأحداث ونقلها للصورة الصحيحة وليس للصورة التي تريد السلطة لها أن تظهر.
عُمان، التي تحتل في تصنيف الصحافة لــمراسلين بلا حدود، عام 2015  المرتبة 127-من بين 180 دولة-، لم تكن بمنأى عن كلّ ما يحدث حولها، فقد شهد عام 2011 احتجاجات واسعة في أكبر المدن، مثل العاصمة مسقط، وصحار وصلالة وصور. إلا أن الحراك الإحتجاجي على أرض الواقع لم يكن هو ما ينقله الإعلام أو الصحافة. ورغم أن سقف حرية العمل الصحفي المحدود معروفة للجميع قبل أحداث 2011، إلا أن هذه الأحداث أعطت تأكيدا على وجود خلل في العمل الصحفي وضرورة إيجاد البديل عن الإعلان الرسمي، أو حتى الخاص الذي تتحكم بسياسة تحريره أجهزة الدولة الأمنية.
في عددها الصادر في 18 يناير 2015، نشرت جريدة الزمن العمانية تحقيقا حول حرية الصحافة في عمان، صرّح من خلاله عوض باقوير، رئيس مجلس إدارة جمعية الصحفيين –جمعية حكومية أنشأت في نوفمبر 2004- أنّ: تقرير منظمة مراسلين بلا حدود وتصنيفها للسلطنه لايتمتع باي معايير مهنية. وإذا ما اعتبرنا أن جمعية الصحفيين، هي مؤسسة حكومية مكملة لبقية المؤسسات الإعلامية، لن نستغرب خروج تصريح مثل هذا من هذه المؤسسة، خاصة إذا ما أشرنا إلى تصريحات أخرى لــ “باقوير” اتهم فيه حتى المنظمات الحقوقية بابتزاز دول الخليج، وذلك في مقال له باسم: المنظمات الحقوقية وأجندتها الخفيّة. مع العلم، أن المقال إيّاه نشره “باقوير” على إثر قضيتي الرأي الشهيرتين في عمان “الإعابة والتجمهر” والتي تمّ فيها اعتقال العديد من الناشطين والكتّاب عام 2012.
لكنّ التأكيد على “غياب” حرية الصحافة في عمان، لم تكن منظمة “مراسلين بلا حدود” وحدها من أكدته، بل كذلك منظمة “فريدوم هاوس (بيت الحرية)”، التي أعطت عمان حسب تصنيف 2015 لحرية الصحافة، 71 نقطة، ووصفت الصحافة في عمان على أنها غير حرّة. وهو التصنيف الذي ثبتت عليه عمان في آخر 9 سنوات في خارطة التصنيفات لمنظمة فريدوم هاوس.
صحيفة الزمن:
لعل وجود صحيفة “الزمن” في الميدان، أعطى نكهة مغايرة للعمل الصحفي، وكسر الروتين المتعارف عليه للصحافة في عمان، فمنذ نشأتها في أغسطس 2007، قدّمت “الزمن” العديد من المواضيع التي اتسم بعضها بحيز من الجرأة في الطرح، خاصة المواضيع التي تطرقت إلى “فساد” بعض المؤسسات الحكومية، إلا أن العاملين بالصحيفة لم يسلموا من البلاغات الكيدية وحتى المحاكمات، مثلما حدث مع “يوسف الحاج” رئيس تحرير الصحيفة الحالي، في عام 2011 على إثر قضية متعلقة بفساد إداري في وزارة العدل، وكذلك الصحفيين زاهر العبري وخالد الزيدي، الذين تم استدعاءهما لمقر الإدعاء العام في محافظة مسقط، والتحقيق معهما وسحب بطاقاتهما الشخصية مؤقتا.
الصحافة الإلكترونية:
ساعدت موجة انتشار “المدوّنات” الإلكترونية على تغيّر نمط النشر والكتابة، حيث استطاع العديد من المدوّنين الذين افتتحوا لأنفسهم مدوّنات خاصة نشر أفكارهم وآرائهم بحرية دون تدخل مقصّ الرقيب. لكن الأمر لم يكن بالسّهولة المتوقّعة، فقد تعرّض العديد من المدونين للاستدعاء والتحقيق معهم، كما تعرّض بعضهم للإعتقال وصدور أحكام قضائية في شأنهم. ولعل أحداث 2011 ساهمت في بروز مشكلة التدوين كأكبر تحدّي واجهته السلطات الأمنية، التي تعاملت معه بشراسة غير معهودة، عبر الإعتقال وتلفيق التهم، واستغلال المؤسسة القضائية لإصدار أحكام بالسجن لا تقل عن 6 أشهر ولا تزيد عن 3 سنوات في كل قضية على حدة.
تطوّر النشر الإلكتروني لاحقا، وساهم في وجود صحف إلكترونية عديدة، أبرزها صحيفة “البلد”، التي قدمت شكلا جديدا للعمل الصحفي عبر الأدوات المستخدمة وكذلك المضمون، ولكنها لم تقدم جديدا على مستوى الجرأة في الطرح، ما عدا متابعتها لبعض قضايا حرية التعبير والرأي ونشرها عبر موقعها. ولكن دخول صحيفة “مواطن” الإلكترونية ساهم في تنوع الطّرح الصحفي، وكذلك في تناول قضايا الرأي والتعبير بجرأة غير معهودة، الأمر الذي تسبب في استدعاء رئيس تحريرها “محمد الفزاري” مرّات عدة قبل أن يتم سحب جوازسفره لاحقا، كما تمّ استدعاء العديد من محرري الصحيفة والعاملين بها، قبل أن تعلن الصحيفة لاحقا في شهر يناير المنصرم، عن توقفها عن النشر لضمان سلامة كتّابها والعاملين بها.
القوانين:
أكثر ما يتهدد حرية التعبير والرأي، ليس غيابها أو محدوديتها فقط، بل وجود قوانين هدفها الإنتقام من أي ناشط أو كاتب أو صحفي يعمل على انتقاد المؤسسة الرّسمية أو نشر أيّة أخبار لا ترغب المؤسسة الرسميّة في ظهورها. وكان عدد من الناشطين والكتّاب حذّروا من تداعيات المادة 26 من قانون النشر والمطبوعات، والتي تم تعديلها بعد موجة الإحتجاجات في 2011، لتصبح كالتالي:
حظر نشر كل ما من شأنه المساس بسلامة الدولة أو أمنها الداخلي والخارجي وكل ما يتعلق بالأجهزة العسكرية والأمنية وأنظمتها ولوائحها الداخلية وأية وثائق أو معلومات أو أخبار أو اتصالات رسمية سرّية سواء أكان النشر من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أو من خلال استخدام شبكة المعلوماتية أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات إلا بإذن من السلطات المختصة في البلاد.
واعتبر الناشطون أن هذا القانون ما هو إلا وسيلة لتقييد حرية العمل الصحفي والنشر خاصة وأن مفردات مثل “سلامة الدولة” أو “أمن الدولة الدّاخلي والخارجي”، من السهل توظيفها ضد أيّ مقال أو تقرير أو حتى رأي، ينتقد سياسة الدّولة الداخلية أو الخارجية، خاصة إذا كان هذا المقال أو التقرير يتضمن إثباتات معيّنة ضدّ أي مؤسسة رسمية في البلاد.
في عام 2012، حدثت موجة اعتقالات شملت أكثر من 30 ناشطا وناشطة، منهم كتّاب وحقوقيين ومدوّنيين، وحتى ناشطي مواقع تواصل اجتماعي، وكانت الإدانات ضدّهم تتعلّق بمقالات أو آراء أو تقارير، تمّ نشرها جميعا عبر الانترنت، فيما اشتهر لاحقا بقضيتي الرأي “الإعابة والتجمهر”.
الخلاصة:
حرية العمل الصحفي، ليست مجرد عناوين برّاقة مثلما يعتقد البعض، بل هي الغوص في تفاصيل الأشياء وتقديمها للقارئ بشفافية كاملة، وتكمن الحرية هنا في ضمان سلامة الصحفي وحتى المدوّن أو الناشط الإلكتروني، من أيّ ملاحقات أمنية قد تهدّد مستقبله أو تقوده إلى السجن. ولكن للأسف، ما تشهده عمان اليوم، هو تزايد الاستدعاءات للتحقيق مع العديد من المواطنين وقد تتحول بعض القضايا للمحاكمة، كما أن إغلاق الصحف الإلكترونية مثلما حدث مع مجلة مواطن، كان نتيجة ضغوط أمنية شديدة على محرريها بسبب نوعية المواضيع المطروحة في المجلة. وهو ما يؤكد يقينا على غياب حرية الصّحافة بمعناها العملي في عمان.

أزمة النخب


            فرق كبير، بين مقولة سقراط: “المعرفة فضيلة”، أو مقولة جورج صاند: “الفهم التام صفح كامل”، وبين بيت شعريّ للمتنبي: ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله . . وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم. فالمقولات، وإن مثّلت تفكير أفراد ما بعينهم، تمثل واقعا متكرر المشاهد، في مجتمعين يفصلهم الدين واللغة وحتى التاريخ، الغرب والعرب. وهي تعطي وصفا عامّا لوضع المثقف في كل مجتمع، ومدى تقبل أو تناقل أفكاره سواء في السلطة السياسية أو المجتمع المدني.

​         الغرب، والذين حتى وقت قريب، كانوا أكثر المجتمعات استعبادا للشعوب الأخرى، لمجرد الاختلاف معهم في اللون أو الثقافة، وكانوا أكثر الشعوب حروبا واحتلالا وتدميرا للبلدان –بعض الدول لا زالت تمارس الدور نفسه وإن اختلفت الطرق-، بل ساهموا إلى محاربة مفكريهم ومحاكمتهم منذ أمد بعيد، مثلما حدث مع سقراط نفسه -تهمة إفساد عقل الشباب- وما حدث مع جاليليو كذلك بعد مواجهة الكنيسة له ولعلمه، تقف مجتمعاتهم اليوم قبل أنظمتهم السياسية، موقفا ثابتا وصارخا أمام أي تجاوز أخلاقي إنساني للبشرية، فرغم سياسة المصلحة وقطف “الثمار” التي تتبعها أنظمتها تجاه العالم الثالث، إلا أنّك تجد مجتمعاتها دائما ما تتعاطف وتتظاهر منددة ومعارضة، فلا تستغرب أن تجد مسؤولين إسرائيليين يتجولون في بلدان عربية بكل أريحية، في حين أنهم ممنوعون من دخول بعض الدول الأوربية مثلا بتهم تتعلق بجرائم بشرية!

           ​وهنا منبع الفكرة الأولى التي افتتحت بها مقالي، فالمعرفة التي عدّها سقراط فضيلة، ووصفها “جورج صاند” على أنها صفح كامل، يراها المتنبي شقاء، وهي فكرة تمثل حال تعامل المجتمعات مع مبدعيها ومفكريها، والغربة التي يعيشها هؤلاء بين مجتمعاتهم، وليست ببعيدة تماما عن مقولة العالم العربي المصري الكبير الحائز على نوبل د.أحمد زويل، حين قال: “نحن نحارب الناجح حتى يفشل، وهم يدعمون الفاشل حتى ينجح”. وليس مبالغا فيه ما ذهب إليه زويل حقا، فها هي الأزمات الجديدة للمواطن العربي بعد أحداث 2011، والهجرة الطوعية أو القسرية التي يعيشها عدد من أبنائه، تجد المجتمعات الغربية تتعامل معهم كأفراد منهم، ويعيشون بينهم كمواطنين عاديين، في حين أن المجتمعات العربية لا زالت تتجنب “مخالطتهم” للمجتمع، وتضعهم في مخيمات بعيدة، هذا إذا لم تتآمر مع حكوماتهم للقبض عليهم وإعادتهم مجددا، مثلما يحدث حاليا في الخليج العربي إثر تنفيذ الاتفاقية الأمنية الخليجية.

             ​ولا أستطيع هنا ردّ الحالة إيّاها -غربة المبدع والنخب- إلى أصلها، فهل هي نتاج ممارسة مجتمعية جمعية تمثلت في ممارسة سلطوية، أم أنها ظاهرة سلطوية تفردية انعكست ظلالها على المجتمعات العربية، فأصبحت المجتمعات بقصد أو دون قصد، صورة مكررة عن أنظمتها! فمن ناحية المجتمعات، لا زلنا لليوم نشكك في كل اختراع أو بحث علمي؛ ونستعين بأقرب مثال وهو انتشار فيديو لأحد الدعاة وهو ويكذّب نظرية دوران الأرض! وكذلك نحارب كل معارض لأي نظام “استبدادي” أو منادٍ لإصلاح سياسي. ومن ناحية السلطة، فالميزانيات السنوية الموضوعة للتعليم والبحث العلمي خير مثال على ما نتحدث عنه هنا، سواء كان هذا نتيجة جهل السلطة بأهمية هذا الجانب أو تعمدها لذلك.

​      لكنّي أستطيع الجزم، أن السلطات في الوطن العربي عامّة، والخليج العربي خاصة، ساهمت بصورة مباشرة، تكاد تكون متعمدة، إلى تأسيس نوع من المجتمعات “الخاضعة” قهرا أو طوعا لها، وهذا بدوره ما أدى إلى وجود مجتمعات شبيهة بسلطاتها في “ردة الفعل” تجاه أي فعل أو رأي معارض، حتى وإن كان هذا الرأي أو الفعل في مصلحة هذه المجتمعات بكافة حدوده القصوى. مما أدى إلى تشكل ظاهرة نفور عام من أي مواطن عربي/خليجي يحاول ولو من خلال “القلم” أن ينتقد الحاكم العربي أو أداء حكومته، في الوقت الذي تجد فيه حكومات المجتمعات الغربية، تعمل على زيادة الوعي بين مواطنيها، حول أهمية مشاركتها في العملية السياسية وصنع القرار، وتوفير كافة السبل اللازمة لتأمين هذه المشاركة، عبر الوسائل التعليمية والإعلامية وغيرها، المتاحة للجهتين (الحكومة والشعب).

         ​الغربة التي يعيشها المناضل العربي، لا نستطيع وصفها على أنها ردة فعل شعبية بحتة لرفض أي فكر معارض لتوجه المجتمع، بالتالي التعلل بغياب الوعي “الجمعي” وعدم جهوزية المجتمع؛ بل هو سيناريو حكومي بحت، أنتجته العصى الأمنية اللاذعة التي أطلقتها الحكومات العربية على ظهور معارضيها، وأسلوب الجَلد هذا هو ما سبب إلى حالة خوف العامّة التي أنتجت “شرطيّ المجتمع” الذي ينوب عن السلطة في عملية التشهير والتضييق المجتمعي، في حين أن السلطة تكتفي بالاعتقال!

         ​لم يعد “أصحاب المعرفة” والعلماء وحدهم من يعيشون غربة في مجتمعاتهم العربية عامة أو الخليجية خاصة، بل حتى الناشط السياسي والناشط الحقوقي أو أي فرد يختلف توجهه من ناحية الدين أو المعتقد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، يعيش الغربة نفسها، وليس غريبا أن تجد للسلطة “نخبة” كذلك، تضم أعلى الشهادات وأرقى المناصب العلمية، يستميتون في الدفاع عن السلطة وقرارتها، حتى وإن كانت هذه القرارات مخالفةً لقناعاتهم الفكرية أو معتقداتهم العلمية التي اكتسبوها ويعملون على تمريرها للناس كمادة علمية أو أدبية.

​يا لحظ تلك الشعوب التي تعيش على فضيلة الوعي وصفحها الكامل، ويا لشقاء شعوب في الجهة الأخرى يشقى بعض أفرادها بوعيهم!

 

الحرية في السلطة والدين والمجتمع


أمام هذا التدفق اللامنتهي لاستخدام أو توظيف كلمة “الحرية” في الإعلام بمختلف أنواعه، القديم والحديث، سيبدو أي حديث  عنها مملا وغير مجد ربما، خاصة وأنّنا في الشرق الأوسط نشاهد أكثر المعاني سوءًا لكلمة الحرية، وأكثر الطرق بشاعة في توظيفها! فقد نجحت الأنظمة القمعية وبكل اقتدار وتفنن في تصوير “حرية” التعبير والرأي في مجال السياسة، على أنها الدمار والخراب وانعدام الأمن…إلخ. كما نجحت التيارات والمذاهب الدينية المختلفة، إلى تقديم الحرية على أنها عدم التزام بالضوابط الشرعية ومناداة إلى العري والتردي الأخلاقي. وكذلك نجح “المحافظون” في مختلف المجتمعات العربية إلى تقديم الحرية على أنها “فيروس” سيتسبب انتشاره إلى غياب كافة هوية المجتمع وأصالته وعراقته… إلخ من هكذا نوع من الأمثلة، التي أكتفي بطرحها هنا بصورة عامة مع الإشارة إلى مظاهر “قمع” السلطة، الدين والمجتمع، لأي صوت مختلف معارض، حتى تطوّر هذا الإشكال، ليصل إلى النخب المثقفة والمتعلمة في كل مجال، والتي بدورها مارست القمع مستندة على “الأمن” و”الدين” و”الأعراف والتقاليد”، إمّا كل حجة على حدة، وإما جميعهن سواء. ومن هنا أودّ التطرق إلى اختبار وتجريب مفهوم الحرية في مجتمعاتنا، عبر استخدام عدد من الأدوات كمعايير للقياس والتحقق، ولن أستطيع الذهاب بعيدا عن المجالات الثلاث التي حددتها سابقا.

  1. السياسة:

الأنظمة السياسية عادة ما تعتمد على عكازّ الأمن لبسط سيطرتها على كافة أطراف الدولة، وإدارة شؤونها. وهذا الأمر في صورته العامة مبرر تماما، أي من حقّ المواطن أن يعيش في بلد آمن، ولكن، عبارة مثل “العيش في بلد أو مكان آمن” عبارة فيها الكثير من التضليل، فلا يصح مطلقا التعامل مع الفرد وكأنه “ملكية عامة/خاصة” يحق للدولة أو النظام التحكم فيه، أي التحكم في خياراته وأسلوب عيشه وتحديد طريقة تفكيره. بمعنى، أن مسألة الأمن والأمان يتضح معناها الحقيقي، حينما يمارس المواطن حقّه في التعبير والرأي، مهما بلغ شدة اختلافه مع المؤسسة الرسمية أو النظام، وكلما ازدادت حدّة اختلافه كلما ازدادت مسؤلية النظام في توفير المناخ الآمن له عبر حماية حقّه في التعبير وحمايته كذلك من تداعيات هذه الممارسة من الآخر، سواء كان هذا الآخر السلطة الأمنية نفسها التي يستند النظام عليها في بسط سيطرته، أو من المؤسسة التي يعمل بها أو حتى من المجتمع المختلف معه في الرأي.

أحد أوجه التضليل العام، التي تتبعها الأنظمة، هو استخدام مصطلح “خيار الأغلبية”، فاستخدام هذا المصطلح عادة ما يكون نتيجة لعملية ديمقراطية متعلقة باختيار ما، مثل رئيس، برلمان، دستور،،، إلخ من الأمثلة التي من الممكن الاستشهاد بها للدلالة على مصطلح خيار الأغلبية. لكن الأنظمة الاستبدادية عادة ما تستخدم هكذا مصطلح للدلالة على مدى شرعيتها، بالتالي شرعية أي قرار “قمعي” تتبعه ضد من يختلف معها، وتحويل معنى المصطلح ليكون أقرب لمسابقات “الإكس فاكتور” أو “جوت تالنت” وغيرها من هذه النوعية من المسابقات، التي يكون الفائز فيها حسب أكثر نسبة تصويت.

كما أن السلطة في العديد من بلدان الشرق الأوسط، ومنها “عُمان”، نجحت في استغلال فئة أو شريحة واسعة من المثقفين، وتقديمهم كواجهة حضارية لها بما يفيد اهتمام السلطة بتنمية العمل الثقافي، وبناء الجانب الحضاري في الإنسان. ولكن، الغريب أن تجد هذه الشريحة هي المتصدر الرئيس لمشهد الدفاع عن النظام، وسياساته، والتبرير لأي عمل قمعي يقوم له، بل والتغطية كذلك على أي خطأ أو انتهاك حقوقي تمارسه السلطة وتقديمه على أنه عمل يتماشى مع رغبة العامّة من الشعب، وأنه صورة متبعة في أي بلد حضاري متقدم آخر، لحفظ الأمن والأمان، حتى أصبحت حرية التعبير أو حرية انتقاد النظام الحاكم جريمة هي الأخرى.

ودون الإطالة أكثر في هذا الجانب، أعتقد أن الطريقة الأمثل عادة في قياس هذا الجانب، تتم عبر مراقبة فعل/ ردات فعل الأنظمة اتجاه أي ممارسة تمثل حرية التعبير والرأي، مثل:

– المظاهرات، الاعتصامات أو أي نوع من أنواع التجمعات السلمية، التي يكون الهدف منها الاعتراض أو الاحتجاج على سياسة ما في إدارة الدولة.

– الكتابة، النشر والعمل الإعلامي. حيث يجب أن نرى كذلك ونشاهد مدى ردة فعل الأنظمة اتجاه المقالات أو المقابلات أو أي نشاط اعلامي عكس اتجاه الأنظمة.

  1. الدين:

مما لا شكّ فيه، أن ما يسمى بالتراث الديني، أغلبه قائم على اجتهادات شخصية، وأراء تمثل شخوص قائليها، وليس الفكرة التي ينتمون إليها. كما أنّ أيّة أحداث وقعت في فترات تاريخية سابقة، خاصة في المراحل التي شهدت تقدما حضاريا واقتصاديا وعسكريا في الدولة الإسلامية، هذا لا يعني بالضرورة أنها صحيحة بمجملها أو مشروعة، فقط لأنها في عصر شهد تفوّق الدولة الإسلامية. ولعلّ البحث والتمحيص في الأحداث التي وقعت سواء في عصر الرسول محمد أو فترة الخلافة الراشدية من بعده، والدول التي نشأت بعد ذلك، وقراءة كافة هذه الأحداث بحيادية وتحليلها، أحد أهم الطرق لكسر المحظور، وإيجاد أرضية واسعة لحرفنة هذه العملية النقدية، لتشمل حتى القرآن والحديث، وما إلى ذلك من عملية نقدية تسقط صفة القدسية عن النص أيّا كانت صفته، وتعطي قيمة للإنسان أكثر مهما كان انتماؤه، وهذا ما نفتقده بشدة في الكثير من المجتمعات، للأسف منها الإسلامية كذلك.

كما أن انتقاد الأحداث والشخصيات المعاصرة، خطوة مهمة مكملة للخطوة السابقة، فلا بد من توفير وسيلة انتقاد آمنة مجابهة لأي نشاط ديني حالي، يستند على خصوصيات الناس وأفعالهم وتصرفاتهم في تمرير أجندات أو أفكار مذهب ما بعينه، كما يختصر مفهومي الثواب/ العقاب على تصرفات الناس الخارجة عن أعراف المجتمع، وتوظيف حكايات أو مواقف من التاريخ من أجل تقييد حريات الناس، وفرض مفهوم “عيش” محدد في ظاهره هو في مصلحة الناس في دنياهم وآخرتهم، وفي باطنه هو توسيع لرقعة سيطرة “رجال الدين” على حياة الناس وتأمين مكانة محصّنة من انتقاد أي معارض لها. لذلك، لا يجب التهاون عن تناول أي شخصّية، مثل المفتي أو الفقيه أو الداعية… إلخ، وهذا لا يعني تجهيز الأحكام المسبقة، وتغليف أي رفض للآخر على أنه عملية انتقادية، بل الفكرة تتمحور في في نقاش الأفكار فقط، وعدم السماح لأفكار شخص ما أن تتحكم بمظاهر الحياة العامة للناس، وكذلك نزع أي صفة تقديس عن رجل دين.

أدوات الاختبار ومعايير القياس:

–  نقد الرواية التاريخية في كافة المراجع المعتمدة، بداية من القرآن والحديث إلى كتب التفاسير القديمة والحديثة.

–  نقد مظاهر عيش المجتمعات، وتحديد أصل هذه الظواهر، إن كانت تنتمي لعادات مجتمع، أو سبب فرضها إن كانت مظاهر فرضها الدين…إلخ.

  – تناول الشخصيات المتصدرة للمشهد التاريخي أو المعاصر، الفقهاء والدعاة…إلخ.

  1. المجتمع:

لا أنسى إلى الآن مقالا قديما لكاتب عماني كبير، ذكر فيه حادثة غريبة جدا عن باحث عربي كان يعدّ رسالة الماجستير أو الدكتوراه عن أحد الشعراء العمانيين، وحينما تواصل والتقى لاحقا بأحد موظفي مؤسسة رسمية معنية بالثقافة، نصحه هذا الموظف أن يبحث في تاريخ شاعر له أصله ونسبه، ويبتعد عن هذا الشاعر عديم الأصل “الخادم”. كذلك لا أنسى رواية محام عماني لي عن حادثة زواج امرأة من رجل لا يكافئها النسب حسب المفهوم المجتمعي -الزواج حدث في دولة أخرى-، الغريب في رواية المحامي، أنه ذكر لي أنّ القاضي  في المحكمة سأل الزوج صراحة: ألا تعلم أنها أرفع منك نسبا، فكيف تتزوجها!. أو تغاضي سلطات أمن الدولة، وحتى بعض رجالات دينها عن حادثة محاولة قتل فتاة لأنها كانت تريد الزواج من رجل أقل منها نسبا…إلخ. أو حادثة تتعلق برجل “ناشط سياسي مخضرم” لا ينفكّ يتحدث عن العدالة الاجتماعية وتذويب الفروقات وضرورة إلغاء كافة الأعراف الاجتماعية، وحين تقدّم أحد ما للزاوج من ابنته، أوّل ما سأل عنه هو نسب الرجل وأصل عائلته… إلخ.

الأزمة نفسها تعشعش لدى الكثير من النُخب الثقافية الذين استغلوا “مناصبهم” التي تسمح لهم باختيار أسماء معينة للتمثيل خارج عمان، أو المناسبات الكبرى داخل عمان نفسها، والاعتماد على المفهوم الطبقي في الاختيار!

وجود فئة أو شريحة واسعة من المجتمع، تعمل كــ “شرطي” أخلاق عبر مراقبة تصرفات أفرادها، من ثم تهييج الرأي العام في محاولة “وقحة” للضغط على مؤسسات الدولة -التي عادة ما تكون طرفا من تصاعد هذا الضغط- لمحاكمة أي فرد صدر منه أي فعل أو قول، لا يتوافق وأعراف المجتمع!. وهذا ما برز بصورة كثيفة في الفترة الأخيرة عبر مطالبات بمحاكمة كتّاب أو منع كتبهم، لوجود عبارات تصف مشاهد “جنسية” مثلا، بحجة أنه أسلوب شائن ضد الدين وضد أعراف المجتمع! كذلك الحملات التي يتم شنها على بعض الشخصيات العامة مثل الإعلاميين، الفنانيين، أو حتى الشخصيات الرياضية، وذلك عبر انتقاد أسلوب حياتهم وطريقة لبسهم، والمطالبة بضرورة معاقبة كل شخصية عامة تظهر في مواقع التواصل الاجتماعي بمظهر لا تتوافق وأعراف المجتمع!

غياب احترام الفرد، الذي في أساسه هو بناء ممنهج للقضاء على أي عملية نقد للسلطة أو الدين أو المجتمع، أصبح مدعوما حتى من نخبة من المثقفين والأكاديمين والإعلاميين، لذلك، أصبحنا لا نستغرب حين نجد برنامجا مدعوما من الحكومة، لا يُفرق بين مفهومي “القيم” و”الأخلاق”، ويوظف كل أدواته لالتقاط أي مظاهر أو ممارسات فردية مختلفة لا تتوافق مع فكر صاحب البرنامج، وتقديمها على أنها انقضاض سافر على “قيم” المجتمع، وإساءة لأخلاقه وأعرافه! أو أن تجد مقالا من إعلامي أو كاتب أو أكاديمي في صحف محلية حكومية أو خاصة، يطالب فيها بضرورة ابتكار أو إنشاء قانون يمنع أو يُجرّم أي مظاهر لا تتوافق مع المجتمع. كل هذه الأشكال، ساهمت إلى تعزيز قيمة “المجتمع” على حساب قيمة “الفرد”. وتأسيس مفهوم حداثي لــ القطيع/المجتمع أكثر حصانة، باسم الدين أو الأصالة…إلخ.

من جهة أخرى، فإن الكثير من المثقفين والأكاديمين، يأكدون باستمرار، على أنّ الحكومة تعمل على إلغاء كافة الفروقات الطبقية والاجتماعية، وهذا توظيف “وقح” لظاهرة عامة يُراد منها تلميع صورة الحكومة، في الوقت نفسه الذي تنظم فيه هذه الحكومة ظاهرة “المشيخة” و”الرشادة”، وحتى درجات المشيخ بين كل شيخ وآخر، ودعمها بالمال كذلك، عبر تخصيص مؤسسة رسمية وهي “الديوان” التي تعتبر أحد أهم المؤسسات الرسمية التي يُنفق عليها نسبة غير هيّنة من ميزانية الدولة سنويا!

أدوات الاختبار ومعايير القياس للمجتمع:

–  نقد المشيخة والرشادة والمطالبة بإلغائها.

–  نقد غياب القوانين التي تحمي خصوصية الفرد في حرية العيش أو حرية التعبير، بل وحتى حرية اختيار الدين.

مردود غياب دور الحرية وتعزيز القمع:

غياب الحرية ممارسة وظاهرة عن المجتمعات، يقابله -إن لم يكن السبب- تعزيز الدور الأمني، سواء من السلطة أو الدين أو المجتمع، وتنامي العملية القمعية عبر تطوير آليات القمع باستحداث القوانين التي تمكن المجتمع قبل السلطة؛ من الوقوف صخرة أمام أي مظاهر للحرية، وهو أمر كما ذكرت سابقا، وإن بدا في ظاهره عشوائيا مرتبطا بثقافة تراثية أكثر منها منهج أمني سلطوي، إلا أنه وفي اعتقادي بناء ممنهج لتأسيس عملية طويلة الأمد للقمع وتجريم حريات التعبير والتظاهر والاختلاف. الفرد، هو أصل أي عملية تنموية في المجتمعات، ومتى ما تطوّر الفرد علميا وثقافيا، تطوّر المجتمع. ولن يتطوّر المجتمع طالما كان مجرد مؤسسة محكومة بمجموعة من القوانين أو الظواهر والأعراف، التي تعمل على تعزيز الفكر الجمعي الموافق لسياسة القمع والتقديس.

الإعلام البديل


لا شك أن المؤسسات الرسمية- السلطة- في الخليج العربي، تتحكم في الإعلام كافة، المرئي والمقروء والمسموع، من رسم سياسة التحرير إلى التعيين والترقية، وهذا ما أدى تراكمه منذ عقود ثلاثة خلت، إلى إيجاد طبقات “إعلامية” شرسة جدًا ضد أي انتقاد لعمل السلطة، أو أي انتقاد لشخص الحاكم نفسه، وليّنة جدًا حدّ “العصر” أمام أيّ مديح للسلطة!. هذه الطبقات، مهما أرادت الذهاب باتجاه تغييرها ولو بتأثير خارجيّ، فسوف يكون البديل من حيث الإسم “جاهزًا”، ولكنه سيكون شبيهًا من حيث العمل بسلفه. وهو أمر يتمحور أساسه لا في سياسة صناعة الرأي، بل في تجنيد “كوادر الرأي” نفسه، حتى لا يختلفوا عن غيرهم في أي مؤسسة أمنية أو عسكرية، بل وحتى تعليمية!

    لا أحد ينكر مطلقًا دور مواقع الإعلام الاجتماعي مثل: الفيس بوك والتويتر واليوتيوب وكذلك المدوّنات والمنتديات الحوارية العامة، في خلق مناخ “إعلامي” جديد، مزيج من العمل الصحفي المقروء والمرئي، فتارة تقرأ مقالًا ينتقد سياسة حكومة ما أو حاكم ما، لن تتوفر له فرصة النشر في أي صحيفة محلية، حتى وإن كانت خاصة، وتارة تشاهد مقطعًا تصويريًا لــ شاب أو فتاة، ينتقد السلطة، على اليوتيوب، بالتأكيد لن تتاح له الفرصة للظهور في أي قناة، حتى وإن كانت خاصة، طالما تتبع وتذعن لسياسة الحكومة!

ولطالما كانت التهمة الجاهزة والمعلبة للسلطة تجاه أي معارض لسياساتها، وأحيانًا لنظامها- لا تقبل الحكومات الخليجية عادة أيّ نقد لمؤسساتها- أنه عميل وينفذ أجندات خارجية، خاصة إذا ما أتيحت لهذا المعارض فرصة الظهور على قنوات إعلامية خارجية، يسهل التعامل مع الأمر وكأن هذا الشخص هو دسيسة مخابرات أجنبية لبث الفوضى وإيقاظ الفتنة. لكن مواقع التواصل الاجتماعي قلبت الطاولة رأسًا على عقب على الإعلام التقليدي، وأظهر للمجتمعات أسماء ما كانت لتُعرف أو تشتهر لولا هذه المواقع. وما زال العديد من الناشطين في الخليج العربي، في مجالات عدّة كالحقوق والسياسة والمجتمع، يبرزون القضايا التي لطالما عملت الأنظمة على إخفائها عن العامة، أو إيصالها للعامة بفكرة غير الفكرة الحقيقية، بل وذهبت العديد من الصحف العالمية إلى اعتماد صفحات عامة أو شخصية في الفيس بوك أو تويتر، كمصادر لأخبارها، حيث باتت العبارة الرائجة اليوم في العديد من الصحف والقنوات الفضائية: وصرّح عبر صفحته/حسابه الرسميّ.

الملاحظ اليوم كذلك؛ تزايد تجنيد أفراد من المجتمع، أو من المؤسسات الأمنية التابعة للسلطة، ولكن الأكثر قوّة وتأثيرًا، هم الأفراد العاديون من المجتمع، الذين عادة ما يظهرون بأسماء ومعرفات حقيقية، ويعارضون فكرة معارضة أيّ نظام أو أي أداء لأي حكومة حتى وإن كان خاطئًا، وعادة ما يتبعون سياستي: القمع والتشهير، وهم سواء أكانوا يفعلون ذلك بتوجيه مباشر أو غير مباشر أو رغبة خالصة منهم في تقديم عونهم للأنظمة، التي يفضلونها سواء حفظًا لمصالح معينة، أو استجابة لفزاعة الأمن والأمان والفِتَن التي تتعلل بها عادة الأنظمة المستبدة في مواجهة أي معارضة لها، إلا أنهم يقدمون خدمة جليلة وكبيرة للأنظمة، في تشويه الفكرة الأساسية لوجود أي انتقاد أو معارضة للحكومات، وإيصال هذه الفكرة منقوصة أو مجزوءة، تركيبها الأغلب أنها ضد العادات والقيم والدين!

وما أدى إلى تأزم تعامل السلطات مع هذه الظاهرة الجديدة من الإعلام، هو تشكّل ما يشبه المؤسسات البديلة، فالنشر والنقد عبر وسائل الاعلام الاجتماعي شكّل مؤسسات إعلامية بديلة، ونشاط الحقوقيين ورصد الانتهاكات في مجالات عدّة؛ شكّل مؤسسة حقوقية موازية للجان أو المؤسسات الحقوقية التابعة للحكومة، والسياسيين الذين برزوا كباحثين أكاديميين أو ناشطين، وقدموا أراء وأفكارًا وحلولًا وبدائل للرأي العام، لصورة النظام السياسي وتوزيع السلطة وآلية تداولها والدستور…إلخ، قدموا مؤسسة بديلة من الناحية “التطبيقية” المفترضة التي يجب عليها أن تكون في العمل السياسي العام، وهو ما أحرج فعلًا الأنظمة السياسية، وفضح وسائلها القمعية التي تبررها أو تغطيها عادة باسم الحكومة.

مما لا شك فيه، أن الخطأ لا يختلف عليه اثنان، ومهما حاولت الأنظمة تبريره بمصطلحات هدفها مخاطبة عواطف العامّة، مثل: لسنا ملائكة، الخطأ وارد، لسنا أحسن من غيرنا.. إلخ، إلا أن ظهور هذا الخطأ على الملأ يعطي ميزة أساسية لمواقع التواصل الاجتماعي والمؤسسات البديلة التي صاحبتها، في خلق الفرص لكافة أفراد المجتمعات، الذين أتيحت لهم فرصة الاشتراك والتفاعل في هذه المواقع، على الاطلاع ما لم يكن ميسرًا لهم الاطلاع عليه سابقًا، حتى كاد أن يصبح المحظور أمرًا عاديًّا. وهنا يكمن دور ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الجانب، سواء أكانوا سياسيين أم حقوقيين أم قانونيين…إلخ، فتنظيم العمل وتسليط الضوء مع تقديم الحلول وبرامج العمل، أفضل بكثير من الاكتفاء بالنقد واللوم دون تقديم الحلول، وهذا لا يعني بضرورة طرح أنفسهم كبديل، أي حصر الحلول في الناحية الجسدية والشخصية، بل الاكتفاء بتقديم الحلول كجانب عملي، سواء كفكرة عمل، أو كمنفذين أشخاص لها عبر اقتراح أسماء أو مواصفات لأشخاص. والقوانين الجديدة، التي بدأت الأنظمة الخليجية وبعض العربية، في تنفيذها وتطبيقها في حق المواطنين، مثل: الإعابة أو إهانة الذات، والنيل من هيبة الدولة، والإرهاب، والإخلال بنظام الأمن العام، ما هي إلى وسائل تمثل التطوّر القانوني في مواجهة مواقع التواصل الاجتماعي، وهو للأسف يعطي صورة واضحة حول استغلال السلطة لمؤسساتها الأمنية وحتى القضائية، من أجل القضاء على أيّ ظاهرة تعكّر على هذه السلطات عملها، أو بالأحرى فسادها وطغيانها.

الإعلام البديل والمؤسسات البديلة، أثبتت وجودها وفعاليتها، ووقودها الذي تستعين به على استمرارها هو الظلم والفساد والاستبداد الواقع على المجتمعات، فمهما حاولت أغلبية المجتمعات التي عادة ما تكون مؤيدة للأنظمة، تقديم هذه البدائل وناشطيها على أنه فئة مغمورة ذات مصالح وأجندات، إلا أن الظلم والفساد يعمل كل يوم على كشف ثغرات الأنظمة، في القضاء وفي القانون وفي الإعلام وفي غيرها من المؤسسات الرسمية التابعة للسلطة. ومثلما ثبت عدم قدرة السلطات على التعامل معها أو منعها، كذلك ثبت يقينًا عجز الناشطين فيها عن تنظيم أفكارهم وصفوفهم، وظهور أغلب الأفكار كمبادرات فكرية مما يسهم بسرعة نسيانها أو تجاهلها، بالتالي أصبح من الضروري اليوم تنظيم العمل فيها، وتقديم البرامج والحلول، فما يتم الاستهانة به اليوم، يتم الالتفات إليه غدًا، خاصة في ظل استمرار ظلم وفساد واستبدادية الأنظمة، واستمرار تقديم هذه الأفكار كجملة عمل جماعي، وليس مجرد فكرة أو أفكار فرد.

حوار مع نبهان الحنشي: منصب السلطان، جزء من المشكلة، وليس جزءا من الحل!


حوار مجلة مواطن الإلكترونية 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2015

http://www.mowatinoman.net/archives/3510

في الــ 11 من ديسمبر 2012، قرّر الكاتب والناشط الحقوقي نبهان الحنشي، الخروج من عمان حيث توّجه إلى بيروت، مستبقا حكم الاستئناف بيوم، والذي أيّد حكم المحكمة الابتدائية السابق في قضية الإعابة بالسجن والغرامة. استمرّ نبهان في نشاطه الحقوقي وكذلك السياسي، وأسّس في بيروت منظمة حقوقية مستقلة، غير ربحية ولا مدعومة، وهي المرصد العماني لحقوق الإنسان، الذي أصبح اليوم أحد المصادر الرئيسة غير الحكومية لنقل كافة الأخبار والانتهاكات الحقوقية. اليوم يعيش الحنشي في المملكة المتحدة، بعد أن انتقل إليها في يناير 2014. نقوم معه بهذا الحوار حول ما كان وما سيكون.

12243203_463668240488024_4454163524998119170_n

  • سلطة “الفرد” الواحد في أي بلد، تعني تصاعد دور المؤسسة الأمنية. وعادة يكون خفيا ثمّ يبدأ بدوره العلني تحت حجج كثيرة، أهمها حفظ أمن البلد.
  • وجودي في الخارج، لا يعني مطلقا أنني لا أدرك أن حقيقة أي تغيير تبدأ من الداخل.
  • أصوات التغيير غير منظمة وتعمل بصورة فردية، في حين أن فكرة التغيير عملية متكاملة.
  • الأصوات المعارضة في الخارج التي استطاعت تأمين سلامتها حققت خطوات مهمة في العمل الحقوقي.
  • الصوت المعارض سواء كان في الداخل أو في الخارج تهمة التخوين ستلاحقه.. وفكرة التمويل الخارجي فكرة سخيفة.
  • سحب الوثائق الرسمية، التي بدأ اتباعها ضد الناشطين في عمان، أشبه بسحب الجنسية.
  • نظام “الفرد” أفرز شريحة عريضة/ واسعة من المجتمع تعتقد أن انتقاد النظام خيانة، أو انتقاد رأس النظام شبية بالانقلاب!
  • الصوت المعارض سواء كان في الداخل أو في الخارج تهمة التخوين ستلاحق. وفكرة التمويل والدعم فكرة سخيفة.
  • لا أتوقع في ظل السلطان الحالي سيستحدث منصب رئيس الوزراء ولن يمنح مجلس الشورى الصلاحيات التشريعية والرقابية.
  • مثقفو السلطة يعملون على مساعدة السلطة في تضليل الشعب وإلهائهم عن القضايا الأساسية بواضيع تافهة.
  • سياسة السلام الخارجية التي تتبعها السلطة هي سياسة توسّط وليس وسطية، مما يعني عدم جدواها في غياب المعضلة.
  • من أهم الأخطاء التي يرتكبها الناشطون هو انتشار التخوين والتشكيك فيما بينهم، وبعضهم لا زال يعتقد أن العمل الإصلاحي حق حصري لنخبة معينة.

  1. لماذا خرجت من عمان؟

لا أعتقد أن سؤالا كهذا يحتاج إلى إجابة، خاصة في الوقت الراهن. قراءتي للوضع قبل الاعتقال وأثناء فترة السجن، هي أن الأوضاع ذاهبة من سيئ إلى أسوأ. لأن سلطة “الفرد” الواحد في أي بلد، تعني تصاعد دور المؤسسة الأمنية، الذي عادة ما يكون خفيا ثمّ يبدأ بدوره العلني ببجاحة تحت حجج وأعذار كثيرة، أهمها حفظ أمن البلد. ولست نادما مطلقا على هذا القرار.

  1. هل تعتقد أن فكرة العمل من الخارج ستحقق ولو جزءا بسيطا من الفكرة العامة التي تسعى إليها؟

وجودي في الخارج، لا يعني مطلقا أنني لا أدرك أن حقيقة أي تغيير تبدأ من الداخل، ولكن مع هكذا ظروف لا بدّ وأن نجد نواة عمل حقيقية. هناك أصوات عديدة، بعضها أقوى من غيرها تتميز بقوّة المنطق وسلاسة الفكر، وبعضها الآخر متفاوت. ولكن كل هذه الأصوات تعاني من عدة أشياء، مثل:

  • عدم التنظيم؛ كل طرف يعمل بصورة فردية، في حين أن فكرة التغيير عملية متكاملة، أو لنقل أنها تكمل بعضها البعض. سياسيا اقتصاديا اجتماعيا تعليميا…إلخ.
  • ضغوطات السلطة والمجتمع، ولعل ما نراه اليوم من تحقيقات أو احتجازات مستمرة ضد كل ناشط أو كاتب أو حتي مواطن عادي جدا. كذلك شريحة عريضة واسعة من المجتمع، ترى الصواب في ما تقول عنه “السلطة” صوابا، ولا تعطي لنفسها الفرصة للتفكير والتجربة.

وغيرها من العوامل الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية. بالتالي هذا وحسب رأيي، يتطلب جهودا من أطراف وطنية ولكنها في الخارج، تستطيع تأمين أمنها وسلامتها والحفاظ على تواجدها خارج المعتقل، مع الحفاظ على صلة ربط وتواصل داخلية. أستطيع أن أقول، من الناحية الحقوقية ولدرجة ما استطعنا فعلا تحقيق خطوة مهمة في هذا الجانب، من ناحية العمل السياسي، تقديم الآراء وانتقاد السلطة ومركزيتها كذلك دون انقطاع، أعتبره عملا ذا أهمية، مهما اختلف تقييم الآخرين له في الداخل، وهو ما سوف يؤسس لاحقا لمنهجية عمل أكثر قوة وثقة، متمردة على عبارات المديح والمجاملات وكل أسوار الوهم التي بنتها السلطة بتأييد من المجتمع، والتي أحيانا يبنيها المثقف بنفسه حول نفسه.

كذلك لا تنس خطوة سحب الوثائق الرسمية، التي بدئ اتباعها ضد الناشطين في عمان، وهذا أشبه بسحب الجنسية! حرمانك من السفر والتنقل خارج بلدك أصبح اليوم أسلوبا ناجعا تتبعه السلطة لتكميم أفواه الناشطين والسيطرة عليهم.

  1. ماذا عن فكرة التخوين أو التمويل من الخارج التي تتداول في مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات معينة وتستهدف كذلك أشخاصا معينين؟

حتى وأنت في الداخل تهمة التخوين ستلاحقك، أما مسألة التمويل، لذلك أجده أمرا سخيفا جدا، فالتمويل عادة يتبعه برنامج عملي وطرح “بديل” لشكل السلطة نفسها. ناهيك عن الأمور الأخرى التي تتطلب ماكنة إعلامية ضخمة وظهورا إعلاميا بارزا متكررا، كل هذه الأمور لم تحدث، ولن تحدث. الأفكار التي أطرحها وأناقشها، أفكار لمواطن عماني يرى أن له الحق في اختيار حكومته وممثليه، ويرى أن له الحق بمحاسبة المسؤوليين، ويرى أن له الحق في أن يكون شريكا في صناعة القرار. لكن وللأسف، مثلما يعتقد الطائر الذي قضى عمره داخل قفص، بأن الطيران جريمة. من ناحية أخرى، أرى أن الأمر فيه نوع من التحامل والانحياز المطلق اللاواعي للسلطة، وعدم احترام الرأي الآخر.

  1. ما الأهداف الرئيسة التي تسعى إليها في نشاطك، مستفيدا من فكرة خروجك وابتعادك عن “خطر الاعتقال أو فقدان الجنسية أو سحب الوثائق” على حد تعبيرك؟

إلغاء الملكية المطلقة أحد أهم الخطوات الواجب اتباعها، عبر فصل السلطات وتحديد صلاحيات السلطان -مهما كان هذا السلطان-، والتأسيس لسلطة تشريعية قوية خارج تحكم السلطان، بالإضافة إلى تأسيس محكمة دستورية. مع التشديد على مراقبة دور وعمل المؤسسات الأمنية والتخفيض من نفقاتها وما تبع ذلك من برنامج اقتصادي.

الملكية المطلقة التي يتبعها النظام اليوم في شكل إدارته للدولة، قدمت ولا زالت تقدم الحاكم وكأنه القائد “الأب”؛ والشعب أبناه! فكرة سخيفة تُستخدم عادة من أجل تمرير السياسات وتذويب الشعوب وإلهائهم. ومن وجهة نظري، منصب السلطان بهذا الحجم الكبير من الصلاحيات والمسؤوليات، وفق شكل الملكية المطلقة اليوم، هو جزء من المشكلة، وليس جزءا من الحل. سياسات هذا النظام في الداخل أثبتت مدى تعسفيتها، وأنه يتعامل مع البلد وكأنه “مزرعة” أو قطعة “أرض موروثة” بمن عليها. وأعني بـ”جزءا من المشكلة”، أن شريحة عريضة من المواطنين ينتظرون أمام كل قرار حكومي لا يعجبهم تدخلا صارما من مركز السلطة الفرد، في حين أن الأزمة هي في مركزية السلطة متمثلة في ذات الفرد، ذلك أنه هو نفسه السلطة التنفيذية والتشريعية.

  1. كونك أحد المشاركين والفاعلين في حراك 2011، والمتضررين كذلك من حملات التشهير والاعتقالات لاحقا، هل هناك ما تعلمتموه من هذه التجربة؟

كل ما أستطيع قوله، أنني لا زلت في طور التجربة، إن لم أكن في بداياتها. أمّا بصورة عامة، فأعتقد أن هناك أخطاء عدّة ارتكبت ولا زالت ترتكب من الناشطين أو الإصلاحيين أنفسهم، التخوين والتشكيك لا زال موجودا بينهم، بعضهم لا زال يعتقد أن العمل الإصلاحي حق حصري لنخبة معينة، البعض يرى أن أسلوبه هو الأصح والواجب أن يتبع… إلخ. ما لم يتم الوقوف على كافة هذه الجوانب صراحة والتخلّص من تبعاتها، فلا أعتقد أن العمل الإصلاحي سيكون له نواة يبدأ منها عمله ولو حتى آجلا.

  1. ماذا عن حقوق الإنسان في عمان، خاصة وأنك تدير المرصد العماني لحقوق الإنسان الذي أنشأته فترة وجودك في بيروت فبراير 2013؟

لا تحدثني عن حقوق إنسان في بلد لا يحترم شيئا اسمه الاختلاف، ولا يحترم حرية الآخر في التعبير عن رأيه، ولا توجد لديه حرية تعبير أو نشر. والمؤسسة الحقوقية الوحيدة المتواجدة داخل عمان، هي مؤسسة حكومية بحتة، بل وثبت في مرّات عدّة فشلها الذريع في أن تكون محايدة، خاصة بعد أحداث 2011، واعتقالات 2012، وقضية “غضفان”، وغير ذلك من القضايا التي ثبت أن هذه المؤسسة ما هي إلى مزمار حكومي للحفاظ على المظهر الخارجي فقط.

اليوم ووسط حالات الاعتقالات وسحب الجوازات وأحكام السجن على ناشطين وكتّاب، أستطيع أن أقول إن عمان بلد ليس حرّا، وحالته الحقوقية متردية، خاصة ونحن نرى تمادي يد المؤسسة الأمنية دون رادع، وانتهاكها لكافة حقوق الناشطين، حتى دون الحاجة إلى توضيح سبب الاعتقال، أو الاعتقال بطريقة قانونية رسمية، كذلك المعتقلات السرية التي أصبحت تحديا حقوقيا جديا، لم يتطرق إليه أحد إلى الآن، لا الصحافة الأهلية الورقية والإلكترونية، ولا مجلس الشورى، ولا حتى المؤسسة المعنية بالحقوق -اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان-، بالتالي، ما الذي يعنيه هذا الأمر؟!

  1. نشرت في “مواطن” مقالا عن النظام الأساسي وقدمت فيه شرحا وافيا لما وصفته بــ “القصور”، هل تعتقد حقا أن عمان في حاجة إلى نظام أساسي أو “دستور” جديد، ولماذا؟

الدستور، الوثيقة الأساسية التي تنظم عمل الحاكم، وعلاقته بالشعب، وبه يلتزم الطرفان بدوريهما ومسؤوليتهما. أي دستور يتم كتابته من طرف واحد -مثل الدستور الحالي- و يتم فرضه من قبل السلطة، ويتم تطبيقه من نظام ملكي مطلق، هو دستور غير شرعي لأنه لم يكتسب شرعيته من الشعب وبالتأكيد سيفشل. فكيف يكون الدستور دستورا للشعب، وفيه الحاكم يُحصّن نفسه ويحمي نفسه ويعطي لنفسه الشرعية المطلقة في التحكم المطلق في عدد من مؤسسات الدولة!

اليوم نحن بحاجة إلى دستور جديد، يضطلع على كتابته نخبة من القانونيين والاقتصاديين والسياسيين والحقوقيين…إلخ، ثم يتم عرضه كاملا ومناقشته وطرح أفكاره وتفسيرها كيف تكون في مصلحة الشعب. وأعتقد أن الأمر ووفق تطوّر مجتمعات كثيرة حولنا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، لن تكون صعبة.

  1. ولكن بعد الحراك الاحتجاجي في 2011، حسب ممثلي السلطة وفي الوسائل الإعلامية تم منح المشرع صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة لمجلسي الدولة والشورى، فهل هذا غير كاف لأن يكون الشعب مشاركا ومساهما في صنع القرار؟

عزيزي، الخطأ الذي يقع فيه الإعلام الخارجي عادة حينما يتناول موضوعا مثل هذا، تركيزه على الجانب النظري، وإهماله للجانب التطبيقي، وأستطيع أن أجزم أن الإعلام العربي ولغياب “الدمقرطة” في أنظمته، يسقط في هذا الخطأ بصورة عفوية أكثر منه متعمدا. وأحد أسباب هذا الخطأ غياب “قياس الأداء” لما بعد المرحلة، أي ما بعد إعطاء الصلاحيات، فلو أسلمنا جدلا أن المرسوم السلطاني 99/2011، حوّل من البرلمان بشقّيه، إلى برلمان حقيقي، لاختلف الأداء السياسي في عمان فعلا، ولرأينا هناك رئيس حكومة، وحكومة تتغير كل فترة معينة، وقرارات تصدر أو يتم تمريرها من البرلمان، فهل هذا ما يحدث؟ طبعا لا، الذي يحدث أن السلطان هو نفسه رئيس الحكومة، وهو المشرّع كذلك.

من ناحية أخرى، لا أستطيع الاعتماد على مجلس الدولة، فهو يقوم بالتعيين، واحترامي لكل أعضائه، إلا أنهم سيعملون بشكل أساسي على حفظ مصالحهم وعلاقتهم بالسلطة، وأقول هذا لأن أي قرار يصدر من الشورى، يجب أن يمر من بوابة مجلس الدولة، ثم مجلس الوزراء، ثم السلطان!. هل هذا  في رأيك مجلس يملك صلاحيات تشريعية ورقابية؟. كذلك، هل نسينا مشكلة “الوزارات السيادية”، هل سمعت بسلطة تشريعية يتم منعها من استجواب أو دعنا نكون أكثر دقة، مساءلة أي وزارة بحجة أنها سيادية.

كذلك، هل نسينا قضية “طالب المعمري”؟! هل نسينا السبب الرئيسي لاعتقاله؟! لذلك، أقول لك، إن الشورى لا يملك أي صلاحيات حقيقية، وهو مجرد ديكور للحكومة لا أكثر. مع العلم، أن هذا الرأي خرجت به بعد التقائي بعدد من موظفي “مجلس الشورى” وكذلك بعض الباحثين السياسين في عمان، في فبراير/مارس/إبريل 2012، وليس رأيي الخاص فقط. وكان بعض هؤلاء ينتظر خطوة مكملة للقرار 99/2011، ليمنح الشورى السلطة التشريعية بصفة رسمية، وأن يستحدث منصب رئيس الوزراء، وهذا ما لم يحدث مطلقا، ولا أعتقد أنه سيحدث في القريب العاجل، في عهد السلطان الحالي.

  1. كيف ترى المجتمع العماني، هناك من يصفه بالعاطفي الذي من السهل استمالته دينيا مثلا وحتى سياسيا، وطريقة تعامل الحكومة تثبت أنها ترى فيه كيانا غير جاهز للممارسة السياسية، ما تعليقك؟

ما يحدث هنا يحدث في أي مكان آخر. ولكن عادة ما يكون هناك دور بارز وواضح للمثقف، المثقف الذي لا يكون منحازا لأي طرف، ويعمل على تقديم ونشر الوعي بأمانة ومسؤولية. ولكن ما يحدث للأسف، من المثقفين المرضيّ عنهم من قبل السلطة خاصة، هو مساعدة السلطة على تضليل الشعب، بل والتلاعب بعواطفهم إن لزم الأمر، وإلهاؤهم عن الأمور الأساسية ولفت انتباههم إلى أمور تافهة وسطحية مثل الإجازات والخلافات المذهبية أو الأخلاقية، وما إلى ذلك.

أما البعض المتخصص في العملية النقدية، فإنه عادة ما يُركز على إعطاء مقترحات وبدائل بما يتناسب مع السلطة نفسها، ووضع اللوم على مؤسسات لا ناقة لها ولا جمل، مثلما يحدث أن يتم لوم “الشورى” مثلا في الكثير من الأمور ونحن نعلم أنه مجرد ديكور سياسي لا أهمية فعلية له سوى مسرحية الاستجوابات الهزلية، أو لوم وزير معيّن على فشل سياسة وزارته، في حين أننا نعلم أنّ الآمر والناهي هو السلطان نفسه، بحكم شكل نظام الحكم الحالي المعتمد على سلطة الفرد أكثر من اعتماده على دولة المؤسسات، ولكن هؤلاء يتناسون أو يتجاهلون فكرة، أنه وحين انتقاد أيّ سلطة، فإنه من الواجب طرح تساؤلات عن مدى فاعلية أو صلاحية السلطة أو النظام القائم، ودراسة كافة جوانب إدارته والوقوف على سلبياته وإيجابياته.

من ناحية أخرى، الشعب العماني اليوم يحتاج إلى عملية نقد صادقة وشفافة، حول وجوده ككيان يأتمر بأمر الحكومة، ومدى مساهمته أو سبب غياب مساهمته في صنع القرار، وما الدور المنتظر منه في تشكيل أسس العملية السياسية، وكيف عليه أن يخرج من نفق “التمذهب” وإدراك أن العملية السياسية لا تخص مذهبا أو قبيلة ما بعينها… إلخ من هذه العملية النقدية التي لا بد وأنها ستساعد في المستقبل على وضع خطوط عمل متقاربة أو رؤية سياسية متقاربة تمهّد لاستراتيجية عيش مشترك خارج أطار المشاكل الساذجة التي عادة ما تتبعها الأنظمة الطاغية في إلهاء شعوبهم بها مثل المذهبية والقبلية والطائفية…إلخ.

  1. ما هو مستقبل النظام السياسي في عمان؟

لا أجد إجابة واضحة، تماما مثل مستقبل البلد بأكمله، فلكي أكون واضحا يجب أن نقدم صورة كاملة عن مستقبل اقتصاد البلد مثلا، وماذا سيكون الحال في غياب الثروة النفطية؟ ماذا سيكون وضع النظام السياسي وأسرة “آل سعيد” في حال شغور منصب السلطان، ماذا وماذا وماذا؟ نحن لا نملك إجابات واضحة لذلك، وحتى عملية انتقال السلطة بعد وفاة السلطان الحالي، يتحكم فيها السلطان حتى بعد موته، وليس إجراءات عملية مهنية واضحة، نستطيع من خلالها الاحتكام للمنطق والقانون.

كذلك البلد اليوم، وللأسف مرتهن بسياسة خارجية قميئة، سياسة السلام الخارجية التي تتبعها السلطة مع إيران والسعودية وأمريكا على سبيل المثال، هي سياسة توسّط وليس وسطية، مما يعني عدم جدواها في غياب “المعضلة”، وكذلك إمكانية استمالتها لطرف ما في حالة ازدياد وتيرة التأزم.

(قابوس) أدخل الإداراة الداخلية في نفق مظلم


شؤون خليجية – ريهام سالم

http://alkhaleejaffairs.org/c-26368

قال الناشط الحقوقي نبهان سالم -مدير المرصد العماني لحقوق الانسان، إن قابوس أدخل الإدارة الداخلية في نفق مظلم، وحول البلد إلى قطعة مملوكة له ولعائلته والتجار المنتفعين من نهب ثروات البلاد.

وأضاف في تصريحات خاصة لـ”شؤون خليجية”: “أشك أن قابوس حاليا يدير البلاد، ,أتوقع أنه يقع تحت ضغط لوبي سياسي دولي في تطبيق السياسة الخارجية تهدف الي كسب التأييد والدعم الدولي لمرحلة ما بعد قابوس”.

واشار “نبهان” إلى أن الشعب العماني يعاني من أزمة ثقة في نفسه، ويعتمد بصورة مطلقة على نظام قمعي ذو سلطة مطلقة في إدارة الشؤون العامة دون أن يكون له الحق في المحاسبة والمساءلة.

وأكد أن الوضع الحقوقي متردي جدا، وخسرنا الكثير من الأسماء التي كانت نشطة في المجال الحقوقي، لتخوفهم من انتقام السلطات الأمنية بالاعتقال؛ والأحكام الكيدية وخسارة الوظيفة… إلخ، قائلا إن السلطة الأمنية نجحت حتى الآن في كتم الأصوات غير المرغوب فيها.

وشدد على أن الخيار الأمثل يتمثل في بدء نزع الصلاحيات عن منصب السلطان، مهما كان الذي يشغله، وفصل منصب رئيس الوزراء وبعض المناصب الوزارية التي يتحكم بها قابوس عن منصب السلطان حاليا، فيما يبدو أن العائلة الحاكمة في عمان تتصرف وكأنها عائلة مالكة.

ما بعد قابوس: لماذا يهرب العمانيون عن هذا الواقع!


ما بعد قابوس: لماذا يهرب العمانيون عن هذا الواقع!

الدول التي تشهد نظاما سياسيا منظما، حتى وإن كان ديكتاتوريا أو مستبدا، تشهد عادة هدوءً واستقرارا في حالة انتقال سلطة الهرم السياسي من ملك/سلطان/رئيس إلى آخر، في حالة وفاة رأس الهرم السياسي. وعادة هذا الاستقرار ما يكون شبيها باستقرار الأنظمة الديمقراطية، مع غياب المظاهر الديمقراطية طبعا في آلية توزيع السلطة وصناعة القرار السياسي وما إلى ذلك.

عمان البلد الخليجي الوحيد والعربي والعالمي، التي لا يوجد للسطان فيها وليّا للعهد، ومن الدولة القليلة المستبدة في العالم، التي يتمتع السلطان فيها بالسلطة الكاملة، وهو أمر لا يحدث وفق الأعراف التقليدية أو الفلكلورية لأي نظام ديكتاتوري، بل أمر مشرّع ومقرّ حسب نظام الدولة الأساسي الذي وضعه السلطان بنفسه، ويتم العمل به كدستور للدولة والشعب، حيث يتضمن هذا الدستور في المادة 6 آلية تشرح كيفية انتقال السلطة، عبر اعطاء مهلة للأسرة الحاكمة – مع الانتباه لعدم رغبتي إلى وصفها الأسرة المالكة- مدة 3 أيام من أجل اختيار السلطان الجديد، وفي حالة عدم اتفاق الأسرة، يقوم مجلس الدفاع بتعيين السلطان الجديد الذي رشحه السلطان قابوس في رسالته للأسرة الحاكمة!.

ورغم هذا الجوّ المحاط برومانسية تفوق قصص العرب القديمة في كتبهم، إلا أنه لا بد من التنبه إلى خطورة هذه الخطوة، في عدة نقاط:

– السيطرة العسكرية على مجريات العمل السياسي للبلاد.

– الحضور الأمني الكثيف الذي سيمهد إلى عملية تصفيات واسعة لأي منتقد أو معارض للفكرة.

– إمكانية عدم توافق الأسرة ليس فقط على شخص السلطان، ولكن حتى على اسم السلطان المرشح من السلطان قابوس نفسه.

المراقب للوضع الحالي، عبر تكثيف دور السلطة الأمنية ممثلة بمكتب الأمن السلطاني وجهاز الأمن الداخلي، في متابعة وملاحقة أي ناشط ينتقد الحكومة مهما كانت درجة هذا الانتقاد، مع التشديد على توجيه اهتمام هؤلاء إلى محاكمات “الفساد” وتصويرها على أنها إنجاز حكومي وعمل ديمقراطي!!! وهذا يمثل قمّة الإسفاف والاستهزاء، في تجاهل السبب الحقيقي لوجود الفساد وهو الأخطاء الإدارية، وغياب الشفافية الاقتصادية، ليس فقط للمسؤوليين ولكن كذلك حول السلطان نفسه. وجميع هذه النقاط تقودنا إلى معنى واحد فقط وهو الاستبداد والطغيان المتمثل في رأس الهرم السياسي.

سيناريو ما بعد قابوس، مرحلة ليست من علم الغيب إذا ما عملنا على تأسيس برنامج واضح لها، خاصة إذا ما أصررنا على تكوين نظام سياسي سليم، قائم على فصل السلطات وتقوية دور السلطة التشريعية، على أن يكون للسلطة التنفيذية “الحكومة” مسؤوليات محددة تساءل عليها أمام البرلمان “التشريعية”، على أن يعمل البرلمان كذلك على تشكيل لجان مراقبة أداء وإعادة تقييم لعمل المؤسسة التنفيذية وتقليم أظافر المؤسسات الأمنية وعدم السماح لها في تجاوز مهامها المحددة لها وضمان عدم تدخلها في عمل المؤسسات الأخرى كما هو الحاصل الآن.

على أن يكون أهم نقلة لهذا البرنامج، هو تحديد مهام السلطان نفسه، عبر اتفاق مكتوب ينصّ عليه البرلمان “السلطة التشريعية” في تفصيل وتحديد واجبات ومهام السلطان داخليا وخارجيا، وتحديد الملفات السياسية وحتى الحقائب الوزارية التي تتبع له بصورة مباشرة.

رغم أن نظام السلطان قابوس يصنّف على أنه نظام ملكي مطلق، لغياب توزيع العمل السياسي وتحكم السلطان في كافة مواقع القرار السياسي المدني والأمني والعسكري والاقتصادي والقانوني، إلا أنّ غياب وشغور منصب ولاية العهد أمر لا نجد له تفسيرا واضحا للآن، هل هي عقيدة “مذهبية” يتبعها السلطان، أم عادة “قبلية” لأسرته الحاكمة ينفذها السلطان أسوة بمن سبقوه، إلا أنه ومن المؤكد، أن ذلك لا يمثل إلا وجها آخر لمدى رغبة السلطان قابوس إلى ضمان القرار السياسي وعدم إشراك أيّ فرد أو جهة، حتى وإن كان الشعب نفسه!.

مابعد قابوس مرحلة آتية، الدعاء بإطالة عمر السلطان لن توقفها، والنوايا الحسنة بالمؤسسة العسكرية أو بأفراد الأسرة الحاكمة لن يغني عن العمل والتحضير للسيناريو مبكرا، ولكن هذا دور المؤسسة التي من المفترض بها أن تكون “تشريعية” وهي مجلس عمان، خاصة جزءها الأهم والذي يمثل الشعب وهو مجلس الشورى.

وضع الجمهور في خانة “المشاهد” من هذه العملية، هي عقبة أخرى في مستقبل عمان الغامض الخالي من “قابوس”، فالمجتمع لا يملك حضورا ولا تواجدا في صناعة القرار السياسي، أي لا يملك الحق في إدارة شؤونه العامة إلا عبر “بعض” الأراء “الاستشارية” التي تقدمها المؤسسة التي تمثله، وهي مجلس “الشورى”، إلا أن هذه المؤسسة بعيدة كثيرا عن التشريع، خاصة في ظل استمرار شغور منصب “رئيس الوزراء” الذي يشغله السلطان “قابوس” بنفسه الفترة الحالية.

مقاطع مترجمة من كتاب “ثورة موسمية” لــ عبدالرزاق التكريتي، ترجمة #خلفان البدواوي، الجزء الثاني.


#قـــــابوس

    – ولد قابوس في صلالة من الزوجة الثالثة والأخيرة للسلطان سعيد بن تيمور, نشأ وترعرع في بيئة قصر الحصن في صلالة ذات المساحة المقيدة التي يهيمن عليها التسلسل الهرمي, وهناك نوعين من الشخصيات واجهت قابوس في فترة نشأته في قصر الحصن: الأولى وهي الشخصيات الذليلة (العبيد), والثانية هي الشخصيات الصارمة (أبوه ومستشاريه البريطانيين).
    لم يكن له أي أخوان أو أصدقاء أو رفقاء والتي أثرت عليه طوال حياته حتى بعد توليه السلطة, كما ذكر أيضا في تقييم سري أواخر عام 1983 لإحدى شركات النفط لم يكن له أبدا أي صديق عماني. تلقى قابوس الدروس الخصوصية في صلالة المدينة التي لم يغادرها حتى بلوغه ال18.
    في عام 1958, تم إرساله إلى بيت فيلشام, بالقرب من بوري سانت إدموندز, ليختلط مع مدرس محافظ إستعماري متدين – فيليب رومانز.
    في سبتمبر 1960, إلتحق بكلية ساندهيرست وبعد إنتهاؤه عام 1962 تم ضمه إلى الجيش البريطاني العامل في “مندن” بألمانيا الغربية لمدة ستة أشهر كملازم ثاني مع الكاميرونيان (Cameronians) الفوج الإستكلندي والذي كان له دور كبير في إخماد “ثورة” الجبل الأخضر. وبناءا على أوامر من السلطان سعيد, قام الرائد والسيدة تشونسي بتنظيم رحلة حول العالم لمدة ثلاثة أشهر لقابوس قام بحجزها توماس كوك وتم تيسيرها دبلوماسيا قبل وزارة الخارجية البريطانية من حيث التأشيرات والتجهيزات مع السفارات البريطانية للأماكن المقصودة. بدأت الرحلة من لندن بتاريخ 8 مارس 1963 إلى أمستردام وإنتهت مع وصول السفينة السياحية كوين ماري إلى ساوثهمبتون قادمة من نيويورك بتاريخ 3 يونيو 1963, مرورا بوقفات قصيرة في هولندا, بلجيكا, فرنسا, سويسرا, إيطاليا, اليونان, تركيا, إيران, باكستان, الهند, بورما, تايلند, سنغافورة, اليابان, كندا والولايات المتحدة في قائمة خلت من أي دولة عربية. خلال الرحلة, تم فرش السجادة الحمراء لشركة شل في كل مكان من أجل قابوس وكانت المرة الأولى في حياته يتلقى فيها معاملة خاصة VIP على هذا النطاق وإستمر هذا بعد إنتهاؤه من الرحلة ورجوعه لإنجلترا.

    – بعد رجوع قابوس من الرحلة, أعطي له دورة قصيرة في المعهد الملكي للإدارة العامة, وهي مؤسسة منحلة حاليا وكانت المركز الرئيسي لتدريب المسؤولين من المستعمرات البريطانية السابقة, ثم كلفت وزارة الخارجية البريطانية المكتب المركزي للمعلومات لأخذ قابوس في جولة خاصة في إنجلترا وويلز وإسكتلندا من تاريخ 10 إلى 27 يوليو 1963 لزيارة كل المعالم السياسية والإقتصادية والثقافية البريطانية, تم أخذه إلى مقرات حزب العمال والمحافظين, مقر محافظ لندن (Mansion House), المكتب المركزي لإتحادات العمال, مكتب الشؤون الويلزية, سكوتلانديارد, البي بي سي, مجلس العموم, ومقر وزارة الخارجية البريطانية. وكان قابوس الشاب الذي لم يسبق له سابقا التعامل مع أي مسؤول خارجي, تم تقديمه للقاء وزير الدولة للشؤون الخارجية, عمدة لندن, اللورد حافظ الختم الأعظم, نواب حزبي العمال والمحافظين, قائد منطقة أدنبرة ورئيس بي بي سي العربية. وتم إصطحابه لمشاهدة مسرحيات إنجليزية كوميدية (Noel Coward’s Private lives) مع سيمفونيات لموتسارت في الأوبرا, وكل هذا تم حجز له جناحا ملكيا في فندق فخم مع وجبات عشاء في مطاعم فاخرة على حساب شركة شل.
    وبعد إتمامه الرحلة في 17 يوما كجزء من التدريب الذي جهزته وزارة الخارجية البريطانية والتي إعتبرته مهما لضمان ولاء قابوس المستقبلي لبريطانيا:
    “من المتوقع أن يخلف السيد قابوس والده في الوقت المناسب, مع وضع هذا في الإعتبار نحاول بناء أساس متين للصداقة معه”. رسالة من برنشلي 17 يوليو 1963.
    إستمر صيف 1963 ليشغل قابوس الشاب ذو ال23 عاما, عندما تم تنظيم إرتباط تدريبي مع كاتب بلدة ايبسويتش، سوفولك من تاريخ 12 إلى 26 أغسطس 1963 بمساعدة وتنظيم وزارة الإسكان والحكم المحلي.

    – كان مقررا لــ قابوس أن لا يأخذ أي تعليم رسمي. السيد رومانز المسؤول ذو الطراز القديم عن قابوس قد منع هذا الإحتمال برسالته إلى وزارة الخارجية البريطانية بأنه وصل إلى إستنتاج مفاده أنه لن يكون مفيدا لقابوس حضور أي دورة رسمية للتعليم.
    وبدلا من ذلك قرر السيد رومانز إلحاقه بــ تدريب جزئي في المجلس البلدي لبوري سانت إدموندز خلال فصل الخريف والشتاء. ومع نهاية فصل الصيف, وصلت فترة الست سنوات لبقاء قابوس في إنجلترا إلى نهايتها عندما إستدعاه والده للرجوع لعمان برسالة عبر البريطانيين يقول فيها أن قابوس قد إكتفى من المعاملة الخاصة الVIP حتى الآن.

    –  “ثلاثة أمور جديرة بالملاحظة متعلقة بتجارب قابوس في إنجلترا:
    أولا, تميز تعليمه بالتأثيرات الإستعمارية والمحافظة والتي تجسدت في شخصية ولي أمره في بريطانيا السيد فيليب رومانز – المعلم السابق في الهند المستعمرة الشهير بنظرياته الرجعية.
    ثانيا, زرعت العسكرية وحب الإحتفالات العسكرية في قابوس خلال فترة إقامته في بريطانيا, خصوصا في ساندهيرست وخلال فترة خدمته مع الكاميرونيان الفوج الإسكتلندي الملكي الشهير بالإحتفالات العسكرية.
    ثالثا, تعليم قابوس إفتقر للصرامة الأكاديمية أو التحليلية – بدون شهادة تعليمية.”
    في سن ال23, كانت لغته العربية تحتاج لتحسينات كثيرة وكتابته الإنجليزية ناقصة,
    في الإمتحانات الوحيدة التي حضرها والتي كانت في ساندهيرست حقق نتائج مخيبة جدا, ولم يكن يعرف شيئا عن السياسة أو الإقتصاد وليس كثيرا عن الإدارة غير ما تعلمه في ساندهيرست وهو بعيد جدا عن علم الإدارة.

مقاطع مترجمة من كتاب “ثورة موسمية” للمؤلف عبدالرزاق التكريتي، ترجمة خلفان البدواوي، الجزء الأول


الكتاب يقدم حقائق تنشر لأول مرة وهي ما أنشرها وخصوصا أن هناك وثيقة خاصة بإنقلاب القصر أخذ الكاتب سبعة سنوات للبحث عنها للوصول لحقيقة ما جرى خصوصا مع عدم الإفراج عن الوثائق بما يخص إنقلاب القصر إلا أنه تمكن بعد سبعة سنوات من البحث بالحصول عليها. (خلفان البدواوي)

مقاطع مختارة من الكتاب للمترجم:

– قابوس هو أول حاكم فردي مطلق في تاريخ عمان يجمع بين صفة اﻹستبداد وصفة الطغيان حسب تعريفهم المعروف.

– لماذا دفعت بريطانيا بقواتها وإستخباراتها لضمان حكم السلاطين البوسعيد ضد الثورة الشعبية في ظفار (1965-1976) بينما إنسحبت بشكل طوعي أو بثورات من منطقة شرق السويس وبقية العالم؟

وصلت العلاقة مع بريطانيا إلى مستوى غير مسبوق تحت حكم السيد سعيد بن سلطان، في سبتمبر من عام 1809 طلب سعيد من القوات البريطانية مساعدته ودعمه لسحق القواسم في الشارقة ورأس الخيمة.

في عام 1820 بدأت حملة أولى بريطانية ضد بني بو علي (التي إنشقت عن حكم سعيد بن سلطان) ولكنها فشلت، وتبعتها حملة ناجحة عام 1821 لضمان حكم الحليف تحت اﻹمبراطورية البريطانية.

– بعد موت سعيد بن سلطان 1856، تحارب أبناء سعيد (ثويني وماجد) بشكل علني على السلطة وتدخلت بريطانيا للصلح بينهم الذي تم عام 1861 بإعطاء عمان لثويني وزنجبار لماجد مقابل أتاوة سنوية لتعويض عمان من النقص الضخم في ميزانيتها والتي تأتي من زنجبار عبر الزراعة وبيع العبيد ﻷمريكا وأوروبا الذي إشتهر فيها والدهم.

– سمى البريطانيين في معاهدة الصلح عام 1861 النظام في مسقط بالنظام السلطاني الذي يملك اﻷرض والسكان على عكس اﻷنظمة الملكية التي تملك اﻷرض فقط دون السكان.

– سياسيا، مع بداية عهد النظام السلطاني الذي قدمه البريطانيون كانت جميع اﻷراضي تحت حكم النظام دمجت في النظام العالمي البريطاني.

– كانت هناك محاولة فاشلة وحيدة ﻹستقلال عمان من سياسة اﻹمبراطورية البريطانية عبر السلطان فيصل بن تركي في عامي 1898 – 99، عندما سمح للفرنسيين بإنشاء محطة لتزويد الفحم في مسقط وتم تهديده من بريطانيا بهدم قصره وقواته المسلحة، رضخ السلطان فيصل تحت الضغط والخوف لقبول المطالب البريطانية وإضطر إلى نشر اﻹتفاقية بشكل علني مهين.
– رغم إتفاق البريطانيين والفرنسيين على إستمرار إستقلال نظام مسقط عام 1862، لكن سياسيا هو يتبع السياسة البريطانية بشكل صرف.

– المعاهدة التي وقعها فيصل بن تركي إثر أزمة مسقط كانت توضح اﻵتي:
“أن سلطان عمان وكل ما يملكه من أراضي بسمائها وبحرها والسكان التابعين له ونسله سيتبعون اﻹمبراطورية البريطانية إلى أن تشرق الشمس من الغرب”.

– بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتبعاتها المالية الباهظة وإشتداد الرأي الشعبي البريطاني المطالب بإنهاء اﻹستعمار، إضطرت بريطانيا لﻹنسحاب من أغلب الدول الواقعة تحت إستعمارها ولكن لﻹبقاء على نظام يؤمن مصدرا للبترول وينفذ سياسات بريطانيا من تحت الطاولة في المنطقة عبر تطوير النظام السلطاني ليكون نظاما سلطانيا كومنولث مكتسبا يكون حكامه من إنتاج وتصميم وإخراج النظام البريطاني ليضمن بشكل دائم التبعية للسيادة البريطانية.

– بعد عام 1921 تم إنشاء قوة نظامية دائمة في مسقط مكون من بلوش ويقودهم بريطاني برتبة نقيب،
وفي عام 1953 شكل أول جيشا نظاميا بريطانيا في عمان يتشكل من رجال قبيلة الحواسنة الموالية للسلطان، وفي عام 1954 تم تشكيل قوات الحقول في مسقط وعمان لحماية إستكشاف النفط وتحت إشراف وزارة الخارجية البريطانية – MOFF، في عام 1955 قام السلطان بإنشاء قوة ظفار لحماية عمليات إستكشاف النفط في منطقة ظفار وهي التي شكلت بعد ذلك قوات الجيش السلطاني – SAF.

– في يناير 1955 قدم وزير الخارجية البريطاني ‘أنتوني إيدن’ مشروعا للبرلمان البريطاني يؤكد الحاجة لدعم جهود السلطان العسكرية ضد اﻹمامة الدينية، شرح إيدن أن وسط عمان (الداخل) مأهولة بقبائل صديقة للسلطان ولكن فقط بعد أراضي هذه القبائل هناك فصائل موالية للسعودية ومقام ديني رفيع يعرف باﻹمام المدعوم من السعودية لخلق مشاكل في عمان، ومن هذا المنطلق أكد على وجوب مساعدة السلطان بكل الطرق وسرعة القرار ضرورية ومهمة وتمت الموافقة على المشروع.

لماذا طالب المعمري؟


 

حين تسعى بعض الأنظمة إلى تأسيس “سلطة تشريعية” مستقلة في قرارها عن السلطة التنفيذية، عادة ما تعمل على تأسيس حراك مدني مجتمعي لتسهيل وتسريع عملية الوعي الجمعي إلى ضرورة وجوج كيان رسمي مستقل يصدر عنه القرارات المتعلقة بإدارة شؤون البلاد الداخلية أولا، والخارجية لاحقا. لكن من عادة الأنظمة ذات طابع السيادة المطلقة، أو الملكية المطلقة، والتي يكون فيها كيان مؤسسات الدولة الثلاث مرتبط أرتباطا وثيقا بشخص الحاكم/الملك، أن تسعى إلى ابتكار عملية “التدرج” في تأسيس السلطة التشريعية، بحجة إعطاء الفرصة للجميع إلى فهم واستيعاب أهمية هذه السلطة، وفي الحقيقة أن هذا التدرج ما هو إلا عملية فرز وتصفية، من خلالها يتم مراقبة أولى عمليات التدرج للمؤسسة المعنية بالتشريع كــ البرلمان، وما أن يتم اكتشاف عضو أو فرد يعمل جاهدا على خلق صف معارض “حقيقي” للسلطة التنفيذية، بل ويسعى جاهدا إلى تشكيل قرار التشريع بصورة شبه مستقلة إن لم يكن مستقل، عن السلطة التنفيذية، حتى تعمل السلطة التنفيذية على ابتكار آلية ملاحقة ثم معاقبة، ما لم تنفع آلية الترغيب والرشوة.

المقدمة إيّاها، ما هي إلا توضيح، أو ملخص بسيط لحقيقة اعتقال عضو مجلس الشورى طالب المعمري، المعتقل منذ 24 أغسطس 2013، بسبب تواجده في وقفة احتجاجية مع أهالي ولاية “لوى” – الولاية التي يمثلها في الشورى- ضد انبعاثات الغاازات السامة على أهالي الولاية. الوقفة كانت في 22 أغسطس 2014، واعتقال المعمري حدث بعدها بيومين، لتتضح لنا مدى كيدية السلطة الأمنية، وكذلك القضائية، في تلفيق التهم إلى طالب، ثم معاقبته بالسجن لمدة طويلة لحرمانه من التواجد داخل قبة مجلس الشورى في فترته الحالية المشارفة على الانتهاء، وحرمانه من أي ترشيح لاحق.

taleb

من جهة أخرى، اعتقال طالب، والتنكيل أو التشهير به، والأحكام القاسية الظالمة التي صدرت بحقه، ما هي إلا رسالة قوية إلى كل أعضاء مجلس الشورى الحاليين، وحتى في المستقبل، إلى ضرورة اتباع نهج راضخ إلى قرارات السلطة التنفيذية من جهة، وإلى تدجين قرارات المجلس من جهة أخرى، في ظل وجود رئيس للمجلس يميل وبقوّة إلى رأي التنفيذية وقراراتها.

تجربة برلمانية متمثلة في شخصية طالب المعمري، تجربة من المهم تكررها ووجودها داخل قبة “الشورى”، فالسلطات التشريعية تنهض بالبرلمان عبر خطّ نهج إداري مستقل، يصب في مصلحة المواطن أولا قبل أيّ شيء آخر، ويعمل على تنمية وعي المجتمع إلى ضرورة تأسيس مرحلة صنع قرار نابعة من المجتمع وفي خدمة المجتمع، مهما كانت الاختلافات أو تعددت الأراء.

عمان: هيئات دولية تدين اعتقال طالب المعمري التعسفي، وتطالب بالإفراج الفوري عنه


https://www.facebook.com/MHROMN/photos/a.137640296402862.30420.137626756404216/405836796249876/?type=1&theater

imgo

 

أصدرت “الكرامة” بيانها الخاص بقضية طالب المعمري، والذي تطرقت فيه إلى قضية المعمري وتفاعل المجتمع الدولي معها، الكرامة “خصّت” المرصد العماني بالبيان، وهنا نسخة مما جاء فيه:

عمان: هيئات دولية تدين اعتقال طالب المعمري التعسفي، وتطالب بالإفراج الفوري عنه
أصدر كل من الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي و الاتحاد البرلماني الدولي، بعد إخطارهما من قبل الكرامة، قرارات تدين الطابع التعسفي لتوقيف واعتقال طالب المعمري عضو مجلس الشورى العماني، وانتهاك حقه في حرية التعبير، ونادت سلطات السلطنة بالإفراج الفوري عنه.
رحبت الكرامة بهذين القرارين في القضية التي تعطي صورة واضحة للحملة التي تشنها السلطات العمانية ضد المعارضين السلميين، والتي ارتفعت حدتها منذ 2011.
دافع طالب المعمري، منذ انتخابه عضوا بمجلس الشورى سنة 2011، على سيادة القانون وحماية البيئة والصحة العامة بعمان. اعتقل في 24 أغسطس 2013، إثر المظاهرات السلمية التي نظمها المواطنون احتجاجا على الانبعاثات الملوثة للبيئة الناتجة عن المصانع البتروكيماوية بميناء صحار. كان يحاول الوساطة بين المحتجين والسلطات. ووجهت له تهمة “التحريض على التجمهر” و “قطع الطرق”. استدعته السلطات الأمنية في 11 أكتوبر 2013 مباشرة بعد الإفراج عنه بكفالة لتحتجزه من جديد. انتهكت العديد من حقوق المعمري الأساسية، وخاصة حقه في محاكمة عادلة، بدءا باحتجازه بمعزل عن العالم الخارجي بسجن الأمن الوطني بمسقط، مرورا بمنعه من زيارة أقاربه واللقاء بمحاميه طيلة الإجراءات القضائية. وقررت المحكمة في 31 أكتوبر 2014 إدانته والحكم عليه بالسجن 4 سنوات و غرامة مالية قدرها 700 ريال عماني (1800 دولار). ومنذ ذلك الحين وهو يقبع بسجن سمائل قرب مسقط.

ويوضح نبهان الحنشي،  مدير المرصد العماني لحقوق الإنسان: ” المعمري تمت محاكمته في ظروف غير قانونية، عانى من الاختفاء القسري عند احتجازه في أحد مراكز الأمن الداخلي السريّة. وعمدت السلطات الأمنية إلى تشويه سمعته والنيل من شخصه على مواقع التواصل الاجتماعي. وأساءت بشكل كبير إلى النظام الأساسي للدولة، خاصة بانتهاكها لموّاد القانون التي تحفظ للمواطن العماني حقّه في حالة احتجازه واتهامه”.
أخطرت الكرامة بعد اعتقاله في 7 أكتوبر 2013 الفريق العامل المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي التعسفي والاتحاد البرلماني الدولي، موضحة أن مشاركته في احتجاج سلمي ليس جريمة، وأن محاكمته لم تحترم مواصفات المحاكمة العادلة، وبالتالي فإن توقيفه واعتقاله إجراءات تعسفية.
عبرت لجنة حقوق الإنسان للبرلمانيين بالاتحاد البرلماني الدولي في قرارها بتاريخ 16 أكتوبر 2014 عن قلقها مشيرة أن “متابعته المعمري وإدانته كانت على أساس تهم تنتهك حقه المشروع في حرية التجمع، وأكدت على ضرورة احترام صفته البرلمانية. ورحبت اللجنة بدعوتها من قبل السلطات العمانية لزيارة البلاد، لكنها وبعد أن علمت بعدم سماح السلطات العمانية بلقاء بين المعمري وماينا كياي، المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، خلال زيارته الرسمية للبلاد في سبتمبر الماضي، “أكدت على أهمية وضرورة لقاء وفدها بالمعمري شخصيا”. وتتمنى الكرامة أن تدفع هذه الزيارة بسلطات السلطنة إلى إعادة النظر في اعتقالها المستمر للمعمري.
وفي 16 ديسمبر 2014 أصدر الفريق الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي قرارا مماثلا يوضح أن تهمة “النَّيل من هيبة الدولة” الواردة في  المادة 137 من قانون الجزاء العماني ” فضفاضة وتفتح الباب للتأويلات” و قد ينتج عنها، كما هو الأمر في هذه القضية، انتهاك للحق في التجمع السلمي وتشكيل الجمعيات الوارد في المادة 19 والمادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأضاف القرار أنه وبموجب هذا القانون تم اعتقال العديد من المتظاهرين لممارستهم حقهم في حرية التعبير والتجمع السلمي، في حين لا يمكن للحكومة أن تنكر مطالبات سكان لوى بحقهم في العيش في بيئة صحية”.
تغتنم الكرامة فرصة إصدار هذين القرارين الهامين لمطالبة السلطات العمانية بإعادة النظر في اعتقال المعمري. وعلقت خديجة نمار، المسؤولة القانونية عن منطقة الخليج بالكرامة قائلة: “تكتسي قضية المعمري أهمية خاصة، لأنه اعتقل بسبب تضامنه مع ناخبيه الذين يطالبون سلميا بحقهم في العيش في بيئة صحية، وهذا هو المنتظر من المنتخبين في ديمقراطية حقيقية”. وأضافت: “الاحتفاظ به في السجن، رغم المناشدات والقرارات الدولية، تهديد للمسار الديموقراطي للبلاد، ومن الضروري أن تعترف السلطات بالطابع التعسفي لاعتقاله والإفراج الفوري عنه”.
تكرر الكرامة نداءها للسلطات العمانية للمصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، لأنها من الدول القلائل في العالم التي لم تصادق على أبسط الصكوك الدولية لضمان حقوق مواطنيها الأساسية. كما تطالب الكرامة السلطات بالكف عن انتهاك حقوق مواطنيها وحرياتهم المشروعة في التعبير السلمي ومطالبتهم بالديمقراطية. وتؤيد الكرامة ما جاء على لسان ماينا كياي، المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، إثر عودته من السلطنة “أعتقد جادا أنه لا يجب أن تنظر السلطات إلى التجمع السلمي كتهديد، بل كصمام أمان يجب تشجيعه لما له من أهمية في التعبير عن اختلاف وتنوع وجهات النظر بشكل سلمي علني، لأنه لا يوجد مقياس لمعرفة ما يفكر به الناس أفضل من الاحتجاج السلمي”.