الوضع الحقوقي في عمان.

أحد الركائز الأساسية التي تساهم إلى قيام/وجود نظام سياسي عادل، يصون الحريات وكرامة الفرد وحرية الاختيار والتعبير والمعتقد، هو وضع القوانين التي تعزز وتحمي الحقوق بمختلف أنواعها. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا أن الحقوق مهما اختلفت جوانبها وتعددت أنواعها، إلا أنها تبقى مترابطة في تحقيق المفهوم العام للحريات وعدم التمييز، والقضاء على العنصرية كذلك.

في الوطن العربي، ومنذ 2011، أي مع انطلاق شرارة الحراكات الاحتجاجية في عدد من الدول، شهد الوضع الحقوقي انحدارا حادّا وخطيرا، حيث عملت الكثير من الدول على تقليص هامش الحرية –بعضها على منعه بالكامل- مستعينة في ذلك بالتذرع بالجانب الأمني في حفظ سلامة “الوطن” و “المواطن” من أي احتمالية لــ عدم الاستقرار أو انتشار الفتن! خاصة وأن عدم الاستقرار الذي شهدته دول “الربيع العربي” كان مبررا أساسيا للأنظمة في اتباع هكذا نهج.

عُمان، لم تكن بمنأى عن كلّ هذه الأحداث والتطوّرات التي شهدتها المنطقة، وكذلك شبه الجزيرة العربية. فالبرغم من وجود عدد من الانتهاكات الحقوقية والتضييقات الأمنية سابقا –أي قبل الربيع العربي- سواء فيما يتعلق بالتدوين والنشر الإلكتروني، أو النشاط الميداني، إلا أن وصول الحراك الاحتجاجي إلى عمان في يناير 2011 وتوسّعه لاحقا في فبراير 2011، أدّى إلى إصدار قوانين وتشريعات لاحقا عزّزت من القمع ومصادرة الرأي الآخر وتبرير أي اعتقال.

لذلك، وحسب رأيي، أن القيام بتعديل أو إلغاء القوانين التي تتعارض مع حقوق المواطن، مطلب رئيسي وعاجل للخروج من الأزمة الحقوقية التي تشهدها عمان اليوم، والمتعلقة بسجن أو اعتقال أو استدعاء العديد من الناشطين الحقوقيين والسياسيين، لمجرد التعبير عن أرائهم حول أي إجراء أو قانون يصدر عن الحكومة، أو انتقاد أي خطأ وعدم المحاسبة والمكاشفة كذلك.

ومن أهم التغييرات التي يجب أن يتم العمل عليها لتعزيز الجانب الحقوقي هو إعادة النظر مجددا إلى بعض القوانين التي صدرت بعد الحراك الاحتجاجي في عمان الذي ابتدأ في يناير 2011، أو التي تمّ تحديثها بصيغ وعبارات بديلة، والتي أعتقد أنها عززت من القمع وانتهاك حقوق المواطن خاصة فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير،  وبعض هذه المواد هي:

  • المادة 126 من قانون العقوبات الجزائية: يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، أو بغرامة من خمسة وعشرين إلى خمسمائة ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب علانية أو بالنشر طعنا في حقوق السلطان وسلطته أو عابه في ذاته.

الملاحظة حول هذا القانون، هو أن السلطان هو رئيس الحكومة، وهو السلطة التشريعية وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء في عمان، وغيرها من المناصب، ممّا يعني؛ أن أي انتقاد لأحد هذه الجوانب  يعتبر انتقادا مباشرا للسلطان، كما أن أي انتقاد للسلطان يفسر على أنه إعابة، دون توضيح أو تحديد مفهوم الإعابة أو المصطلحات المتعلقة بها، حيث أن القانون أتى “فضفاضا” لتسهيل أي إجراء اعتقالي تقوم به السلطات الأمنية. مع الإشارة إلى أن النظام الأساسي للدولة “الدستور” يتضمن في مادته الــ 41 ما يمنع المساس بذات السلطان!.

  • المادة 134 من قانون العقوبات الجزائية: (نص مقتبس من المادة المعتمدة على المرسوم السلطاني 14/2001، والذي أضيفت له تعديلات أخرى في المرسوم السلطاني 23/2007.): يمنع إنشاء أو تأسيس الأحزاب السياسية في عمان، أو إنشاء فرع لحزب سياسي داخل عمان. وتتم معاقبة المؤسسين بالسجن من 3-10 سنوات، كما يتم معاقبة المنتمين بــ 1-3 سنوات.

لربما أحد الأسباب التي أدّت إلى إصدار قانون كهذا، هو عدم السماح لوجود أي شكل من أشكال المعارضة السياسية، رغم أن الاختلاف في كيفية الإدارة السياسية وحتى النظام القائم، حق مشروع. وهو طريقة مجدية ومثمرة كذلك تساهم إلى وجود تنوع فكري حول آلية إدارة شؤون البلاد. كما أن النظام الأساسي في مادته الــ33، وهي المادة التي استندت عليها هذه المادة من العقوبات الجزائية، صرّحت بإنشاء الجمعيات السلمية دون تحديد هويتها، ولكنه كذلك منع إنشاء جمعية تعادي “نظام المجتمع” دون إعطاء أي توضيح أو تفسير لهاتين المفردتين.

المادة 137 من قانون العقوبات (الجزاء) العماني:

( يعاقب بالسجن من شهر إلى سنة وبغرامة لاتتجاوز مائتي ريال كل من اشترك في تجمهر مؤلف من عشرة أشخاص على الأقل ، بقصد الإخلال بالنظام العام. وإذا استخدم العنف أثناء التجمهر يعاقب الفاعل بالسجن مدة لاتقل عن ستة أشهر ولاتزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لاتجاوز خمسمائة ريال ).

إلى الآن ومنذ 2011، تم تطبيق القانون على التجمعات السلمية جدا، وتم توجيه العديد من الأحكام ضد ناشطين أقاموا وقفات احتجاجية سلمية جدا، دون أن يُخلوا بالأمن العام، أو دون أن يساهموا إلى تعطيل حركة سير. وهذا القانون سبب رئيسي اليوم، إلى تراجع ممارسة أحد أهم الحقوق المشروعة للتعبير عن الرأي، وهي ظاهرة التظاهر السلمي.

  • المرسوم السلطاني 95/2011 المتعلق بالمطبوعات والنشر، وهي تعديلات على قانون ومرسوم سابق، أتت لتؤيد القمع وخنق عملية حرية التعبير، نصّ المرسوم كان:

“ﺣﻈﺮ ﻧﺸﺮ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ اﻟﻤﺴﺎس ﺑﺴﻼﻣﺔ اﻟﺪوﻟﺔ أو أﻣﻨﻬﺎ اﻟﺪاﺧﻠﻲ أو اﻟﺨﺎرﺟﻲ وﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻷﺟﻬﺰة اﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ واﻷﻣﻨﻴﺔ وأﻧﻈﻤﺘﻬﺎ وﻟﻮاﺋﺤﻬﺎ اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ وأﻳﺔ وﺛﺎﺋﻖ أو ﻣﻌﻠﻮﻣﺎت أو أﺧﺒﺎر أو اﺗﺼﺎﻻت رﺳﻤﻴﺔ ﺳﺮﻳﺔ ﺳﻮاء أﻛﺎن اﻟﻨﺸﺮ ﻣﻦ ﺧﻼل وﺳﺎﺋﻞ اﻹﻋﻼم اﻟﻤﺮﺋﻴﺔ واﻟﻤﺴﻤﻮﻋﺔ واﻟﻤﻘﺮوءة أو ﻣﻦ ﺧﻼل اﺳﺘﺨﺪام ﺷﺒﻜﺔ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺗﻴﺔ أو وﺳﻴﻠﺔ ﻣﻦ وﺳﺎﺋﻞ ﺗﻘﻨﻴﺔ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎت إﻻ ﺑﺈذن ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻄﺎت اﻟﻤﺨﺘﺼﺔ”.

 أصبح هذا القانون مطيّة “فعّالة” للأنظمة الأمنية في ملاحقة الكتّاب والناشطين، حيث تمّ توظيفه بتفسير أي انتقاد للسلطة كــ مساس بسلامة الدولة، وكذلك نشر أيّة وثائق متعلقة بتجاوزات المسؤوليين أو تفضح فساد إداري ما، على أنه مساس بسلامة الدولة. بالإضافة إلى أن هذا القانون أصبح ك لثام يُكمم صوت الصحافة والإعلام، ويُحدّد مسارها بما يتماشى مع رغبة السلطة، سواء العامة أو الأمنية.

خلاصة:

من نافلة القول، أن نذكر أن النظام الأساسي للدولة “الدستور” تضمن عددا من المواد التي أتت في صالح المواطن خاصة في بابه الثالث “الحقوق والواجبات العامة”، من المادة الــ 15 إلى المادة الــ 24، ولكن العبرة في التطبيق وليس في النصوص المكتوبة، فما ثبت لنا وخاصة ومنذ الحراك الاحتجاجي في 2011، أن السلطة الأمنية ذاهبة أبدا إلى انتهاك “النظام الأساسي” دون محاسبة، كما أنّ القضاء العماني لا ينظر إلى هذه الاختراقات بجديّة، ويتعامل مع أي معتقل وكأنه معتقل بطريقة قانونية والتهم الموّجهة إليه تُهم صحيحة!.

كما لا يفوتنا الإشارة إلى المواد 29،31،32 و 33 من النظام الأساسي وفي نفس الباب الثالث “الحقوق والواجبات العامة” أتت فضفاضة، ففي الوقت الذي يعطي الحق لحرية الرأي والتعبير، يختتم المادة بجملة “مكفولة في حدود القانون”!. وهو ما تكرر مع الطباعة والنشر وحق التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s