عُمان قابوس، أم عُمان العمانيين!.


 

لم أتوقع يوما ما، أن أرى مسؤولا لحكومة في دولة تدعي الحياد أن يظهر ويتحدث ويقول عن الربيع العربي أنه درس على الشعوب أن تتجنبه، في حين أن الشعوب أو على أقل تقدير المساهمين في تفعيل الحراك الاحتجاجي وثورات الربيع العربي، في حالة مصر على وجه التحديد، حيث حكومة العسكر تم تأييدها من حكومات الخليج العربي كافة، وغالبية محركي ثورة يناير في سجون العسكر، وأن يشبه كذلك المعارض بالمقاتل – التشبيه هنا حسب مجرى حديثه في الحوار إياه كان القصد منه الاتهام وليس التقدير، أي مثل الذي يحمل سلاحا لفرض فكرته! – وليس حتى بالإصلاحي أو منتقد العمل الحكومي، حيث أوضح أن الانتقاد شيء آخر غير المعارضة!. حيث أن حكومة دولته ليس لديها مشكلة مع النقد ومشكلتها مع المعارضين!.

يوسف بن علوي، والذي أراهن أنه هو من يرسم سياسة عمان الخارجية اليوم، أو كأقل تقدير، هو المساهم الرئيسي على ما هي عليه اليوم، وهو ثقل رئيسي لاستمرار “السلطان” الحالي في منصبه الذي فيما يبدو – أي قابوس- أنه أبعد من أن يمثل دورا حيوياً سواء على صعيد نظامه السلطوي المستبد – قابوس أحد الحكّام القلة في العالم الذي يتقلد مناصب سياسية تشريعية وتنفيذية وقضائية وعسكرية ودبلوماسية في نفس الوقت- أو على صعيد التأثير الخارجي. ولعل المتتبع لتصريحاته على مدى الخمس سنوات الأخيرة، سيجد أن آراءه سياسة متبعة في عُمان، وليست مجرد آراء شخص مسؤول.

الجانب الأخلاقي والاصطفافات:

الجانب الأخلاقي هو الجانب الذي تتكئ عليه سياسة حكومة عمان اليوم، وهو تقديم نفسها محايدة وعلى خطوة واحدة من كل الأطراف. هذه السياسة ليست عيبا على الإطلاق، فالاصطفاف الطائفي باسم الدين أو المذهب، أوحتى التاريخي/الثقافي، أمر غير محمود بالمطلق، فهو وحسب مفهوم دول الخليج والعرب والإسلام، قائم على مبدأ دفاعي/عسكري وليس تنموي، ما يعني تكريس التعاون الأمني والعسكري، وتزايد فرض قوانين وبنود هدفها القضاء على أي حراك معاكس لرغبات الأنظمة السياسية، ليس داخل البلد الواحد فقط، ولكن حتى في بلدان الاصطفاف. كسرت عمان هذه الصورة التي لطالما تغنت بها وعلى أنها محايدة ولها مفهومها الخاص “المستقل” حول العديد من القضايا ومنها الإرهاب، بعد إعلانها الإنضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية ضد الإرهاب، وهو ما يعطي بطريقة غير مباشرة صورة واضحة حول النظام السياسي المستقبلي بعد السلطان الحالي. مع العلم، أنّ عمان كانت سابقا -ولا زالت- على تعاون أمني مشدّد مع جاراتها دول الخليج العربي، وكذلك بعض الدول العربية الأخرى. وهذا التعاون الذي يسمح لها كما يوجب عليها مطاردة وتسليم المطلوبين في أراض آخرين أو في أراضيها!.

وهو من ناحية أخرى فإنه – أي الاصطفاف – غير متعلق ولا متصل بجانب تنموي للشعوب ولا حماية حقوق الإنسان في حرية التعبير والتنقل والعمل… إلخ، بل يصب على تعزيز دور رقابي متشدد وتمديده.

كذلك، لطالما حاولت عمان تقديم نفسها ك صورة مثالية ل سياسية النأي بالنفس، وهي كما نعلم سياسة مستحيلة وادعاءها إنما يعني اختباء حكومة أي دولة خلف شعارات فضفاضة لتبرير عجزها/دعمها لوضع سياسي معين. ف عمان لم تدعم ثورة مصر ولا تونس ولا ليبيا، بل تعاملت معها بسياسة التسليم بواقع الحال والتعامل مع معطيات نتيجة متغيرات جديدة. وفي سوريا لطالما ولا زالت تقف إلى جانب نظام بشار الأسد وتدعمه بقوة، حتى دون أن تتخذ خطوة واحدة اتجاه إدانة ممارسة النظام الوحشية اتجاه المعارضة له. وفي البحرين، رغم تناقل الكثير لتصريح من الصعب نسبه إلى سلطان عمان الحالي الذي يطالب فيه نظام البحرين المستبد بتحقيق مطالب شعبه، إلا أن تصريح رسمي لـ ابن علوي كسر حقيقة هذا الأمر، حينما أعلن ومن طهران، أحقية النظام في البحرين في التعامل مع الاحتجاجات بما يتناسب!

وهذه صورة أخرى حاول مثقفو السلطة تعميمها، وهي أن عمان “المحايدة” منحازة دائما لرغبات الشعوب!

المشهد السياسي:

من حق أي باحث أو مطلع أو مهتم بالشأن السياسي في عمان، أن يقول أن الصورة السياسية غير واضحة، وهذا حقيقي. فأنا لا أتحدث فقط عن صورة النظام السياسي، ولكن كذلك أراء العامة حوله، فالغالبية العظمى التي تقدس السلطان الحالي أو تؤيده، هي نفسها الغالبية التي تنادي للقضاء على الفساد، وتدين أي قرار حكومي يضر ب جيب المواطن (المصلحة الاقتصادية)، وبعضهم يدعو ليل نهار للانتقام من الظالم! ثم تجد في الأخير أن كل مؤشرات الرفض والاحتجاج هذه تقف ساكنة بل وربما يكون لها ردة فعل شرسة، حالما يتم نسب الأمر إلى سلطة السلطان الحالي المتسببة إلى توالد ونمو هكذا نوع من الأزمات بسبب مزركزية السلطة وغياب الإصلاح الحقيقي، وحصر موضوع مكافحة الفساد بصغار موظفي الدولة، وتجاهل منبعه الأساسي، أي السلطان الحالي.

ما لا تستطيع تجاوزه في الحالة العمانية، عدة أمور؛ فالنظام السياسي سلطوي مطلق. السلطان – كمنصب وشخص- مقدس وغير مسموح نقاش نزاهته وقابليته أو حتى صلاحيته، وهذا بموجب المادة 41 من النظام الأساسي للدولة الذي وضعه وفرضه السلطان الحالي منفردا. لا أحد يستطيع أن يثير تساؤلا حول ثروة السلطان ولا مقدار ما يضع يده عليه من ثروة البلد، ولا مدى فوائده التي يأخذها من بعض موارد البلد الأساسية مثل النفط – قابوس هو المسؤول الفعلي عن المالية في عمان ويكاد أمر تسيير أرقام المبالغ من كافة الموارد يجري بسرية تامة يعلمها قابوس والوزير المباشر وآخرين قلة معدودة ومحدودة- ولا مسموح كذلك للنظر في ميزانية مؤسسة مثل ديوان البلاط السلطاني والمؤسسات التي تتبعها حول ميزانيتها السنوية فيما وكيف تصرفها، ولا حول الميزانية السنوية المخصص لقصور السلطان وخدماته ورفاهيته وسفره وما إلى ذلك!. كذلك، لا أحد يعلم إن كان السلطان الحالي له نسبة محددة من فوائد القروض البنكية، وإن صحت هكذا فرضية، فلا أحد يعلم النسبة الفعلية التي يقتطعها السلطان لنفسه. خاصة إذا ما علمنا أن فوائد البنوك من القروض لا تقل عن 8% من كل قرض شخصي أو غيره. غياب الدقة في هكذا أمور لا يعود إلى غياب الشفافية في تقديم أرقام أو إحصائيات، بل إلى التعتيم المطلق حول ثروة السلطان وحجم ما يقتطعه لنفسه من كافة ثروات البلد والمؤسسات النفطية والتجارية الأخرى.

كل ذلك يقود وبصورة مقلقة ومؤسفة – إن صح الوصف- إلى القول أن السلطان الحالي الذي يقدم نفسه كمصلح وباني لــ عمان الحالية، هو نفسه المدمر لها! فسياسة المركزية والسلطوية واللامسائلة التي بناها حول نفسه، هي التي خلقت اليوم حالة عدم معرفة وضع اللوم على من! فالمشاكل الاقتصادية التي عادة لا تُحل، ومشاكل البنية التحتي التي كذلك عادة يتم توفير حلول مؤقتة وليست جذرية، مازالت مستمرة.

المستقبل في عمان:

لكن المشكلة الحقيقية، التي فيما يبدو أن قابوس هو الحاجز الأساسي لأي حل لها، هي توزيع السلطة. عُمان التي لا يُعرف من خليفة سلطانها الحالي، ليس بها حكومة فعلية، فحكومة عمان هي مجرد أشخاص يختارهم السلطان بنفسه، يتم تعيينهم بمرسوم سلطاني، وأي قرارات كبرى يسعون لاتخاذها لا بد أن يصدر فيها مرسوما من السلطان كذلك. وهم محكومين بسياسة مالية محددة جدا قائمة على قائمة توزيع وليس على حسب خطة سنوية وزارية محددة. لذلك ليس هناك وزارة أو وزير يتم محاسبته بالمعنى الفعلي، لأن الوزير عادة يتم وضعه في الوزارة بأوامرقابوس، ما يعني لا يشترط أن يكون للوزير خطة معينة وأهداف محددة، يتم مساءلته عليها كل فترة!.

ومجلس عمان – البرلمان – دوره استشاري وليس تشريعي. ف مجلس الشورى -الغرفة التحتية لمجلس عمان الذي يتكون من أعضاء منتخبين من الشعب- يرفع اقتراحاته إلى مجلس الدولة – الغرفة العلوية لمجلس عمان والذي يتكون من أعضاء يعينهم قابوس بمراسيم- الذي بدوره يضيف أو يزيل عليها أو ربما حتى يرفضها! ثم يرفعها إلى مجلس الوزراء – أقرب وصف له أنه الجهة التنفيذية التي تتبع قابوس مباشرة وتتكون من وزراء يتم تعيينهم من قبل قابوس- والذي كذلك من شأنه أن يرفض أو يقبل بعض ما يرفع إليه، مع غياب ضمان أن يتم رفع الوثيقة الأصلية التي رفعت من الشورى أولا! وبعدها يرفع الوزراء وثيقته إلى السلطان ليوافق أو يرفض!.

لربما المتتبع للعمل البرلماني في عمان، سيجد من النظرة الأولى أنه عمل أراد له قابوس اللاجدية ونزع الثقة عنه عبر إعطاءه صلاحيات غير مجدية، وعبر احتواءه على بعض أعضاء غير مؤهلين نوعا ما للعمل البرلماني، وهذا مرده لأمرين: أولا، أنّ الانتخابات البرلمانية والمتعلقة بالشورى لا تفرض على كل منتخب أو مترشح تقديم برامج انتخابية، بالتالي وجود ما يضمن للناخب الاطلاع على أهلية المنتخب أم لا. ثانيا، غير مسموح في عمان إنشاء الأحزاب السياسية أو أي نشاط فكري سياسي مستقل!

كذلك يجب أن نضع في عين الاعتبار، أن بعض الوزارات في عمان مُنحت صفة السيادية، مثل النفط والمالية والدفاع والخارجية. وهي وزارات المسؤول الأول والفعلي لها هو قابوس نفسه. مع ذكر، أن قابوس يتدخل في كافة المؤسسات الرسمية وآلية عملها.

لربما يعتقد البعض، أن قابوس من خلال ممارسته الاستبدادية عبر تحكمه في غالبية المناصب الرسمية الهامة، هو وسيلة آمنة من أجل استقرار عمان وبناء الدولة بعيدا عن الصراعات التي حولها، وكذلك ضمانة للهدوء الداخلي وحفظ لسيادة أسرة آل سعيد. لكن هذا الحل فعاليته ترتكن بصورة أو بأخرى إلى عدة عوامل، أهمها: الدعم الذي تلقاه بصورة مباشرة من دول كبرى مثل بريطانيا التي ساندته استخباراتيا وعسكريا كما ساندت والده سعيد بن تيمور سابقا، وكذلك وجود النفط الذي ضمن لــ قابوس استقرار اقتصادي ساعده على تأمين علاقاته القبلية التي استند عليها في الاستقرار. لكن هكذا عوامل كذلك مهدد لــ عمان ما بعد قابوس، وذلك لعدم وجود حليف – خليفة قابوس- سياسي واضح مع نفس القوى العالمية الكبرى، وإن بدى خارجيا هيثم بن طارق الأوفر حظا، وداخليا شقيقه الأكبر أسعد بن طارق لقربه أكثر من القبائل العمانية المهمة وكذلك القيادات الدينية. لكن هكذا أمر كذلك يثير قلق الخارج والداخل حول ما إذا كانت أسرة آل سعيد بكافة “ذكورها” المؤهلين لخلافة قابوس سيقبلون ب أسعد أو هيثم، أو حتى إن كانوا سيقبلون بمرشح قابوس الذي وضع اسمه في التوصية التي أمر بفتحها في حال عدم اتفاق مجلس أسرة آل سعيد على مرشح معين خلال فترة 3 أيام.

كذلك، عامل النفط الذي مما لا شك فيه أنه ذاهب لــ النفاد بعد أعوام عدّة، وهو ما يعني حالة تقشف اقتصادية غير محمودة العواقب ستؤدي إلى خلل في عمل الحكومة وفرض سيطرتها الأمنية والعسكرية المعتادة، وكذلك غياب الدافع الأساسي لاسترضاء القبائل الكبرى خاصة المختلفة في الإيديولجية والمذهب!.

عدم قيام قابوس بتفعيل الحياة السياسية وتقديم تجربة سياسية تتمثل عبر فصل السلطات ومحكمة دستورية وإنشاء دستور يساهم في وضعه عدد من خبراء من مختلف المجالات، أكبر إخفاق لــ قابوس. وفيما يبدو أن كل ما يهتم له قابوس حاليا راحة البال فيما يخص الشأن الداخلي، طالما تتوفر له كافة الوسائل والأدوات التي تمكنه من قضاء سنواته الأخيرة مرتاح البال غير آبه لما سيحدث في الغد، خاصة وأنه مهما حدث بعده، لن يجني إلا الثناء. مع كمية التضليل التي تتبعها مكنته الأمنية المسيطرة على مؤسسات الثقافة والإعلام كذلك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s