بلاد الكفّار إيماني!



    نعيش اليوم واقعا تصل فيه ميزانيات الملكيات العربية لأرقام خيالية لا يمكن حصرها، بل وحتى الملوك العرب من المنافسين الأقوياء على ميزانيات أثرياء العالم، التي عادة يتصدرها رجال أعمال جنوا أموالهم عبر أعمالهم وشركاتهم ومصانعهم، في حين أن ملوك العرب جنوا ثرواتهم من بقراتهم الحلوب -أي بلدانهم- حيث يملكون السلطة المطلقة التي تمكنهم من وضع يدهم على كل صادرة وورادة من أموال شعوبهم، دون حسيب أو رقيب! في الوقت ذاته، تشهد هذه البلدان مشاكل تنموية اقتصادية اجتماعية، سببها الرئيسي الفوضى في استخدام وترشيد الثروات!
    ورغم تنوع الأسماء بين ملك وسلطان وأمير وشيخ، إلا أن الأنظمة الملكية هي نفسها بأسلوب إدارتها وهيئتها، وخاصة في دول الخليج العربي، التي تشهد نوعا من الطابع السياسي الساخر، الذي يوهمون فيه شعوبهم أنهم مصدر أمانهم، ولكي يستمر هذا الأمن والأمان لا بد من استمرار سلطاتهم المطلقة، حتى الكويت التي تشهد منذ عقود نوعا من الملكية الدستورية، إلا أن الملك الحالي وضع يده على بنود عدّة في الدستور مكنته من التحكم في مفاصل إدارة البلاد ولو بصورة غير مباشرة!
    في ذات الوقت، والمراقب لأداء الملكيات الغربية، وخاصة الأوربية، يجد أن الملكيات مجرد شكليات، أقرب لأن تكون “الجزء الكريم” للدولة، حسب تعبير المُنظر الدستوري وولتر باجهوت، الجزء الكريم هذا، أصبح اليوم مجرد رمزا للوحدة، خاصة في الحالة البريطانية، ولكنه أشبه للتراث أو التقليد ذو التداعيات المرهقة أو المكلفة!!!.
    في بدايات 2014، ثارت ضجة شعبية-حكومية في بريطانيا، احتجاجا على ارتفاع نفقات العائلة الملكية في فترة ما بين منتصف 2012 إلى منتصف 2013، حيث وصل إلى 33.3 مليون باوند(جنيه استرليني)، في حين أن التمويل الخاص بالعائلة كاملة لا يتجاوز 31 مليون باوند، وللذي فاته التركيز على العبارات السابقة، فالصرف هنا يخص العائلة الملكية كاملة!!! الأمر الذي جعل الملكة تطالب بالاسترشاد في النفقات، والموافقة على خفض النفقات. مع العلم، أنه في إبريل 2012، تم إلغاء الطريقة التقليدية في تمويل العائلة الملكية، وتخصيص ما نسبته 15% من صافي الدخل الفائض الذي تولده الخزينة، وهو ما يُعرف بالمنحة السيادية، ولأن في الإعادة إفادة، فإني أكرر: الــ 15% للعائلة الملكية بجميع أفرادها، وليس الملكة وحسب!
    أما في أسبانيا، والتي تعتبر ملكياتها أحد أفقر الملكيات في أوروبا، وربما في العالم، خاصة وأن الملك حسب الدستور الإسباني، هو مجرد موظف للدولة!!! على إثر تداعيات ما سُمي حينها بالربيع الإسباني في 2012، فقد قرر الملك خوان كارلوس تخفيض راتبه الشهري بأكثر من 7%، وكذلك راتب الأمير فيليب وليّ العهد، ليكون راتب الملك الإسباني 20 ألف يورو شهريا، ووليّ العهد 10 ألاف يورو! وهي الخطوة نفسها التي شهدت تخفيضا في رواتب كبار موظفي الدولة من المسؤوليين والووزراء والنوّاب…إلخ.
    الأمر لا يختلف كثيرا في باقي ملكيات أوروبا مثل النرويج، التي تحتفل بيومها الوطني في السابع عشر من مايو من كل عام، وهذا الاحتفال ليس عيد ميلاد الملك، ولا يوم تنصيبه ملكا، بل هو تاريخ إقرار الدستور وانتصار إرادة الشعب! مع العلم، أنّ شوارع المملكة النرويجية وعملاتها المالية واللافتات.. إلخ، تخلو من صوّر الملك أو أحد أفراد المملكة!!! فما بالكم بمقدار ميزانية الملك نفسه ونصيبه من الميزانية السنوية!!!
    ورغم ذلك، وحين يناقش الشعب الأوربي ميزانية ملوكهم، أو يطالبوا بالحد من نفقاتهم، لن تجد مثقفي سلطة يشيرون إلى مؤامرات ما، أو يتهمون أي أحد أنه عميل أجندة غربية، ولن تجد ملتحي المساجد ولا رهبان الكنائس يتوعدون الناس بالنار وجهنم إن طالبوا بذلك، ولن تجدهم يصفون أيّ فعل على أنه مشروع فتنة كبرى وخطوة لتقسيم البلدان وإسقاط الأنظمة! ولن تجد أجهزة أمن هذه البلدان، تختطف الناشطين من الشوارع، ولا تضيّق عليهم دائما بكثرة الاستدعاءات أو المنع من السفر أو الاعتقال!!!.
    العرب:
    اليوم، أثبت الكثير -حيث لا يجوز التعميم- من الشعوب العربية وللأسف أنهم أكثر الشعوب سذاجة، وأقلها مسؤلية، وأبشعها دموية، وتكاد تكون موطنا للفساد والرشاوى والطغيان والاستبداد والظلم والقهر، ففي الوقت الذي تخرج فيه الشعوب للشوارع رقصا وفرحا في أيامها الوطنية، يسيطر الملوك والحكّام على ميزانية شعوبهم، وينهبون كل واردة وصادرة، ويتركون لشعوب الفتات، حتى الدول العربية التي تتمتع بنعمة النفط، يستحم ملوكها بأموال النفط وخيراته، في حين أن الشعب يتمرغ في تراب النفط وعفراته!!!
    العدالة الاجتماعية وترشيد الاستهلاك والمساواة والعدل، ليست شعارات مستحيلة، ولا عناوين برّاقة، بل هي واقع ممكن تحقيقه إذا توفرت الإرادة الشعبية أوّلا، والأمانة لدى السلطة السياسية ثانيا، ولكن طالما كانت الشعوب مجرد “مزامير” وطبول” للرقص والهزّ، ستبقى الملكيات العربية على قوائم أغنى أثرياء العالم، وشعوهم العربية التي نقرأ عن دخلهم السنوي المرتفع في التقارير السنوية فقط، في حين أنهم الشعوب الأكثر تخلفا وفقرا، في بلدان غابت عنها جودة التعليم وجودة الصحة والاقتصاد، بسبب الأنظمة السياسيىة الاستبدادية!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s