الجنسية العمانية، ارتباط الإنسان بالأرض، أم الولاء للنظام؟


المنشور في مجلة مواطن: http://www.mowatinoman.net/archives/1908

    جرت العادة، حين الخوض في مواضيع تتعلق بالجنسية وعلاقة المواطن ببلده، أن يتم الاعتماد على نصوص قانونية، وتقديم تفسيرات حقوقية، تتماشى مع أي وضع، أو تتعارض معه، رغبة من ذلك في تقديم صورة متكاملة قانونية حول هذه المواضيع، وتأصيلها. لكن، سأعتمد هنا على رأيي الخاص وحده، بعيدا عن وجهات نظر القانونيين أو الحقوقيين، وسوف أتناول المرسوم 38/2014 كمواطن عادي ينتمي لهذه الأرض وتمتد جذوره فيها إلى عمق لا حصر لتناهيه.
    الجنسية موضوع واضح جدا، واضح في انتماء الإنسان لأي أرض، لا مقاييس “تصفه” ولا أدوات من الممكن استخدامها لقياس مدى “أحقيته” من عدمها. واضح في عدم أحقية أي طرف في “فك” هذا الارتباط، واضح في عدم إمكانية أي وثيقة أن تكون محل “إثبات” أو “نفي” لهذا الارتباط. ومن هنا لن أعتمد على أي سند قانوني دولي أو محلي في حديثي عن هذا المرسوم.
    أولا، صدور المرسوم في هذا التوقيت بالذات، في الوقت الذي يتم فيه تناقل أخبار كثيرة لم تثبت صحتها للآن، حول صحة السلطان قابوس، وأنباء عن إصابته بمرض خطير، يرجح على أنه “سرطان الأمعاء”، مما يعني؛ أن المرسوم معني بمرحلة لاحقة، يتم الإعداد لها بقوانين أمنية “حازمة” نوعا ما، لا تعطي  لأي فرد عماني -سواء انتمى إلى عائلة البوسعيد “آل سعيد”، أو كان مواطنا عاديا- أي مجال ليعارض أي قرارات تصدر، أو أن يعارض اسم “السلطان” القادم. فمهما كان شكل التفسيرات والتوضيحات التي صاحبت وبصورة غير رسمية صدور المرسوم، إلا أننا وحين نتحدث عن “جنسية” فهذا يعني أننا نتحدث عن “علو كعب” الخيار الأمني أمام أيّ إشكالات تواجه السلطة!، وهو ما تعودناه فعلا منذ 2011، العام الذي ساهم فيه الحراك الاحتجاجي إلى ترجمة “دور المؤسسة الأمنية” على الواقع، بعدما كانت مجرد تكهنات.
    ثانيا، تطرق المرسوم إلى ثلاثة مجالات، متمثلة في (الفقد،الإسقاط،السحب)، إشارة واضحة، أن مدى سعي “الحل الأمني” إلى تدارك أي وضع أو تداعي لأي أزمة، ولذلك أتى “الفقد” متعلقا بفقدان أي عمانيّ لجنسيته تلقائيا في حالة اكتسابه أي جنسية أخرى، و”لإسقاط” العقاب المباشر لأي نشاط “سياسي مدني حقوقي” معارض، أو “فاضح” لأاي انتهاكات تتعمدها السلطة، و “السحب” لأي عماني اكتسب “الجنسية” لاحقا.
    ثالثا، تجاهل مجلسي “الشورى” و “الدولة” المناط بهما السلطة التشريعية (الشكلية) في عمان، وهذا التجاهل وإن كان متوقعا في وضع كهذا، إلا أنه كان مُهينا للمؤسستين -إن لم يكن صفعة لإيقاظهما من حلم التشريعية- وذلك بسبب قيام العديد من أعضائها ومنذ فترة طويلة بامتداح “العافية البرلمانية” التي عليها البلاد، والديمقراطية التي تشهدها، رغم مطالبة هؤلاء الأعضاء أنفسهم بمزيد من الصلاحيات تُمكن “الشورى” من أن يكون “برلمانا” حقيقيا وليس مجرد شكليات.ومسألة التجاهل تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن المرسوم 38/2014 خطوة أمنية بحتة، بالتالي تدحض كل التفسيرات والتأويلات اللارسمية التي صاحبته.
    رابعا، تجاهل القضاء، عبر تخصيص مادة في الفصل الأول من قانون الجنسية المفسر للمرسوم، وهي المادة 4: “لاتختص المحاكم بالنظر في مسائل الجنسية والمنازعات المتعلقة بها”. عدم وجود أي نص أو مادة لتفسير عدم السماح للقضاء في التدخل في هكذا أمر، يؤكد كذلك أن هناك نية مبيتة للتحرك الإجرائي اتجاه سحب الجنسيات، وأن هذا التحرك من الطبيعي أن يكون سياسيا بطبيعته، الهدف منه “عقابي” لا أكثر.
    خامسا، المادة 20 في الفصل الرابع، تعطي انطباعا مبدئيا، أن المرسوم لم يصدر أو لم يتم الإضافة والتغيير على المرسوم السابق (3/1983) إلا لهذه المادة، وهي عبارة عن نصوص تفسيرية/إجرائية لوضعية “إسقاط” الجنسية وكيفية العقاب، المادة في نقاطها الــثلاث، أتت فضفاضة غير متبوعة بعبارات أو نصوص تفسيرية، فمثلا:
– الانتماء لجماعات أو انتماءات أو عقائد، من السهل جدا توسيعه ليشمل أي نشاط حقوقي/قانوني/اجتماعي/سياسي، فيه توجهات مخالفة “لخطط الحكومة” أو مؤسساتها، وهو أمر أصبح طبيعي جدا بعد موجة الحركات الاحتجاجية في 2011، والأصوات التي استمرت في معارضتها لعمل الحكومة وبعض قوانينها وملفات الفساد المتحفظ عليها.
– العمل لحساب الدول الأجنبية، فيه خطر كبير بصورة محددة على الصحفيين والإعلاميين والحقوقيين، وطريقة العقاب والثواب بمنطق “العصا والجزرة” تمثلت في شرطية التخلي عن العمل طالما الحكومة طلبت منه ذلك.
ومبدأ الثواب والعقاب يثبت نفسه كخيار آخر لأي عماني، في آخر نص في هذه المادة: يجوز رد الجنسية إذا زالت أسباب الإسقاط، وهذا ما يعني أن المسألة تتعلق “بنشاط” ضد المؤسسة الرسمية فقط، ولكن المادة أتت تتحدث عن “عمان”، كما تم ذكر ذلك في كل نقاط المادة 20، “تضر بمصلحة عمان” “طلب الحكومة العمانية” “ضد مصلحة عمان”، وهذا الدمج الـ “غير عفوي” بين كيان إداري وظيفي كالحكومة أو النظام بأكمله، وبين الدولة أو البلد، فيه خطر مرتبط بالنصوص الفضفاضة التي سبق أن ذكرتها.
    لا يحق لأي كائن كان؛ أن يسحب الجنسية عن أي عماني مهما كانت الدرجة الوظيفية لهذا الشخص، فالقوانين والعقوبات التي تتبع أي انتهاك أو جريمة، كافية وبصورة لا تدع مجالا للشك إلى عقوبة أي شخص طالما “انتهك القانون” دون الحاجة إلى اللعب على وتر “الانتماء”، ولكن المرسوم أتى سياسيا بحتا مستندا على توصيات أمنية، لأجل تمهيد الطريق لمرحلة قادمة،عبر تذليل أي عقبات وصعوبات في المرحلة الحالية، مستفيدا من الوضع “الأمني العالمي” الذي تمرّ به المنطقة ككل، متعللا أن المرسوم في بعض جوانبه يخص كل مواطن يشترك في أنظمة إرهابية، ولكن هذا لم يتم ذكره نصا في المرسوم.
    كما أن المرسوم لم يتطرق مطلقا لقضايا نهب المال العام وسرقة ثروات الوطن وخيانة المسؤولية، وهي مسألة أكثر أهمية وحساسية، حين يتعلق الأمر بخيانة الأمانة المنوطة بأي مسؤول، فكيف يعاقب النظام أبناءه!!
    صدور المرسوم بحد ذاته خيبة، خيبة من ناحية المضمون الذي أتى به، وخيبة من الجهة التي صدر منها! ذلك أن الخيار الأمني القذر، ما كان يُعرف عن بلد كــ عمان سابقا، ورغم انتقادات العديد من القانونيين والأكاديميين والكتّاب العمانيين لخطوة سحب الجناسي التي شهدتها الكويت قريبا، إلا أن هؤلاء التزموا الصمت حيال هذا المرسوم، بل حتى أعضاء “الشورى” و “الدولة” لم نسمع لهم صوتا ولم نقرأ لهم حرفا. وكذلك أن يصدر مرسوما من “السلطان” بعد 44 عاما، بهذا الشكل المخيف، من الطبيعي أن يتبعه الكثير من التكهنات حول حقيقة إذا ما صدر المرسوم من السلطان نفسه، وسط “معمعة” الإشاعات المتعلقه بعلاجه وصحته،وما إذا كان المرسوم مصدره طرف آخر، طرف أمنيّ أكثر منه وطنيّ.
نبهان الحنشي @nabhan80

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s