أحداث البحرين: ثورة شعب أم مذهب؟!.


    أخطر ما يمكن أن يتهم به أيّ حراك احتجاجي، هو العمالة، أو ولاء محركوها لقوى خارجية، سواء أكانت سياسية أو دينية، فهذا الخطر وحده يعطي تفويضا أعمى، أو تتذرع به الأنظمة من أجل استخدام كافة أدوات البطش لقمع الحركات الاحتجاجية والمحتجين، بل وحتى الاستعانة بقوى “أمنية” أو “عسكرية” خارجية من أجل توسيع القمع والقضاء عليه!.
    ولنا في الخليج العربي على وجه الخصوص، تجربة البحرين، التي ومنذ فبراير 2011، لا زالت مستمره حتى يومنا هذا، رغم فقدانها الزخم الإعلامي “المناصر” لها، بعد نجاح التيّار الآخر المعارض لهكذا تحركات احتجاجية، إلى تلبيسها تهمة “المذهبة”، وتأسيس واجهة إعلامية قوّية وضخمة، ضمّت المحللين السياسيين والدعاة والفقهاء وحتى الفنانين والرياضيين..إلخ، من أجل تصوير أحداث البحرين، على أنها صراع “سلطة” الهدف منه تقوية الفريق “الشيعي” على “السنّي”، وتغيير ولاء البحرين الاستراتيجي وحتى الإيديلوجي، ليكون تابعا لــ إيران!.
    ولعل أحد أبرز نجاح التيّار الآخر في صنع كل هذا هجوم والتحامل على الحراك البحريني، هو مدى نجاح الدعاة -ومنهم دعاة مشهورين عربيا- في تمرير ونشر فيديوهات، تم تلفيق الصور فيها أو التلاعب وتركيب أجزاء عليها، تعطي انطباعا للمتابع، على أن البحرينيون الذين خرجوا في 14 فبراير 2011، هم عملاء إيران الذين يسعون للامتداد الشيعي على حساب انحسار التمدد السني.
    ومن هنا، نلاحظ أن الأزمة البحرينية اكتسبت أهميتها الأقليمية للتجاوز حدود البحرين نفسها، ليصبح الأمر شأنا عاما وليس فقط خاصا بالبحرين وحدها، وهو ما يَسّر الطريق لقوات سعودية-إماراتية لدخول البحرين من أجل عمليات بسط الأمن -كما يدعون- وقمع الإرهاب!. وهو الأمر نفسه، الذي دعا بالملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى المناداة بتشكيل “إتحاد خليجي كونفدرالي”، ولاحقا إلى إقرار “الاتفاقية الأمنية الخليجية، ورغم فشل فكرة الاتحاد، إلا أن الاتفاقية الأمنية وجدت قبولا حتى من الدول التي عارضت الاتحاد -مثل عمان- وتم العمل بها حتى قبل إقرارها رسميا، رغم مشاكل تقبل البرلمان الكويتي لها، وعدم موافقته عليها للآن. ومن هنا، تتضح لنا ملامح طريقة “تطويق” الحراك البحريني، وأي حراك لاحق بعد ذلك.
    ولعل في انسحاب العديد من المؤسسات الإعلامية عن تغطية الأحداث البحرينية، كان مأزق آخر للحراك البحريني، حيث تمحورت تغطية الأحداث على قنوات وصحف إعلامية، توصف على أنها “شيعية”، وهو الخطر الإعلامي الذي بات يشكل هاجسا ومؤشرا خطيرا على مدى عمق “الأزمة المذهبية” اجتماعيا في المجتمع الخليجي خاصة والعربي عامة، حيث أصبحت هناك قنوات لكل مذهب، وقنوات أخرى مختصة للشتائم والشيطنة أيضا تابعة لكل مذهب، بغض النظر عن مسببات الأمر أو دواعيه، إلاّ أنه ولا بد من الإشارة، إلى أنّ تمحور التغطية الإعلامية للأحداث البحرينية، في قنوات “شيعية” فقط، أنقص من أهميتها كثيرا لدى مؤيديها، رغم أن المشكلة ليست في هذه، بل في عدم اهتمام القنوات الإعلامية الأخرى بتغطية الأحداث!
    ظهور بعض الفيديوهات، المنسوبة “للمحتجين” في البحرين وهم يقومون بعمليات مداهمة لعدد من الآليات العسكرية، أساءت للثورة البحرينية كذلك، ليس فقط كونها “سلمية” ولكن لتحويلها من قبل “المحتجين” أنفسهم إلى “مذهبية”، فكون أن غالبية المحتجين هم من “الشيعة” لا يعني مطلقا أنها ثورة مذهبية، طالما تمثلت المطالب في الدستور وتنظيم العمل السياسي والتمثيل البرلماني..إلخ، ولكن ظهور بعض هذه الفيديوهات وهي تتوعد باسم طائفة ما، وتردد شعارات مذهبية ما، هو إساءة بحدّ ذاته للحراك الاحتجاجي البحريني.
    الجانب الأهم في الموضوع البحريني، هو أنه حراك احتجاجي، وهو حق محتوم لشعب يعاني من اضطهاد وفساد سياسي، وهو عموما حال أغلب دول الخليج العربي، والتي لم تتورع إلى إدخال كل معارض لأدائها، أو أفكارها، للسجن، وتلفيق التهم بحقّه، ولكن، ما يثير الغرابة أكثر، هو اختلاف المقايسس والمعايير هنا أو هناك، فمن هم ضد “الثورة البحرينية” يرون ما يحدث في سوريا -رغم انحراف مسار الثورة- حقا مشروعا، ويرون في دعم أنظمة خليجية لجماعات متشددة هناك هو دعم لرغبة الشعب السوري!!. من جهة أخرى، وهو ما يتعلق بداعمي الحراك البحريني، ذلك أنّ العديد ممّن يؤيدون “الثورة البحرينية” لا يؤيدون “الثورة السورية” -حتى قبل انحراف مسارها- ولا يرون في الحراك الاحتجاجي هناك -أي سوريا- ما يمكن وصفه بالثورة، بل ويدفعون ويدافعون عن بشار الأسد ونظامه!!!
    هذه التناقضات، لم تدخل التيار المؤيد للحراك البحرين في حيرة، بل وحتى المعارض له، لذلك نجد الأغلبية  اليوم تلتزم الصمت حيال ما يحدث، ولا تتجرأ حتى على إدانة الخطأ والانتهاك الحقوقي والإنساني الذي يحدث يوميا في البحرين، لا خشية من الأنظمة الخليجية بعد توقيع الاتفاقية الأمنية، بل خشية حتى من المثقفين والنخبة التي تصدرت مشهد التجريم والتشكيك والاتهام لأي مساند لأي طرف!
    ما يحدث في البحرين ثورة، والحراك الاحتجاجي على أي نظام ظالم حق، وفتاوى “وعّاظ السلاطين” التي تحرّم ما تحللّه في موضع آخر، هي مجرد “ديكور سياسي” للأنظمة الطاغية، لكن يجب على “الثوّار” البحرينيين أنفسهم عدم الإنجرار خلف “مذهبة” حراكهم، كما يجب على المتابعين عدم إثقال كاهل الحراك الاحتجاجي بمطالب غير منطقية،من أجل أن يثبت المحتجين عدم مذهبية حراكهم. وإن كان الملاحظ عموما على أداء “الوفاق” البحرينية -الجناح المعارض الرسمي في البحرين مع حركات أخرى مثل وعد – أنّه أداء وطني بامتياز وغير منصاعة -بالحد الأدنى على أقل تقدير- لــ إملاءات خارجية، كذلك يجب على المثقف والإعلامي الخليجي، عدم اتهام الحراك البحريني ومذهبته رغبة لتحاشي انحسار الضوء عنه، أو تفاديا للاصطدام بأي نظام، والاعتماد في حكمه على المتابعة والتدقيق وتحرّي الحقيقة، والوقوف على المطالب، مطالب الثوّار.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s