لماذا الليبرالية العربية فاشلة.


          العمل الليبرالي العربي اليوم هو أحد أهم صور الإخفاقات التي يشهدها العالم العربي، فبعد فشل الليبراليون وعبر عقود ولّت في التغلغل في المجتمعات العربية ونشر أفكارها حول المدنية والحرّيات الفردية وحرية ممارسة الأديان،تعيش الليبرالية اليوم فشلا آخر يتمثل في النفاق السياسي للسلطات الحاكمة في العالم العربي، وتأمين تواجد سياسي متين لها عبر التآمر على الأحزاب الأخرى وخاصة الدينية، وغياب الموقف الواضح أو الحازم حيال المواضيع التي يشهدها الواقع العربي من طغيان سياسي وتفرد الأسر الحاكمة أو المؤسسات العسكرية بالقرار السياسي، مع ابتعادهم عن النقد الواضح والصريح لأي إخفاق، وغياب عملية المراجعة والنقد الذاتي للتجربة التي بدأت منذ منتصف القرن المنصرم، وتخصيص الحديث هنا عن التجربة التي يشهدها الخليج العربي ومصر خاصة.

          لماذا الليبرالية العربية فاشلة؟

الليبرالية وللأسف، تمثلت في أشخاص أو نخب ثقافية واقتصادية ترجمت أفكار الليبرالية وفق ما يؤمن لها طريقا آمنا للوصول إلى السلطة أو الدخول في منزل صناعة القرار السياسي وضمان استمرارية البقاء فيه، وأحد أكثر الأساليب شراسة/دناءة التي اتبعتها هذه النخب، الوقوف كحائط صد من جهة، وأداة هجوم وقذف من جهة أخرى، لأي تيار أو حزب إسلامي، وتهويل أي مشاركة لهذه التيارات والأحزاب بتصوير الأمر على أنه محاولة لإعادة الحكم “الإسلامي” وتجديد عصر الأصوليات ونشأة الدول ذات الصفة الثيوقراطية، وتمرير عدّة مفاهيم للمتلقي العربي عبر كافة وسائل الإعلام المتاحة لهم –وهي الوسائل الأغلب- تبيّن مدى عمل هذه التيارات والأحزاب على استغلال الدين كسلاح للسيطرة على كافة مؤسسات الحكم التشريعية والتنفيذية والقضائية، واستبدال عقائد المؤسسات العسكرية والأمنية لضمان ولاءها ودعمها وحمايتها للنظام “الديني” في حالة تكوّنه وقيامه طبعا، وهنا لا ننكر أو نثبت “نوايا” أي فريق سياسي يصل للسلطة، على أن نعتمد على الظاهر من العمل السياسي والأهداف الموضوعة لتنفيذها.

    بعيدا عن الوقوف على تجربة “الأخوان” في مصر، وتجاهلا للمقاربات الساذجة جدا التي تُشبه “أخوان” مصر بأخوان تركيا، وكذلك تجنبا للخوض في نوايا أي فصيل أو تيّار أو حزب إسلامي مهما كان مذهبه أو قاعدته العقائدية التي يستمد منها سياسته ومنهجه وإيديلوجيته، يبقى هناك حق “أصيل” لأي فصيل مجتمعي مهما اختلفنا معه، ليتواجد في العمل السياسي طالما امتلك “القاعدة الجماهيرية” المشرعة لهذا الوجود والملزمة لهذا التمثيل. بالتالي؛ فإن أيّ تبرير أو تفسير مرفوض، طالما صوّر  هذا التواجد على أنه مقدمة لأهداف خفية الغاية منها بسط سيطرة الحكم الإسلامي وإعادة مشروع دولة الخلافة، وإقصاء الآخر من المشهد السياسي ليس الذي يختلف معهم في الدين فقط،بل وكذلك في المذهب والإيديلوجية.

    الليبرالية تعتبر حرية الرأي والتعبير والحرية السياسية وإنشاء الأحزاب والحرية الاقتصادية وحق تقرير المصير واختيار الدين وحق العبادة…إلخ، من دعائمها الأساسية التي تدعو الناس لها وإليها، ولكنها اليوم مع العديد من مدّعيها؛ أصبحت هذه المفاهيم مطاطة، تستخدم غاية الوصول بها لقصر “السلاطين” لا غير، فمثلا بعض الأحزاب التي تدعي الليبرالية في مصر، لعبت دورا كبيرا في الإطاحة برئيس شرعي منتخب مثل محمد مرسي -لا زال عمرو حمزاوي يدافع عن حق الأخوان في التمثيل السياسي وعدم إقصاءهم أو استخدام القوّة ضدهم وهو يعتبر ليبرالي كذلك-، بعدما أثبتت أنها فاشلة في الشارع ولم تستطع استقطاب ما يلزم من المؤيدين لها من المجتمع، ورغم أن سلاح “الدين” لعب دورا هاما في إقصاء الليبراليين من العمل السياسي، إلا أنه وبالعودة إلى انتخابات مصر في مايو 2012، يجد أن الليبراليين والشيوعيين وغيرهم، منقسمين على أنفسهم، ولم ينجحوا في الاصطفاف خلف مرشح واحد، رغم أن شرارة الثورة انطلقت في أساسها من حزب مقارب وصفا لــ “الليبرالية” مثل 6 إبريل، وشخصيات تنتهج في أسلوبها الحياتي والفكري الليبرالية، مثل “وائل غنيم”.

    واليوم، حيث أن المؤسسة العسكرية هي المتفنذ الوحيد للقرار السياسي في مصر، أصبح الليبراليون أكبر المشرعين للقرار السياسي لها والمبررين لأي عمل دكتاتوري أو أمني -مثل حزبي المصريين الأحرار والوفد-،بحجة الأمن والأمان ومكافحة الإرهاب وما إلى ذلك، أضف إلى ذلك؛ مدى تواجد الليبراليون الدائم إلى جانب السلطة وفي فترات سابقة ومختلفة، ليس في مصر بل يكاد في كافة أقطار الوطن العربي، فحتى في دول الخليج مثلا، في الكويت والسعودية تجد أن عددا من الليبراليين قريبين من السلطة، ودائما ما يعملون على التهويل من خطر “الإسلاميين” والمطالبة دائما بإقصائهم من العمل السياسي، وفي نفس الوقت، لا يوجد أي برنامج اجتماعي لهم على أرض الواقع من أجل تنمية الوعي المجتمعي حول مفاهيم الليبرالية وأهميتها في حفظ سلامة المجتمعات المتعددة والمتنوعة، لما تتضمنه الليبرالية من مفاهيم ونظريات تعين على التعاون والانسجام لكافة الأطياف والأديان والمذاهب.

وفيما يبدو، أن أغلبية الليبراليين العرب، أو من يصفون أنفسهم بذلك، يدعون الليبرالية فقط للتخلص من القيود الدينية أو المجتمعية، فانحصر المفهوم لديهم في المظهر لا الجوهر، لذلك عادة ما تجد بعضهم أكثر الناس تشددا اتجاه رأيهم وأكثر الناس إقصاء للفكر الآخر وأكثر الناس التفافا حول السلطة الحاكمة!!!. وهذه نتيجة طبيعية لأي قلّة في المجتمع تختلف عن غيرها الفكر المجتمعي والسياسي، ولكنه ليس بطبيعي أن يكون مدعيّ الليبرالية أبعد ما يكون عن الليبرالية ومفاهيمها العملية،بل والأخطر أنهم يدعمون أي احتكار اقتصادي لفئات معينة في المجتمع بنظريات ليبرالية فقط من أجل تبرير هذه الاحتكار وتوسيع نطاقه.
الليبرالية ليست مطية يركبها من يشاء وقت يشاء ويوّجهها كيفما يشاء، وآن لمدعي “الليبرالية” العربية سواء في لبنان أو مصر أو الخليج العربي، إلى مراجعة نقدية صريحة وشفافة لتجربتهم، وتوحيد أفكارهم وتجهيز خطط عمل توعوية بعيدا عن أيّة مكاسب سياسية أو اقتصادية، وإلا استمرّ الأمر على ما هو عليه حتى يأتي زمن تصبح فيه الليبرالية عار، وإشارة على أي خائن أو انتهازي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s