الـــ "ملح" الذي أذاب قناع نفاقنا!


    وأنت تسمع عن “التسامح” في نشرات الأخبار وتقرأه عنه في الصحف اليومية، وتمرّ عليه كملصقات في الفيس بوك، أو كــ “هاشتاق” في تويتر، أمرين اثنين تتيقن منهما: إما أن هذا الشعب هو “أصل” التسامح، ويتعامل على نقل هذا الأصل كــ فرع من فروع “خيره” و “ميزته” إلى باقي شعوب العالم، التي لا تعرف عن هذا الخير شيئا ولم يميزها الله بما ميّز هذا الشعب. ثانيا، أن هذا الشعب في الباطن فاقدا للشيء، فيعمل في الظاهر على امتلاكه اتباعا للقول الشائع: إن لم تمتلكه فتظاهر أنك قد امتلكته!.
    تناقل العديد من المواطنين عبر وسائل الإعلام المختلفة مقتطفات وعبارات من مجموعة قصصية تعود للكاتبة العمانية الشابة “بدرية الإسماعيلي”، والتي صدر كتابها بدعم من مجلس البحث العلمي، والنادي الثقافي، ضمن مجموعة أخرى من الكتّاب والكاتبات. وتداول هذه المقاطع في حدّ ذاته مريب، من عدة جوانب، بسبب: قضية مقتل “عماد السيفي”، وكذلك قضايا الفساد التي لا زال المجتمع ينتظر الصورة الكاملة لها بدل الأجزاء الهزيلة التي “تقدمها” السلطة كقرابين لذرّ الغبار على العيون. خاصة مع سرعة طرح الموضوع وسرعة التفاعل معه، وهنا سأتناول النقد للكتاب لا نقد الكتاب الذي اطلعت على نصوصه منذ زمن كنصوص فردية.
    الملاحظ في النقد المثار أمرين:
1- معظم الذين أثاروا الضجة حول الموضوع ولا زالوا يثيرونها، لم  يقرأوا المجموعة، بل الصفحتين اللتين تم تداولهما عبر تطبيقات الهواتف النقالة ومواقع التواصل الاجتماعي، لدرجة أن بعضهم ولـــ “شراسته” الأخلاقية التي ظهرت فجأة، يرد ويقول: لا حاجة لنا لقراءة هذا العهر الأدبي، يكفي ما قرأناه ووصل إلينا!! مع الخلط المريب الذي أوضح مصداقية عدام الإطلاع، لعدم معرفتهم هل النص ينتمي لمجموعة قصصية أم إلى رواية، وهو ما أجاب عليه أحدهم: لا يهم إن كانت رواية أم مجموعة، المهم أنه أدب عاهر!.
2- العديد من مدّعي الفضيلة، والذين وللأسف لطالما حاضروا الناس في التسامح والأخلاق وأداب الحوار وعدم هتك أعراض المسلم…إلخ، ظهروا عبر حساباتهم الشخصية وهم يستخدمون مصطلحات، فيها إهانة للكاتب قبل الكتاب، ولا يفصلهم عن قول كلمة “عاهرة” للكاتبة غير خوفهم من القذف العلني بحق الكاتبة،وبالتالي التداعيات الأمنية لذلك.
    لو كان “عُشر” هذه الحملة، قامت ضد الفساد، والمطالبة بالكشف والعلن للمحاكمات السرية، ووقف انتهاك حقوق المواطن،وإيجاد قانون لا يفرق بين كبير وصغير في المجتمع، ماذا سيكون الحال عليه اليوم يا ترى…؟؟

يا ترى لو هذه الضجة حدثت ووظفت من أجل قضية “الراحل” عماد السيفي، مالنتيجة التي كانت ستكون عليه؟.

لو وظفت هذه الضجة في وقف مهزلة “جمعية الصحفيين” مثلا، أو في وقف مهزلة “اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان”، ما النتيجة التي ستكون عليه يا ترى؟.
    العام المنصرم، حدثت مظاهرات أمام”دار الأوبرا”، يومها ظهر عدد من المثقفين الذين ينددون ويستنكرون، هذه المظاهرات، متناسين حق الإنسان مهما كان انتماءه في التعبير عن رأيه، واليوم دعاة الفضيلة حرّاس أخلاق المجتمع ينددون ويستنكرون ضد كتاب تم الترويج له من قبلهم أنفسهم، والفرق بين الفريقين، أن الفريق الثاني كان حريّا به أن يكون أكثر مراعاة “لسلامة” صاحب الشأن، لا أن يسهموا أن يجعلوه “علكة” في فم المجتمع، ويسهموا إلى تشويه صورته والتهديد بــ سلامته في حالة ظهوره العام بعد هذه الحادثة، أليس هذه صفة من صفات “التسامح” كذلك، وخلق حميد من أخلاق العمانيين التي قال عنها الرسول الكريم “لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك”، إذاً، هذا السب والشتم المتداول الآن، هل يقف خلفه مواطنون ليسوا بمواطنين!!!
    من العار، أن تسهم شخصيات عامة في تأجيج هذا الأمر، بل وبلغ بأحدهم الأمر أن يستغل “الصفحات والمواقع العامة” المتاحة تحت تصرفه، للترويج لهذا الأمر.
    أيها السادة، اقتلعوا “الستلايت” من أسطح منازلكم، امنعوا مادة “الأحياء” من مناهج الدراسة، ابحثوا في كتب الأدب جميعها التراثية منها والمعاصرة، واقتطعوا منها ما شئتم من المقاطع التي لا تتناسب “والحياء العام لكم”، وادخلوا إلى كتب “أحمد الخليلي” واقتطعوا أي فتوى تتعلق بالنكاح وممارسة الجنس ووصفه بين الزوجين، أليست “الفتوى” في هذه الأمور إذا قرأها العامة، من فوق الــ 18 ومن تحت الــ 18 يعتبر كذلك خدشا للحياء!!! ولكن، لا تنسوا أن الأدب ليس “دليل” أخلاق للمجتمع، وليس “كتيبا إرشاديا” لطريقة تفعيل الفضيلة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s