مسيرة الإصلاح في السعودية: الانطلاق من الايديلوجيا نحو المشروع (زانة الشهري)


 

مسيرة الإصلاح في السعودية: الانطلاق من الايديلوجيا نحو المشروع

بقلم: زانة الشهري / كاتبة من السعودية

http://alasr.ws/articles/view/14896

الحراك الشعبي في أي بلد شمولي وتحت نظام قمعي يمر بمراحل مختلفة، تبدأ مبعثرة ومحدودة ثم تنمو شيئاً فشيئاً حتى تصل لمرحلة النضج الكامل الذي يحدث تغييراً فعلياً على أرض الواقع.

لكن جوهر هذا الانتقال الحركي من المحدودية للشمولية ومن الشتات إلى التكامل يصنعه الاصطلاحيون الذين يقودون الحراك الشعبي في أغلب الأحيان ويرفدونه فكرياً.

لذا تعمل الأنظمة القمعية على بثَ وإشاعة حالة من الشتات والتشرذم  بين الايديولوجيات المختلفة عوضا عن التصدي المباشر للنشاط الإصلاحي، ذلك أن التشرذم كفيل بالقضاء على أي مشروع إصلاحي تتبناه ايديلوجيا معينة، فالايديولوجيا المخالفة أو المضادة ستتكفل بمهمة القضاء على هذا المشروع على أكمل وجه.

وفي الحالة السعودية نجحت السلطة في رعاية ايديلوجيات مختلفة، وحرصت على أن تبقى كل منها دائرة مغلقة على نفسها ترفض الالتقاء مع  الدوائر المحيطة بها، فأصبح النشاط الإصلاحي ممزقا كجزر منفصلة.

فالصراع الإسلامي الليبرالي لا يزال قائماً منذ قيام الدولة ولا يزال كل فريق “يؤدلج” مشاريعه الإصلاحية ويقدمها في قالب يهدف إلى فرض الخلفية الفكرية الخاصة به، فيقابل بالرفض قبل أن يرى النور. ومع ولادة أي ايديلوجيا جديدة تولد معها مشاريعها المؤدلجة!

وقد وقعت معظم التيارات الفكرية في هذا الفخ ولا تزال. فمنذ الحركة العمالية في الخمسينات والمشروع يقدم في قالب ايديلوجي يوحي بأن المشروع فئوي لا يستوعب إلا من صاغه وقدمه، أو غير ناضج سياسياً إلى المستوى الذي يجعله مقنعاً ومقبولاً لدى شرائح واسعة من خارج إطاره.

لذا لم تتجه الدولة لمحاربة التيارات الفكرية بل قامت برعايتها بطريقة مزدوجة، فالدولة الإسلامية هي ذاتها الدولة الليبرالية لكن بأدوات مادية وبشرية مختلفة. فبرعاية الدولة تمت أسلمة جزء كبير من المناهج المدرسية ولبرلة جزء أكبر من الخطاب الإعلامي على سبيل المثال!

فلا يجد الطالب الذي يتعلم في المدرسة حرمة الغناء مبرراً مقنعاً للأغاني التي تعرض في التلفزيون أو الإذاعة الرسمية التابعة للدولة!! ولا يجد أثرا للأحاديث التي ترد في مواد التربية الإسلامية حول حرمة الربا في واقع التعاملات البنكية!!

إلا أن الدولة تتعامل بقسوة مع التيار الفكري إذا تبنى مشروعا يطالب بإصلاحات جذرية من الأعلى، ذلك أن حراكاً من هذا النوع قد يفتح أفق للمشروع الموحد الذي يستقطب التيارات الأخرى، وهو ما يمكن أن يصنع تغييراً وتأثيراً عميقا يمتد ليلامس الحراك على أرض الواقع.

فهل فطن إصلاحيو السعودية لذلك؟!

يبدو أن بوادر تفهم الإصلاحيين لهذه الحقيقة برزت في مطلع الألفية الجديدة عندما بدأت مجموعة من الإصلاحيين من تيارات مختلفة بتبني مشاريع مشتركة، حيث وقع على عريضة “الإصلاح الدستوري أولا” العديد من الإصلاحيين من ايديلوجيات مختلفة، ما شكل صفعة قوية للحكومة السعودية حاولت الرد عليها بأحكام قاسية، كان أقلها السجن لمدة ست سنوات.

واستمرت فيما بعد حالة النضج الجزئي في الحراك الإصلاحي وأثمرت عدة بيانات وخطابات أخرى مختلفة، وانتهت بولادة جمعية حقوقية سياسية عرفت باسم حسم.

جمعت “حسم” تيارات فكرية مختلفة نحو هدف موحد وهو المشروع الإصلاحي الأكبر المتمثل في التحول للملكية الدستورية وفصل السلطات ومحاربة الفساد، وهو سقف تجتمع عنده كل المشاريع الإصلاحية قاطبة أو تتفق مع جزء كبير منه.

ورغم التغلب الواضح للايديلوجيا الإسلامية في خطاب “حسم”، إلا أن ذلك لا يمثل مشكلة لمنتسبي حسم من التيارات الفكرية الأخرى الذين أدركوا أن هذه اللغة هي الأقدر على مجابهة نظام قضائي يدعي تطبيق الشريعة الإسلامية، كما أن هذه اللغة تستطيع إقناع المجتمع والوصول إليه.

ورغم نجاح حالة “حسم”، إلا أن انتكاسة واضحة في مسار انطلاق الإصلاح من الايديلوجيا نحو المشروع قد بدت ملامحها، فلا يوجد إلى الآن، رغم تشعب الايديلوجيات الفكرية أكثر من السابق، أي مشروع حقيقي يمكن أن يشار إليه، بل إن التيارات الفكرية عادت للتقوقع حول نفسها.

فمعظم التيارات الآن عادت لنقطة الصفر، فهي إما انعزلت عن الحراك السياسي بالكلية، أو كفرت بفكرة الإصلاح وتبنت الفكر الثوري، أو أصبحت تيارات تنظيرية تبني مشاريع إصلاحية على الورق أبعد ما تكون عن التطبيق في الواقع.

ولعل أبرز أسباب هذه الانتكاسة هو شدة القمع وقسوة الأحكام الصادرة ضد أعضاء حسم وغيرهم من الناشطين و”شرعنة” ذلك من خلال إصدار قوانين مطاطة قادرة على استيعاب النضال السلمي ضمن دائرة الجرائم الإرهابية الموجبة للعقوبة.

كما كان للثورات المضادة للربيع العربي والدور الجوهري الذي لعبته الحكومة السعودية فيها أكبر الأثر في غياب المشروع الموحد.

وظهر جلياً في ثنايا أحداث ما بعد الربيع العربي طيش فكري لدى العديد من التيارات التي تطالب بالديمقراطية في الداخل وتؤيد الدور السعودي في القضاء على الديمقراطيات الوليدة في دول الربيع العربي، ويبدو أن بعضاً منها أحس بالحرج من هذه الازدواجية ففضل الانسحاب من المشهد الإصلاحي.

غير أن هناك أسبابا أخرى لا يجب أن نغفلها تلعب دورا هاماً في غياب المشروع الموحد، من أهمها غلبة الايديلوجيا على الهدف، فالهدف يصنع من وإلى الايديلوجيا لا المشروع.

فهدف الإسلامي هو التغيير باتجاه حكم إسلامي وهدف الليبرالي هو التغيير لصالح حكم ليبرالي دون الهدف الأسمى، وهو إحداث التغيير بذاته المتمثل في التحول السلس نحو الديمقراطية وتغليب المصلحة الوطنية على الولاء للإيديولوجيا.

وللأسف، فقد عادت التيارات لحالة التقوقع الايديلوجي مغفلةً دور الديمقراطية، إن تحققت، في استيعاب التيارات الفكرية المختلفة والسماح بالتنوع الفكري أكثر من الأنظمة الشمولية، وهذا على عكس السائد، بما يخدم ولا يضر التنوع الايديلوجي.

كما إن الاعتداد بالفكر الخاص بتيار ما من أهم أسباب الانتكاسة، فكل ايديلوجيا تجزم بالكمال المطلق لطرحها بل تسفه ما سواه، وتدعي أنها تملك مفتاح الخلاص واكسير الحياة للمشروع الإصلاحي الذي تقتله هذه الادعاءات في مهده.

فلا يمكن الجزم بصحة مشروع ما إلا إذا تم تطبيقه على الأرض، ولا يمكن بالمقابل تطبيقه إلا بتبني المشروع الموحد الذي يحقق الديمقراطية القادرة بلا شك على تشكيل أرضية لتجربة الفكرة الايديلوجية.

وما يحدث للأسف هو جدال عقيم حول قوالب المشروع لا ذات المشروع، وإصرار أجوف على الأحقية والأفضلية بل الفوقية في أحيانٍ كثيرة.

ويبقى الحل الجذري الوحيد لخروج هذه الجماعات من قمقم الايديلوجيا إلى رحاب المشروع الوطني الكبير هو الوعي بأهمية المشروع الذي سيحمي حتما جميع التيارات ثم التجربة الواقعية الجادة، فالوعي بدور الديمقراطية في حماية التيارات الفكرية كفيل بحل هذا الإشكال جذرياً، فلُب المشكلة عند بعض التيارات هو ما تتيحه الديمقراطية من وصول تيارات (مخالفة) للسلطة، وهذا يدل على أن البعض إنما يطالب بديمقراطية تتيح له الوصول فقط وترفض ما سواه!

عندما يعي الإصلاحيون أن الديمقراطية وعاء يستوعب الجميع، فستنصهر أثرة الايديلوجيا في خضم المصلحة العامة والحلم الإصلاحي الأكبر.

كما أن صناعة المشاريع الإصلاحية المشتركة أحد أهم وسائل الخروج من هذه الأزمة، فمشروع واحد لا يكفي بل إن تتابع المشاريع الإصلاحية المشتركة وجني ثمارها، حلوةً كانت أم مرة، هو السبيل الوحيد للتغيير.

فالتغيير ليس معجزة تحدث صدفةً بل هو إرادة شعبية تفرض التحولات. فكل مشروع سيكون درساً عملياً يتعلم منه الإصلاحيون، فيصنعون من أخطاء الماضي ممكنات الحاضر، ثم يصوغون، بعد توالي التجارب، مشروعاً جباراً تبنيه إرادة إصلاحية وطنية مخلصة محت بقوتها آثار الاستبداد وخرجت باتحادها من دهاليز الظلم.

التعليقات

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s