العبودية وقود الطغيان……. مقال لـــ خالد المعولي.


 

عندما تم انتزاع روح القذافي بالطريقة الوحشية التي رءاها كل العالم وارتسام الفرحة على وجوه العديد من الليبيين واصطفافهم في طابور طويل ينتظرون دورهم في التقاط صور بجانب جثة عارية هامدة تتخللها طعنات السكاكين موزعة عليها وبعض ثقوب المسدس على الرأس.. رجعت بعدها زمنيا للخلف لمشاهدة بعض لقطات الفيديو للرئيس القذافي المضحكة والمثيرة للسخرية ومن ضمنها وهو يشرح بطريقة تدل على الغباء والاستخفاف لمعنى الديمقراطية وعندها راودني تساؤلين: لماذا تصرف الليبيون بهذه الوحشية في معاملة جثة هامدة كانت يوما ما تحكمهم وكانوا يوما ما يهللون ويسبحون بحمدها؟ لماذا حكم رئيس كالقذافي الشعب الليبي؟ هذا الشعب الذي قاوم يوما الغزاة الايطاليين، لماذا حكمهم رجل يضحك لكلامه الصغير والكبير؟

ينطبق هذا بالطبع على جميع الحكام الديكتاتوريين في العالم وخاصة العالم العربي.. كيف يستطيع حاكم في معظم الأحيان لا يتصف بذكاء ولا قوة ولا كاريزما السيطرة على ملايين من البشر ووضعهم تحت قدمه؟ كيف يتقبل ملايين من البشر أن يكونوا عبيدا لرجل واحد فقط؟

يخبرنا أفلاطون في جمهوريته الفاضلة أثناء شرحه لآلية انتقال الأوليجارشية للديمقراطية أنه عندما ينكسر حاجز الخوف لدى الرجل الفقير ويثور ضد استبداد الطبقة الحاكمة ويتواجهان وجها لوجه تحت أشعة الشمس اللافحة. الرجل الفقير بثيابه الرثة وجسده الخشن في مواجهة الرجل الغني الممتلئ الجسم والمتعرق بلهاثه. رجل ضد رجل. سيفكر الرجل الفقير ويتسائل: هل هذا من كان يتحكم بحياتي؟ هذا الجسم الطري الضعيف؟ ويثور بعدها غضبا على جبنه وخوفه السابق ويندب سنوات المهانة التي عاشها

نهر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مخاطبا عمرو بن العاص بقوله: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟؟

من هنا نستنتج درسين: الأول أن الناس تولد أحرار. كل شخص يأتي الى هذه الحياة حرا. والثاني أن الناس تستعبد غيرها. أي أنهم ينتزعون الحرية من الاخرين ليصبحوا عبيدا لهم. ولكن كيف يصبح الناس عبيدا؟ كيف تصبح أرواح البعض ملكا للآخرين؟ كيف تصبح الأغلبية مجرد أدوات لحفنة من نظرائهم من البشر؟

في مقاله المنشور قبل حوالي 500 عام والمعنون ب:العبودية الطوعية،أكد الفيلسوف الفرنسي لابواسيه ما قاله الخليفة عمر وهو أن الإنسان بطبعه حر وضرب مثلا أننا لو أتينا بأطفال وفصلناهم عن العالم الخارجي بهم وبعدها بسنوات أتيناهم وسألناهم إذا ما يريدون أن يكونوا عبيدا لغيرهم أم أحرار في تصرفهم وفكرهم فالإجابة بالطبع ستكون أنهم يفضلون حرية التصرف والفكر عوضا عن العبودية لأقرانهم

كما ذكر أنه بما أن الإنسان يولد حرا فالعبودية تكون بدايتها ثلاثة أشكال: أولها هي استخدام القوة فيقمع الحاكم الجديد الشعب بالقوة المفرطة حتى لا يقوموا عليه وبذلك يكون استعبادهم ضرورة لطاعته وهذا يكون غالبا بعد احتلال أرض بشعبها. والثانية عبودية وراثية وهي أن الحاكم يرث الملك من عائلته وهنا يكون الشعب تم ترويضه مسبقا ورضخ للعبودية فيكون الوريث الجديد ورث الأرض وما عليها وهنا يعامل الشعب كعبيد لأنهم في رأيه عبيد وهو أي الحاكم قد رضع من حليب الاستبداد. والثالث وهو أن يكون الحاكم شخصا من الشعب تم اختياره منهم وبمباركتهم ليقوم بأمورهم وغالبا ما يتكون هذا الحاكم من رحم الحروب ويبدأ أولا منقذا للشعب ومدافعا عن حقوقهم حتى يوكله الشعب كل صغيرة وكبيرة ومع الأيام يكسب الحاكم الجديد ثقة عمياء بقدرته وبضعف شعبه حتى يبدأ يتسلط عليهم ويستعبدهم وغالبا ما يكون هذا بمساعدة الشعب نفسه ولو بطريقة غير مباشرة وهنا لننظر الى حكام ليبيا ومصر وتونس وكيف أصبحوا رؤساء في جمهورياتهم الملكية وكيف أصبحوا بعدها وكيف انتهوا

غالبا ما يستخدم الحكام أدوات ترويضية للشعب حتى يستعبدهم أو يواصل استعبادهم وأستطيع أن أدرج هنا ثلاثة أسباب تساهم في جعل الناس عبيدا لغيرهم بشكل عام وللحكام المستبدين بشكل خاص:

أولها: وهي لجوء الحكام لأشخاص يقومون بدور تخدير وتطويع الشعب للعبودية مستخدمين أدوات دينية، ثقافية، سياسية، خرافية الخ

وقد ذكر سماحة الشيخ أحمد الخليلي في كتابه الاستبداد كيف استخدم الطغاة علماء الدين لتطويع الناس للعبودية وتقبلها وما أروع وأبلغ القصة التي ذكرها في افتتاحية كتابه وهي قصة المواطن في عصر الفرعون الظالم وأنه وبالرغم من أنه شهد ظلمه على يد “الاله البشري” الا انه القى اللوم على نفسه بعد سماع خطبة الكاهن في محاسن الفرعون المتوفي.. وكيف استخدم علماء الدين المحسوبين على الإسلام هذه الطريقة لتطويع الملايين من المسلمين لعبودية الطغاة داعين الى واجب إطاعة “ولي الأمر” المطلقة والعمياء وإن سرق مالك وإن جلد ظهرك الصورة المختصرة هي أنه لو فرضنا أن تحت الحاكم عشرة أشخاص يسيطر عليهم هؤلاء العشرة أشخاص يكون تحتهم مئة شخص يسيطرون عليهم وبالتالي المئة يسيطرون على ألف والألف على مئة ألف وبذلك نمر من قمة الهرم حتى قاعه بنفس الطريقة لنصل الى المعنى الحقيقي وهو أن قمة هذا الهرم يسيطر على كامل الهرم حتى قاعه مهما بلغ عدده

هؤلاء المنتفعين من قمة الهرم يقومون بعمل الخنزير سكويلر في رواية مزرعة الحيوان لجورج اورويل وهي استغلال جهل العامة وثقتهم في هذا الشخص ليغسلوا عقولهم ويطوعوا أجسادهم محركين عواطفهم ليكونوا أداة تخدم مصالح قمة الهرم والتي بالطبع بقائها يعني بقاء هذه الطبقة ذاتها

الثانية: هي استخدام الحاكم حيل خرافية للسيطرة على عقول الشعب وإعطاء هالة كبيرة عن الحاكم يوحي بأنه شخص غير عادي، شخص فوق البشر بل إنه ليس من البشر انه اله أو شبه اله وهذا ما فعله الرومان و الفراعنة القدامى بنسب أنفسهم للإلوهية وأنهم يمرون والنار على رؤوسهم أو تصاحبهم القطط السوداء وهنا يصاحب هذه الطريقة استخفاف بعقول البشر وطبعا كل ما تم الاستخفاف بعقل من يؤمن بعبوديته كل ما زادت طاعة هذا العبد باختياره طاغيته كما أخبرنا الله تعالى بقوله: فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين

  • يساعد هذا الوضع جهل الناس ورغبتهم في تصديق الأمر. فينسبون عجزهم عن مقاومة هذا الطاغية بأنه شيء خارج عن ارادتهم لان الله أراد لهم ذلك.. لان طاغيتهم اله وقد يهللون لهذا العذر ويبدؤون بتصديقه بل ويقسمون على صحته ويبدؤون باختلاق الخرافات والأساطير حول قوة وكرامة بل معجزات طاغيتهم وكل ما عظم هذا الطاغية في عقولهم وقلوبهم كلما صغروا وتفهوا في عقولهم وعقل طاغيتهم فالعلاقة طرديه

    في رواية “قلب الظلام” لجوزيف كورنارد في وصفه الإستعمار البلجيكي لأجزاء من القارة الإفريقية واستعباد الرجل الأبيض للرجل الأسود هناك، وصف الكاتب كيف أنه عندما توفي أحد الأشخاص البيض ووجدت القبيلة الإفريقية جثته هامدة، اعلنت حالة النفير العام. كيف يموت الرجل الأبيض؟ فالرجل الأبيض لا يموت فهو من الالهة فاستنتجت القبيلة بعقلها البدائي المروض على العبودية بأن الله سينتقم من هذه القرية وأن هذا نذير شؤم وأنه عليهم مغادرة القرية في أسرع وقت ممكن للنجاة بأرواحهم قبل أن ينزل عليهم غضب الرب

    الثالثة: وهي خضوع الطرف الاخر للعبودية وتقبله لها. في بعض الأحيان أتسائل لماذا تكون أسماء ما كانوا يعتبرونهم في السلطنة “خداما” تافهة مقارنة بأسماء ما يسمون “العرب أو العرابة بشد الراء” أسماء مثل سحلوف وجعروف وغيرها من التي تقلل من قيمة الشخص حامل الاسم بينما في المقابل نجد أسماء الذين يقابلونهم في المكانة الاجتماعية ما يدل على عكس ذلك كسلطان، عزيز وغيرها من الأسماء. هل اختارت الفئة المستعبدة أسماء أبناءها أم أنها أرغمت على ذلك؟ إذا اختارتها بنفسها فهذا يعني أنهم مؤمنون بعبوديتهم وتفاهتهم في المجتمع ولا ضير في ذلك عندهم.. أما إذا تم إرغامهم على ذلك فهذا يأخذنا الى أحد أشكال بدايات الاستعباد التي ذكرتها مسبقا ولكن لنكن واقعيين، ألا يوجد ولفترة قريبة من يتفاخر بأنهم خدام فلان أو علان خدام الشيخ الفلاني أو القبيلة العلانية؟؟ ألا يوجد بعضهم من يخضعون رؤوسهم لتقبيل أيادي لم يتجاوز صاحبها العشر سنوات؟ لقد شهد على ذلك سمعي وبصري للأسف

    يقول لابواسيه قد تجد أناسا وصلت فيهم درجة العبودية أنك تعتقد أنهم لم يخسروا حريتهم بل ربحوا عبوديتهم. لننظر كيف تخضع الرؤوس العربية لتقبيل أيادي وأرجل طغاة مستبدين لو واجههم من يقبلهم في أرض قاحلة شخص لشخص لبصق في وجههم ولو رأى هذا المستعبد الطاغية وحيدا بلا حيلة لربما تفنن في تعذيبه وتحول العبد الى طاغية والطاغية الى عبد

    ما يذهلني تماما هو أن جدار الفصل العنصري الذي أقامه الكيان الصهيوني ساهمت في بناءه أيادي فلسطينية. هل يعقل أن يبني إنسان حر زنزانته بيده؟ هل يعقل أن يقوم فلسطيني ببناء بيت لصهيوني على أرض ربما كانت يوما ما بيتا لجده هدمه الإحتلال كيف يمكن لإنسان أن يصنع السوط لجلاده؟!

    بينما يوجد أشخاص يمهدون الطريق لعبوديتهم، يوجد في المقابل أشخاص يولدون أحرارا ويعيشون أحرارا ويموتون أحرارا. فرقابهم لا تطيق طوق العبودية عليها فتجدها تنتفض على هذا الطوق وتقطعه اربا.

  •  

    إن مساندة الطاغية لا يعود بالويل على شعبه فقط بل على شعوب أخرى قرر حكامها الوقوف جنبا الى جنب في صف الطاغية فالطاغية لا حليف له. وأوضح مثال على هذا أنه أثناء الحرب العالمية الثانية وبعد توقيع الاتحاد السوفيتي اتفاقية عدم اعتداء مع الطاغية النازي ادولف هتلر، صرح رئيس الوزراء السوفيتي فايتسلاف مولوتوف مهنئا طاغية ألمانيا بقوله: إن القيادة السوفيتية تبعث بأحر التهاني إلى ألمانيا وذلك لنجاحها في حملاتها، إن الدبابات الألمانية التي غزت شمال فرنسا كانت معبأة بالبنزين السوفياتي، وإن القاذفات الألمانية التي سحقت روتردام كانت مليئة باليروكسلين السوفياتي، إن الرصاص الذي قتل الجنود البريطانيين، كان بارودا سوفياتيا.” ليعود بعدها هتلر ليغزو الاتحاد السوفيتي ويقتل حوالي 28 مليون شخص من شعب الاتحاد السوفيتي

    فالعبودية لا تقتصر على الأشخاص فقط بل تمتد لتشمل دول بأكملها وكذلك الطغيان. كل ما علينا هو مد رقعة الهرم لا غير

    أبسط طريقة للقضاء على الطاغية هو عدم مساندته في شيء. سحب الدعم عنه وعدم طاعته يعريه من كل اسباب القوة التي يملكها ليخر صريعا كالنار التي تأكل بعضها لتختفي عندما لا تجد ما تأكله. فالعبودية هي وقود الطغيان والعبيد هم وقود الطغاة

    في الختام، يقول بنجامين فرانكلين “إن أولئك الذين يتخلون عن حرياتهم الأساسية لشراء بعض من الأمان المؤقت لا يستحقون الحرية ولا الأمان”

 

خالد المعولي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s