كنت يوما “معلما”! (1)


إلى الصديق الذي “فقَدته” العين جسدا، و”فقَده” القلب رفيقا، إلى طلال.

 

          أغرب ما في التعليم، أن تتعامل مع الطالب الذكيّ وكأنه “نابغة” حتى لا يفقد ثقته بنفسه ويفقد ابداعه، وأن تتعامل مع الطالب “العاديّ” وكأنه قادر على فعل ما هو أكثر، حتى تتيح له الفرصة ولو “أملا” ليكون أحسن، ولكن الأجمل حقا، هو أن تكتشف مع مرور الوقت، أن كل التلاميذ بمختلف قدراتهم، مثل الأبناء، لا أفضلية لأحدهم على آخر، وحين تتذكرهم، تتذكرهم جميعا، وحين يهجم عليك الحنين، تحنّ إليهم جميعا!

          يومي الأول في “المنير بن النيّر” في “الأشخرة”  كمعلم، كان يشبه يومي الأول في “عبدالملك بن حميد” بـ جعلان بني بوحسن كطالب للصف الأول، قضيته وأنا في الطابور الصباحي، بالتعرف على المعلمين، وتصنّع الابتسام، وأكثر ما بعث بالراحة داخلي، حين اكتشفت أن مدير المدرسة، هو “معلّم الأحياء” الذي درسني في الصف الثاني ثانوي، وأنّه لا زال يذكرني.

          يومي الأوّل في “المنير” كان يشبه زيارتك لمدينة ما للمرة الأولى، أو تفقدك “لبيتك الجديد” لأول مرة! لذلك، كل التفاصيل، منذ فجر اليوم الأول الذي تأنّقت فيه بما يكفي لمعلم يباشر التدريس في يومه الأوّل، وهو يعلم أنّه لن يستلم راتبا لشهرين أو ربما لــ ثلاثة أشهر، منذ صباح اليوم الأوّل، وأنا أقطع “الطريق” مع أ.إحسان وعلى سيارته الــ “كرسيدا”. منذ اليوم الأول، وقدماي تذرعان فيه مدخل المدرسة، وأنا أحيي “حارسها المهذّب الطيّب” الذي صافحني بحرارة كمن التقى بعزيز له بعد طول غياب، ثم تقديم أ.إحسان الفلسطيني لي لمنسق المدرسة، الذي أخبرنا أن المدير سيكون في مكتبه بعد قليل فور انتهائه من جولته التفقدية للمدرسة. كل تلك التفاصيل عالقة على حبال الذاكرة،وعابقة في روحها.

          رغم مرور 10 أعوام وأشهر على تلك اللحظة الآن، إلا أنني أتذكر فيها تفاصيل كلّ الوجوه، المعلمين والطلاّب ومدير المدرسة والمنسّق، أذكر فيها شعوري وأنا أستلم مفتاح “مختبر الحاسوب” ، المفتاح الذي سيبقى بعهدتي دائما طالما كان العام الدراسي لم ينته،ذلك المختبر الذي تعاملت معه ليس “كغرفة صف” بل كمتب لي، وغرفة لي، وبيت لي. أزيّنه وأرتبه وأنظفه وأهتم بكل جهاز به أن يكون صالحا للاستخدام.

          هل كان عليّ أن أترك التدريس، لأدرك فداحة الخطأ الذي تركت فيه “وجوه” أولئك التلاميذ الممتلئة أعينهم بحب المعرفة واقتحام “مجهول المعرفة”! هل كان عليّ أن أترك التدريس، لأكتشف أنّ ليس هناك في هذا الكون بأكمله، مهنة أنقى وأشرف وأعلى وأجمل وأفضل من التدريس.

          لم أبدأ التدريس مع بداية العام الدراسي، بل في النصف الثاني منه، لذلك، وفي الوقت الذي كان فيه التلاميذ والمعلمين يفكرون في وجهاتهم للصيف المقبل، كنت أبتدأ في كلّ شيء، كتلميذ يحاول تدراك ما فاته من الدروس, ومثلما “دخلت أجواء التدريس” في النصف الثاني من العام الدراسي ذاك، غادرته كذلك في النصف الثاني من العام الدراسي الذي تلاه.. كنت أعتقدني حينها أنني أتسلق “سلما” يقودني لنافذة ضوء أكثر إشراقا، وربما كان الأمر كذلك فعلا، ولكنني.. ليتني ما تسلقت السلم، وبقيت في ذاك “المختبر” أفتح بابه الحديدي كل صباح، لأضويه، وأفتح كل الأجهزة فيه وأتأكد أن لا جهاز به عاطل، وأماطل مدير المدرسة في عدم حضوري لطابور الصباح بحجة انشغالي بتجهيز المختبر للحصة الأولى، أو تهربي من مناوبة “الاستراحة” بحجة رعايتي لأنشطة التلاميذ “التقنية” وقتها.

         

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s