بدايات الحراك المدني الحقوقي في عمان.. كيف قادت القضايا الحقوقية والنقابية الى تأسيس الفريق العماني لحقوق الانسان؟


في الحراك الاحتجاجي الذي شهدته البلاد، لا نستطيع أن ننكر دور مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك والتويتر والمنتديات الإلكترونية، إلى دفع عملية التنظم الميداني للأمام، ولعل البعض يذهب يقينا إلى أن الحدث التونسي هو أساس انطلاق الحراك العربي ككل وليس فقط العماني، إلا أنه في عمان، كان لا بدّ من جرأة للتصريح بتنظيم مظاهرة، وليس فقط الجرأة في النزول للميدان لأجل هذه المظاهرة، أي أن خطوة التنظيم والترتيب نفسها كانت تعتمد على جرأة غير طبيبعية في هذا الشأن.
فاحتجاجات المعلمين ومطالبهم التي سبقت المسيرة الخضراء الأولى، تم تنظيمها عبر مواقع المنتديات الإلكترونية الشهيرة في عمان مثل سبلة عمان والحارة، وعبرها تم الاتفاق على مكان التجمع مثلا وحتى على نوعية المطالب. والمسيرة الخضراء الأولى بدأ منظموها مثل مبارك السيابي بالمناداة إليها عبر المنتديات الإلكترونية كذلك مثل سبلة عمان والحارة، وكذلك عبر انشاء صفحة في الفيس بوك باسم “المسيرة الخضراء” قبل أن يتم اختراق هذه الصفحة من قبل جهات مجهولة. وهكذا كانت بداية الحراك الميداني الاحتجاجي في عمان يتم التنظيم له والترتيب لأجله.
من حراك المعلمين في بداية 2011، إلى المسيرة الخضراء الأولى في 17 يناير2011، وما تلا لاحقا من مظاهرات أججت نار الحراك الاحتجاجي مثلما حدث في مواجهات صحار 26 فبراير 2011، والمظاهرات الحاشدة والاعتصام الحاشد كذلك في صلالة في نفس الوقت. ولعل الذي ساهم إلى الاعتماد على مواقع التوصل الاجتماعي من منتديات إلكترونية والفيس بوك التويتر..إلخ، هو التمويه الإعلامي الذي لا زال إعلام السلطة يقوم به عبر تغييب الحقائق وعدم ايصال صوت المواطن المطالب بالتغيير والإصلاح، وكذلك عدم وجود جهة معينة إعلامية مثلا للتحدث باسم المطالبين بالتغيير والإصلاح.
وهذا ما ولّد الرغبة لدى الكثير من المتظاهرين والمعتصمين لاحقا، إلى انشاء جهة معينة تتحرك بمطالب المواطنين بهدف التغيير، وتكون صلة الوصل بين هؤلاء والمؤسسة الرسمية. وفي اعتصام ساحة الشعب (أمام مجلس الشورى)، تم نقاش مقترح انشاء جمعية التغيير والإصلاح، على أن يكون أعضاء إدارتها نخبة من المتواجدين في اعتصام ساحة الشعب من الكتّاب والأكاديميين والباحثين والخطباء..إلخ. وفعلا تم العمل من قبل مجموعة في ساحة الاعتصام، وتحديدا في إبريل 2011 للتحرك بهذا المقترح، وتقديمه باسم المعتصمين في ساحة الشعب إلى الجهة المختصة وهي وزارة التنمية الاجتماعية، التي بدورها وافقت مبدئيا على الفكرة قبل أن تدخل في مساومات من أجل الموافقة على فكرة انشاء الجمعية مقابل انهاء اعتصام ساحة الشعب أمام مجلس الشورى. وعدم الاتفاق على رأي نهائي في هذا الأمر هو الذي ساهم في التأخير في بت الأمر الى حين تدخلت المؤسسة العسكرية لفض الاعتصامات في كل مناطق السلطنة شهر مايو 2011. إلا أن المطالبين بالجمعية من المعتصمين استمروا في سعيهم لإنشاء الجمعية التي لم توافق وزارة التنمية الاجتماعية لاحقا عليها.
لكن التطوّر الذي برزت أهميته فعلا على المستوى الميداني، فقد ظهر بمظهر ثقافي بحت، وذلك من خلال انشاء مجموعات قامت بتنظيم المحاضرات في مختلف المواضيع. مثلا كان سابقا وقبل الاعتصامات والحركة الاحتجاجية يتواجد صالون القراءة “نور وبصيرة”، والذي أنشأه مجموعة من الشباب المثقف منهم الباحث السياسي سعيد سلطان الهاشمي والكاتب والناقد ناصر صالح الغيلاني. ولكن عمل الصالون تطوّر أكثر بعد المظاهرات، وأصبح يتطرق لكافة المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مثل موازنة الدولة والزواج والمشاركة السياسية والتاريخ العماني السياسي المعاصر..إلخ. ورغم احتجاز الهاشمي والغيلاني في 12 ديسمبر 2012 على خلفية قضية التجمهر، إلا أنّ أنشطة الصالون ما زالت مستمرة.
وبعد حركة الاعتصامات في 2011، ظهرت مجموعة “جسور”، وهي مجموعة شبابية بدت عند بداية ظهورها، حراكا شبابيا مصغرا يتماشى مع الحراك البرلماني (مجلس الشورى). وقد تكونت هذه المجموعة آنذاك من مجموعة من الشباب غير المعروفين والذين لم يكن لهم تواجد في الحراك الاحتجاجي 2011 مثل مالك البلوشي وهلال السعدي وماجدة المعمري. وابتدأت جسور أولى فعالياتها في أكتوبر 2011 بندوة عن صلاحيات مجلس الشورى ودوره في تمثيل الشعب في الحياة السياسية في عمان، وكانت هذه الندوة قبل المرسوم السلطاني الذي منح الصلاحيات لمجلس الشورى في 99/2011.
تلا ظهور جسور، ظهور مجموعة أخرى هي “انتماء” التي أسسها كلا من: مريم العلوي ماجدة المعمري وكاتب هذه السطور، وبدأت فعلا بمحاضرة حول صلاحيات الشورى (بعد صدور المرسوم) في 30 أكتوبر 2011. مع العلم أن كل هذه المجموعات كانت تواجه تجاهلا إعلاميا رغم تواصل القائمين عليها مع الجهات الإعلامية بمختلف أنواعها.وتوقف عمل هذه المجموعات على إثر الاعتقالات التي حدثت في شهر يونيو 2012، خاصة وأن أعضاء المجموعات ومؤسسيها تم استدعاؤهم للتحقيق معهم حول أهداف المجموعات وفكرة عملها…إلخ.
ولكن، يبقى العمل الأبرز للناشطة الحقوقية حبيبة الهنائية، التي رغم المضايقات الأمنية والاعتقال الذي حدث لها في31 مايو 2012 برفقة إسماعيل المقبالي ويعقوب الخروصي، إلا أنها لا زالت تعمل وتباشر الاهتمام بكافة القضايا الحقوقية. وحبيبة الهنائية هي أوّل من جاهر بالعمل الحقوقي في عمان، عبر سلسلة أسمتها بــ “أنين الجدران” وهي التي بدأت فيها عام 2010، عبر اهتمامها بقضايا إنسانية بحتة تتعلق بالمصابين بالأمراض الخبيثة والذين لا يتوفر علاج لهم أو أهملتهم الدولة، وكذلك بالأسر المتعسرة والتي تعيش في حالة يرثى لها. ومن أشهر القضايا التي عملت عليها هي قضية “غضفان” التي تناولت حالات التسمم والأمراض لأطفال منطقة غضفان، المتأثرين بسموم “منطقة صحار الصناعية” والذين لم تهمل الدولة حمايتهم وحسب، بل وتطاولت إلى اخفاء الحقائق والمماطلة ومنع المستشفيات الحكمية من إصدار تقارير في نوعية الأمراض التي أصيبوا بها.
وفي نهاية شهر مايو، وتحديدا في 20 مايو 2012، قامت حبيبة ومجموعة من الناشطين بتشكيل فريق حقوقي أسموه “الفريق العماني لحقوق الإنسان”، الفكرة التي تقدمت بها الناشطة الحقوقية حبيبة الهنائية وطرحتها على مجموعة من الناشطين الذين أصبحوا لاحقا هم أعضاء الفريق وهم: حبيبة الهنائية ويعقوب الخروصي وإسماعيل المقبالي ومختار الهنائي وبدر الجابري. وتلخصت أهداف هذا الفريق في:

نشر ثقافة حقوق الإنسان بين المواطنين،
تنظيم محاضرات وندوات تتناول قضايا حقوق الإنسان،
فتح قنوات تواصل بين الفريق والمجتمع لاستقبال الحالات المستحقة،
التواصل مع الجهات المختصة والعمل بالوسائل المشروعة في معالجة القضايا،
إلقاء الضوء على أبرز المشكلات والقضايا الحقوقية في السلطنة،
تعزيز الحوار بين أطياف المجتمع العماني،
نقل الخبر بمصداقية وحيادية دون تهويل أو تحريض.
وكان التحدي الأكبر لهذا الفريق، هو وجوده كمنافس أو بديل، للجنة الوطنية لحقوق الانسان، والتي تعمل وفق توجيهات وأوامر حكومية. خاصة وأن اللجنة الوطنية تخاذلت عن العمل في الكثير من القضايا الإنسانية، وراوغت في ذكر العديد من القضايا فيما يتعلق بمعتقلي سمائل على إثر أحداث مظاهرات صحار، وخاصة قضية هلال العلوي الذي قام بخياطة فمه وهو في السجن. وتخاذلت اللجنة الوطنية كذلك عن الاطلاع على أحوال سجون مراكز الشرطة، وعن التحقيق في عدد من الحالات الإنسانية مثل قضية “غضفان” المشار اليها أعلاه على سبيل المثال.

الفريق العماني لحقوق الإنسان، دشّن له أعضاؤه من خلال صفحة عبر الفيس بوك، طرحوا من خلالها أهدافهم وفكرة عملهم والمجالات التي تهمهم في المجتمع. وكان أول عمل حقوقي قاموا به هو اعلان تضامنهم مع اضراب عمّال النفط، وتنظيمهم وقفة احتجاجية يوم 28 مايو 2012 في حيّ الوزارات لتأييد مطالب هؤلاء، كما قام الفريق بأول عمل ميداني له يوم 31 مايو 2012، حين ذهب كلا من: حبيبة الهنائي وإسماعيل المقبالي ويعقوب الخروصي، بزيارة لمواقع الاضراب لعمّال النفظ، في أماكن التنقيب عن النفط. ورغم أن الثلاثة لم يقوموا بدخول الأماكن المخصصة لشركات التنقيب، ورغم أنهم كذلك وجدوا أن الاضراب قد انتهى وعادوا أدراجهم، إلا أن عددا من السيارات التابعة للشرطة والأمن الداخلي توّلت عملية مراقبتهم، ومن ثم توقيفهم وهم في طريق عودتهم في “فهود” قبل أن يطلبوا منهم اتباعهم حتى أحد مراكز الشرطة القريبة منهم، ومن هناك تم سوقهم الى معتقلات الأمن الداخلي السرية، واستمر حجزهم ومنع تواصل المحامين معهم، حتى تاريخ 4 يونيو 2012.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s