عمان : بين نار القمع وخدعة الإصلاح


خاص:GDF ( مقال لــــ منتدى حوار الخليج)
الحراك الاحتجاجي والربيع العربي الذي عصف بشتاء الأنظمة الطاغية وصيفها، قلب موازين تسيير الأمور والحكم في البلدان العربية جميعها..وليس فقط في بلدان الربيع العربي، حل الربيع وانتشر أريجه لتطال ريحه عددا من الدول إن لم يصل الموسم نفسه، وهو ما شهدته عددا من الدول العربية التي لا زالت تواجه مخاضا عسيرا في تغيير الأنظمة أو استبدالها أو حتى العملية الإصلاحية المطلوبة في النظام نفسه.
وفي عمان، ومنذ 17 يناير 2011، والبلاد تشهد عددا من التحركات الاحتجاجية بلغت أوجها في فبراير 2011، بعدما انتشر نورها على عدد من مناطق السلطنة (صحار وصلالة وصور ومسقط)، حيث استمر الاعتصامات فيها قبل أن تدخل المؤسسة العسكرية لفضها بطريقة قسرية، وكان آخرها اعتصام مسقط أمام ساحة مجلس الشورى (اعتصام ساحة الشعب)، الذي تم انهاؤه بعد تقبض رجال قوات المهام الخاصة على المعتصمين هناك،بعد أن تم حصارهم أولا من قبل المؤسسة العسكرية وتطويق المنطقة عليهم.
لكن عجلة الإصلاح والمطالبة به لم تتوقف من قبل الناشطين، استمرت المطالبات واستمرّ الناشطون في مراقبتهم لأداء الحكومة ومدى التزام السلطان بالوعود التي أطلقها، ووعود الحكومة نفسها لأجل النهوض بالعملية الإصلاحية ومعاجلة الخلل الذي أصاب المؤسسة الرسمية بالفساد والمحسوبية ومزاجية تطبيق القانون والتجاوزات التي افتعلها العديد من المسؤولين عبر استغلال مناصبهم من أجل مصالحهم الشخصية وتوسيع رقعة أعمالهم!!.
ورغم الصلاحيات التي تم منحها لمجلس الشورى العماني إثر المرسوم السلطاني 99/2011، والانتخابات البلدية التي تم إقرارها عبر المرسوم 116/2011، إلا أن الصلاحيات ودور المجلس البلدي لا يتعدى حدود الاستشارة وليس القرار، أي أن الرلمان العماني (الشورى) لا زال غير قادر على تشريع القوانين ولا إيقاف القواني أو حتى الإضافة عليها، وحتى المحاسبة والمساءلة للوزراء التي أتت على إثر هذه التعديلات، لم يتعدى أثرها مفهوم “المشاغبة البرلمانية” داخل أروقة المجلس، دون أي أثر لتلك لمساءلة لاحقا.
عام 2012،شهد مرحلة من إحياء الحراك الاحتجاجي،ورغم الوقفات الاحتجاجية المتقطعة والقليلة جدا التي شهدتها البلاد بعد مرحلة الاعتصامات، إلا أن اضراب عمّال النفط الذي كان في مايو 2012، وضع السلطة والدولة في أمام خيار قمعي حاولت شرعنته عبر تهم لا أساس لها من الصحة، والحكاية كانت كالتالي:
في إبريل 2012 استيقظ الشعب العماني على فضيحة سرقة الأراضي (قضية أراضي بوشر)، وهي اكتشاف عددا من المسؤولين استولوا على عدد من الأراضي بمساحة شاسعة وواسعة جدا، ورغم أن القضية أثارت سخط الرأي العام، ورغم أنها تم إثارتها من قِبل الإعلام الرسمي التابع للحكومة، إلا أنها دخلت في نفق “السرية” فجأة ولم يُعرف من الفاعل ومن السارق وما هو الحكم عليه أو الاجراءات القانونية التي اتبعت في حقه!!!.
بعدها وفي بداية شهر مايو ظهر تقريرا آخر استكمل لاحقا في نهاية يونيو 2012، يفيد باختلاسات من ميزانية الدولة تصل لمئات املايين من الريالات، واخذت القضية النهج نفسه في “عدم” معرفة الفاعل أو الاجراءات القانونية المتخذة ضده!!!.
ليأتي اضراب عمّال النفط ويهزّ مضجع السلطة الأمنية، خاصة لما يشكله القطاع النفطي من أهمية في الاقتصاد العماني بسبب نسبة الاعتماد عليه التي تصل لــ 85% في الدخل الوطني. في 13 مايو 2012 قام مجموعة من الناشطين الممثلين للفريق العماني لحقوق الإنسان (حبيبة الهنائي وإسماعيل المقبالي ويعقوب الخروصي) بزيارة لمواقع الاضراب لعمّال النفط تضامنا مع العمّال ورغبة في التوثيق الحقوقي في شأنهم، ورغم أن الأماكن التي قصدوها كان الإضراب فيها قد انتهى، وعاد الناشطون دون أن يقوموابأي تحقيق، إلا أن مجموعة من سيارات السلطة الأمنية تعقبتهم وأوقفتهم وطلبت منهم التوجه لأحد مراكز الشرطة التابع للمنطة الوسطى، ومنها تم اقتيادهم أو اختطافهم دون علم أحد بالأمر إلى المعتقلات السرية للأمن الداخلي في محافظة مسقط.
الموضوع الذي أحدث ضجة عبر الناشطين الحقوقين في عمان، وتفاعل معه عدد كبير من الناشطين داخل عمان وخارجها، انتهى يوم 4 يونيو 2012 بخروج حبيبة ويعقوب من المعتقل وتمديد الحبس لــ إسماعيل المقبالي، لتبدأ بعدها حملة شرسة من الاعتقالات ابتدأت يوم 5 يونيو 2012 باستدعاء إسحاق الأغبري وبعدها خلفان البدواوي، وتبعهم نبهان الحنشي وحسن الرقيشي وعلي الحجي وعلي المقبالي وحمود الراشدي حتى يوم 9 يونيو 2012.
يوم 11 يونيو 2012، قامت السلطات باعتقال ناشطين خرجوا في وقفة احتجاجية أمام القسم الخاص بالقرم، يطالبون فيها بالافراج عن المعتقلين أو السماح لهم بالتواصل مع محاميهم والكشف عن أماكن اعتقالهم. قامت السلطات الأمنية بالتقبض على كل من شارك في الوقفة الاحتجاجية وعددهم 26 فردا، ناشطين وكتّاب وصحفي، قبل أن تفرج عن 15 فردا منهم والابقاء على 11، لأسباب غير معلومة حتى كشفها الادعاء العام في أحد جلسات محاكمة الاستئناف يوم 21 نوفمبر، حيث أوضح أن سبب الإفراج عن مجموعة والابقاء على أخرى، أنهم جعلوا الــ15 فردا يوقعوا على تعهد بعدم التجمهر مجددا، وحين سألهم محامي الدفاع عن المتهمين، لماذا لم تعرض التعهد على ال11 الآخرين، أجاب ممثل الادعاء العام أنهم كانوا يعلمون أنهم لن يوقعوا!!!!!.
وعودة لاعتقالات الناشطين والتي استمرت حتى 2 يوليو 2012، كان مجموعة من هؤلاء الناشطين يواجهون في التحقيقات تهمة الانتماء لتنظيمات إرهابية، وحركات فوضوية وفتنوية تسعى إلى نشر الفتنة والخراب وإسقاط النظام الحاكم في عمان، وهو التعبير الذي استخدمه “عميد” من مكتب الأمن السلطاني حينما كان يعرض عن طريق “الباور بوينت Power Point” على مجموعة من القضاة والمحامين وأعضاء مجلسي الدولة والشورى والشيوخ، عرضا يتضمن عددا من العبارات والشتائم التي نسبوها إلى المعتقلين، وقال هذا العميد بالحرف: هؤلاء أصحاب مشروع فتنة وفوضى، ويريدون الخراب للبلد، بدأوا في فبراير 2011 ولن ينتهوا إلا بإسقاط النظام!!!”.
مجموعة من الناشطين الحقوقين،مجموعة من الكتّاب،مجموعة من الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات الإلكترونية،مجموعة من المدونين، أصبحوا متهمين بالانتماء لتنظيمات إرهابية والعمالة لجهات خارجية فقط لمطالبتهم بالإصلاح والكشف عن الفاسدين ومحاسبتهم، مجمموعة من الناشطين طالبوا أن يكون هناك دستورا للبلاد وتعيين رئيسا للوزراء وحكومة كفاءات لا محسوبية وفرض نظام “الذمة المالية” ورفع المستوى التعليمي ليتساوى مع المقاييس العالمية…إلخ، أصبحوا فجأة ينتموا لأجندات خارجية وتنظيمات إرهابية!!.
ولكن ما حدث مع المعتقلين لاحقا في أروقة المحاكم، هو تغيير التهمة من الشروع لقلب نظام الحكم، إلى الإعابة في ذات السلطان! واعتمدت التهمة حينها على مجموعة من العبارات التي كتبها الشباب المعتقل علر المدونات أو مواقع التواصل الاجتماعي، والتي فسرها الادعاء العام العماني والأمن الداخلي على أنها إعابة في ذات السلطان ونيلا من مكانة الدولة بالإضافة لجرائم التقنية التي تتبعهما.
لم تتوقف تجاوزات الدولة وقمعها واستغلال القانون وموّاده حسب مزاج المسؤولين عند هذا الحد، بل تعمدوا كلما صدر حكما بحقّ أحد المعتقلين، لنشر صورهم في كافة وسائل الإعلام المرئي والمقروء، وساهم في ذلك وكالة الأنباء العمانية وتلفزيون عمان، وكلا من الصحف التالية : عمان (حكومية) الوطن والشبيبة (خاصة). حيث تم نشر صور المتهمين مع نبذة تتضمن اسمهم بالكامل وتاريخ ميلادهم ومكان عملهم واسمهم الوظيفي ومكان ميلادهم. الأمر الذي أنكره الإدعاء العام يوم 16/9/2012 في أحد الجلسات المفتوحة التي نظمتها جمعية الكتاب والأدباء العمانية في فندق جولدن توليب، حيث صرّح المتحدث الرسمي باسم الإدعاء العام محمد المرزوقي، أن الإدعاء العام لا علم له بنشر صور المتهمين وأنه لم يأمر بذلك، وأن من حق المتهمين التقدم بدعوى للادعاء والإدعاء سيبت فيها. وحين قام المتهمين فعلا برفع الدعوى لاحقا، تحفظ الإدعاء العام عليها!!!!.
خلاصة الأحداث جميعها، أن الحكومة سعن إلى قمع كل صوت معارض لعملها، وكل صوت يطالبها بكشف الفاسدين والفساد، مستندة في ذلك على أمرين : تهمة الشروع لقلب نظام الحكم، والإعابة في ذات السلطان، التجمهر. ولأن تهمة كبيرة جدا كالأولى، والتي تعتمد عادة على علاقات عسكرية وأمنية وضخ أموال وتحركات مشبوهة وعلاقة بجماعات وأنظمة خارجية، وهو ما لم يتب إثباته على أي من المتهمين، استقرت التهم على الإعابة والتجمهر.
أما الإعابة فهي التهمة التي ألبسوها بحق المعتقلين الذين ادعت السلطات أن اعتقالهم هو بسبب كتاباتهم، والتجمهر ألبست على الذين تم اعتقالهم يوم 11 يونيو 2012 من الوقفة الاحتجاجية أمام القسم الخاص بالقرم. تم الحكم على متهمي الإعابة من قبل القاضي سعيد أمبو سعيدي، الذي تنحى لاحقا على إثر مجريات محاكمة معتقلي التجمهر، ليأتي القاضي يوسف الفليتي جديد العهد على القضاء، ليحكم على بقية المتهمين في الإعابة حتى يوم 9/9/2012 بأحكام تراوحت بين 6 أشهر وسنة وسنة ونصف السنة مع غرامة تراوحت بين 250 ر.ع إلى 1000 ر.ع، قبل أن يحكم على معتقلي التجمهر يوم 8/8/ 2012 بالسجن لمدة سنة وغرامة 200 ر.ع. وقامت محكمة الاستئناف برئاسة القاضي محمد الأخزمي وعضوية بدر الراشدي والمختار الرواحي يومي 5/12 و 12/12 من العام 2012، بتأييد كافة الأحكام ضد معتقلي الإعابة، مع وقف تنفيذ بحق كلا من حمود الراشدي وإسحاق الأغبري. كما ألغت محكمة الاستئناف تهمة عرقلة السير وحركة المرور عن معتقلي التجمهر، والابقاء على تهمة التجمهر بقصد الإخلال بالنظام العام والحكم بستة أشهر يوم 12/12/2012.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s