في الطريق إلى السجن المركزي بسمائل 1


          في اليوم الــ31 من الاعتقال، الذي صادف 8 يوليو 2012، بعد الظهر تقريبا في الساعة 3، سمعت أصوات نوافذ غرف المعتقل الأخرى تُفتح وتُغلق،ويتخللها أصوات أحاديث ما، أدركت أنهم يُعيدون إلينا ملابسنا التي اعتقلنا بها، حتى نستعد لنقلنا إلى سمائل. فُتحت النافذة الصغيرة التي تتوسط باب غرفة اعتقالي. أنهيت تبديل ملابسي، انتظرت لحظات قبل أن يدخل عليّ جنديان مقنعان، أمراني بالوقوف ووجهي للجدار ورفعي يديّ، فعلت. خاطبني أحدهم وهو يضع القيد على يديّ: مبروك.. أزمتكم قربت تنحل.

ضحكت ساخرا: مبروك! عزيزي نحن ذاهبون لما هو أسوأ،ذاهبون إلى سمائل لا إلى بيوتنا.

ربّت على كتفي وقال: إن شاء الله قريب تخرج وتقابل ابنتك صبا وتقضي رمضان والعيد بين والدك ووالدتك!!!.

هل كان هذا أيضا اعتذارا ما؟؟!!!

أم أن الجندي ومحقق الأمن كانوا يعلمون مسبقا، أن قضيتنا أخذت مسارا آخر، وما عاد الأمر مجرد اعتقال أمني للتحقيق ثم الإفراج!! أم أنهم كانوا يقولون لنا خلف الكلمات: نعتذر إليكم..زادت رواتبنا، وتأصلت حقوقنا،منذ أن أشعلتم أوّل شمعة احتجاج في فبراير 2011، ولكننا لا نقوم إلا بواجبنا!!

          ألبسوني الكيس الأسود، قادوني حتى ركبت صندوق السيارة الــــVAN، وكان بصحبتي شاب بملابس مدنية، قلت له: نحن ذاهبون إلى سمائل، لست بحاجة لأن تضع هذا الكيس طوال الطريق. قال لي كالمعتذر: هذه أوامر، لا عليه تحمل قليلا، تحملتم شهرا كاملا ألا تستطيع تحمل هذه الساعة؟.

تفاجأت لجوابه، فأجبته وضحكة تتخلخل الكلمات: عزيزي، ذاهبون لسمائل لا لإطلاق السراح. الطريق لا زال طويلا أمامنا.

كل ما فعله أنه حاول رفع الكيس قليلا حتى أستطيع التنفس، كنت ألمح طيفه من خلف الكيس وهو يعبث بموبايله.وصوت إذاعة “هلا إف إم” يملأ فراغ الصمت.

ساعة..مرّت ببطء.. حين وصلنا، انتظرنا بعض الوقت، أدركت أن هناك آخرون يتم إنزالهم. وحين تم فتح باب صندوق السيارة، وأُنزلت، لم يتم فك القيد، ولا نزع الكيس!!

ودّعني الذي رافقني من المعتقل السري 2 وهو يدعوا لي: الله يعينكم ويفرجها عليكم!!

كان جنديا يمسك بي من كتفيّ ليوجهني في الطريق، مشيت لمسافة قبل أن يتم إدخالي مكانا ما، وإيقافي ثم رفع الغطاء عني وفك قيودي. الجدران الأربعة والأرضية رمادية..الباب رماديّ..للزنزانة على جدارها الأمامي الذي به الباب حاجزان زجاجيان بحجم نافذة.. فتشني الجندي –كان الجنود من أفراد المهام الخاصة- من رأسي حتى قدميّ،ثم أشار إلى جهة ما: هناك دورات المياه ومياه الشرب ومكان الاستحمام، وهذا فراشك وأدواتك الأخرى.

تركني..أغلق الباب، وأغلق النافذة الصغيرة التي بالباب. وقفت مشدوها فاغرا فاهي.. حزن غريب غامض ثقيل هبط على روحي فأثقلها.. تنقلت بنظري، كانت الزنزرانة واسعة جدا، 5*13 م تقريبا، على زاوية ما فراش للنوم (دوشق) وبطانية وفوطة استحمام ومعجون أسنان وفرشاة أسنان وصابونة استحمام وكرتون صابون غسيل صغير ودلو بلاستيكي، وصحن بلاستيكي مقسّم للأكل وكوب بلاستيكي!!.

          وقفت خلف الحاجز الزجاجيّ، أرقب الساحة الخارجية لبرهة، ثم ذهبت لأتفقد دورات المياه، كانت قذرة ورائحتها تعم الزنزانة، ولم يكن”السيفون” في كل دورات المياه يعمل – عدد دورات المياه 4،وأماكن الاستحمام 3-، أما المغاسل، قسمين، قسم للغسيل وآخر للشرب، وكلاهما تملأهما القذارة وبراز الحشرات والفئران وشعر بشر مرّوا من هنا، علمت لاحقا، أن المكان الذي نحن فيه، ليس السجن المركزي، بل “مركز الإيواء” التابع للسجن المركزي، وهو الذي يستخدم عادة لحبس المتسللين ومزوّري بطاقات العمل، ومجرمي قضايا التهريب والمخدرات الذي يقضون محكوميتهم أقل من عام!!!!.

          مرّ الوقت..انهمر مطر قويّ حين ظلام.. وقفت خلف الحاجز الزجاجي أرقب تدفق المياه، تدافع حبات المطر، صوت الريح..صوت المطر.. صوت الصمت..صوت الحنين.. سقطت دمعة باغتتني على حين ترصد! أخفيتها حتى لا تلتقطني كاميرا الزنزانة، اختبئت في قسم دورات المياه، وقفت أمام المغسلة.. غسلت وجهي مرارار، ثم بعدها انخرطت في موجة بكاء حارقة.. لم أكن جبّارا..ولا متسلطا.. ولا متعندا.. ولا صامدا.. كنت وقتها إنسانا عاديا، يحنّ لرأس أمه كي يقبله.. لكفّ أباه كي يحتضنها..لجسد ابنته كي يحتويه.. لصوت حبيبته التي لا تأتي. أمام دموعي جبنت..بكيت..بقيت هكذا فترة من الوقت..دون أن أعي أن بعض الدموع كلما نزلت، ترفعنا عاليا وتسمو بمشاعرنا.. فقط يومها لم أنسى كيف أحتفظ بحقي في البكاء!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s