شيء عن الاعتقال..وطريق نضال 8


للشوارع نبض..حتى أصوات الوافدين الآسيوين وهم يتجولون خارجا لها نبض! انعكاس ضوء المصابيح على المرايا والنوافذ والأرصفة له نبض.. أحسست بغصّة ما في القلب توجعني، كان صوت امرأة اخترقتني كحنين يخترق ظلمة الغياب! سمعت صوت فتح الباب..التفت، حدثني الشاب الذي رافقني من المعتقل السري 2: هل انتهيت؟ يريدونك للتحقيق. قلت له: تبقت ركعتيّ العشاء، لحظات.

خرج ثم عاد وبصحبته آخر: لا وقت لدينا، لنذهب الآن.

خرجنا، دخلنا لمصعد ضيّق، وصلنا للطابق الـ5، انتظرنا في مقاعد ردهة ضيّقة..

“نبهان الحنشي”

          أحدهم أقبل.. نادى باسمي..أمرني أن أتبعه وحيدا.. فتح بابا لأحد المكاتب.. دخلت، رفع المحقق رأسه إليّ في ازدراء..سألني وهو يتأفف: وين دشداشتك..ليش جاي كذا؟

          دُهشت..بل صدمت..أجبت: للأسف،تقبضوا عليّ وأنا هكذا.

أشار علي بالجلوس على الكرسي، بعدما جلست، عرّفني باسمه “إبراهيم الحبسي، رئيس إدعاء عام، وأنا من سيتولى التحقيق معك، وهذا سعود المعولي وكيل ادعاء عام ثاني، ستولى تقرير الجلسة.”

سألت: ماذا عن المحامي، ألا يحق لي بوجود محامي.

رئيس الإدعاء:هذه جلسة ودية بيننا وبينك، تعارفية،حتى نتوضح أهم الإشكاليات.

          توالت الأسئلة..ولم تكن تختلف عمّا سبقها داخل غرف تحقيق المعتقلات السرية 1,2، وإن كانت أقل شمولية واطلاعا على كامل المعلومات المتعلقة بي وبالمجموعة التي حاصرتني الأسئلة حولها طوال الــ26 يوما الفائتة، عللت ذلك في نفسي: ربما لأنهم الأمن الداخلي فقط.

          لم تكن ودية الجلسة..بل كان تحقيقا رسميا. بعدما انتهى من التحقيق معي سألني وهو يعبث بموبايله: هل تود أن يُوكل الإدعاء العام لك محامي؟. أجبته وأنا أستدير لجهته –كان أن انتقل إلى الكنبة والتي كانت خلف كرسيّ التحقيق الذي كنت عليه- : لديّ محامي.. وأخبرتكم ذلك.

          لم يجبني..انتهى التحقيق.. كانت الساعة تجاوزت العاشرة. انتظرت لحظات عدّة حتى أخذني الشاب الذي رافقني من معتقل الأمن الداخلي السري الثاني إلى السيارة الــ van البيضاء، دخلنا في صندوقها، وقيّدني. وحين وصلنا للمعتقل ألبسني الكيس الأسود، ثم وجدتني داخل غرفة الحجز، والأفرول الأزرق ينتظرني وحيدا!!!

          حاولت استعادة كل شيء..صوت السيارات..أحاديث المشاة..انعكاس ضوء المصابيح على الشوارع والأرصفة،صوت أميّ الذي بلل روحي اليبس!

          في اليوم التالي، التقيت بأحد المحققين، كان أكثرهم دماثة لذلك طلبته بالاسم، أو بالكنية، تحدثنا طويلا، عن الوضع في عمان.. عن الدستور والمثقفين..عن مصر وناصر والسادات ومبارك والأخوان. هل كنت ألمح في عينيه اعتذارا ما، هل كنت أسمع من كلماته تعاطفا ما؟؟ استمر الحديث لساعتين.. ربما أكثر بقليل من ذلك.. استأذن للذهاب متعللا بانتهاء العمل، سألته وأنا ابتسم: وهل لكم وقت ينتهي فيه العمل؟

          عدت…مضت الأيّام ببطئها.. بروتينها المعتاد.. مع الصلاة والوجبات ودقائق الاسترخاء الــ15، كنت أُسلي الروح بضرب الجدار على الغرفة التي بيميني.. أضرب بكفي مرة..فيأتي الرد بضربتين.. أرد بــ 3، فيأتي الرد بــ 4، أرد بإيقاع متكامل.. فيأتي الرد بإيقاع شبيه به.. كانت هذه الضربات المتبادلة على الجدار، هو موسيقى الروح التي ربيت النفس عليها.. حتى اكتشفت لاحقا وأنا بسمائل مع الأصحاب الــــ11، أن مختار الهنائي هو من كان يبادلني الضربات على الجدار..!!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s