عن الإعابة والإساءة.. والسلطة الأمنية والمثقف المنتفع!


          يالها من محنة تمرّ على المرء، حينما يجد نفسه ككرة الطائرة، من تهمة لأخرى، ومن مقعد تحقيق لآخر، ويطول حبسه الانفرادي.. والاحتياطي، ليجد فجأة نفسه أمام قاض وفي محكمة.. ليتهم في نهاية المطاف، بما يصفه ويرتبه القانون العماني بــ الجنحة، وبما يسميه القانون كذلك بــ الإعابة.

          ولعلّ أحد أهم التداعيات والنتائج التي أطلّت.. بعد صدور الحكم على معظم المتهمين في هذه القضية، هو تباين فترات الحكم (6 شهور ، سنة، سنة ونصف السنة)، الأمر الذي يجعلنا أمام حيرة التنفيذ وعقلية التوصيف وقرار الحكم! وذلك حين تجد أن بعضالمتهمين، هم ممّن شتموا وقذفوا وسبوا في شخص السلطان، وتمادوا في ذلك، لدرجة أن يقوم المكتب السلطاني باستدعاء عدد من القضاة والمحامين وأعضاء الدولة والشورى والشيوخ..إلخ، ليُريهم عرضا يكشف لهم مدى تمادي كافة الشباب المعتقلين، مستخدمين في هذا العرض عبارات محددة،لأسمين أو ثلاثة من المعتقلين، وهي العبارات التي تخللها القذف والشتم والسب، وقالوا لهم: هذا ما فعله هؤلاء. وهم أصحاب مشروع فتنة ابتدأ في فبراير 2011، ولن ينتهي إلا بسقوط النظام!!!!!!

          وأحد أهم هذه المفارقات، صدور أمر إلقاء القبض على المعتقلين الــ12 المتأخرين.. منذ الــ30/5/2012، أي قبل حادثة اختطاف حبيبة ويعقوب وإسماعيل أثناء رحلتهم الحقوقية لمواقع الاعتصامات لحقول النفط. وكان أمر إلقاء القبض بتهمة :التحريض لــ قلب نظام الحكم. التهمة التي تحولت تحت سقف أروقة المحاكم إلى: الإعابة وإساءة استخدام التقنية والنيل من مكانة الدولة. التهم إيّاها للآن لم نجد لها أي معنى اصطلاحا ولغة.. وكانت الإجابة الوحيدة التي صدرت من أحد ممثلي الإدعاء العام في ندوة :حق التجمهر والتعبير عن حرية الرأي في فندق جولدن توليب بتنظيم من جمعية الكتاب والادباء يوم الأحد في 16/9/2012، حيث قال أن الإعابة هي السب والشتيمة!

          ومع تدارك كافة المعطيات والأحداث والكتابات، التي صدرت فترة اعتقالنا، توقعنا أن يأتي كل كاتب ومثقف وعضو مجلس دولة أو شورى.. للوقوف على تفاصيل الاعتقال، وقانونيته، وحقيقة التهم الموجهة إلينا، وطريقة التحقيق، وظروف المعتقل الانفرادي في معتقلات الأمن الداخلي وفي مركز الإيواء بسجن سمائل المركزي. ولكن كل ذلك لم يحدث البتة، ولا حتى الإعلام بصحافته و وكالة أنباءه، ولا الهيئة بتلفزيونها وإذاعاتها، أتاحت لأحد من المعتقلين التواجد والظهور للحديث..ولو حتى لدرء زيف حقيقة ما أو سؤاله عن سبب تورطه أو فعلته؟؟؟!

          ولعلّ أحد أهم الفارقات في الأمر كذلك، هو أن كل الذين كتبوا ولا زالوا يكتبون عن قضيتنا بما يعيب فينا لا بما يتقصى في الحقائق ويفنّدها، للآن لم يلتقوا بأحد فينا، ولا السؤال عن ظروف اعتقالنا، ولا مناقشتنا عن ما كتبناه، وأراهن يقينا جازما.. أن جميعهم لا يعرفون حتى الأقوال أو الكتابات التي تمّ إدانتنا بسببها.. ولا مدى “قياس” الإعابة والإساءة عليها ! فكيف تكون الإعابة في شتم وقذف وسب هي نفسها التهمة في الانتقاد!!!! وكيف تكون الأولى حكمها أقل خفة وعددا عن الثانية!!

          وهنا، يطرح السؤال نفسه: هل سعي مجموعة من المواطنين أيّا كان وصفهم كتّاب صحفيين ناشطين محامين..إلخ، إلى مناقشة وضع البلاد السياسي، وطرح أفكار مثل الدستور، ورئاسة الوزراء وولاية العهد، وثروة البلاد الحقيقية، وحصّة السلطان منها، يعتبر إساءة وإعابة؟؟؟ وهل تساؤل هؤلاء كذلك حول عدم مساءلة عددا من المسؤولين المتورطين في قضايا الفساد مثل: غضفان و أراضي بوشر و اختلاس أموال الدولة..إلخ، يعتبر نيلا من مكانة الدولة وإسقاطا لهيبتها؟؟؟؟.

          كل ما أستطيع تقديمه هنا وتأكيده، هو سعي السلطات الأمنية ليس فقط إلى تكميم الأفواه.. وإرسال رسالة للمجتمع أن الانتقاد مرفوض، وإن وجد فلا بد أن لا يتعدى حيّز “الوزارات الخدمية” وأن لا يطال حدود الوزارات السيادية.. ولا ثروة البلاد ولا حتى انتقاد إدارة السلطان للبلاد!! بل كذلك انتقام السلطات الأمنية من كل الذين ساهموا بصورة مباشرة وغير مباشرة في احتجاجات فبراير 2011.

          لعلّ حريّ بالمثقفين، الكتّاب منهم خاصة، أولئك الذين لا زالوا يثيرون مشاعر الناس حولنا، ويقودون معرفتهم حول قضيتنا على أنها قضية إعابة بقصد، أنّنا ارتكبنا جرما في قيامنا بشتم “شخص” السلطان، وإهانته، والعمل على بث الفتنة والفوضى والشغب في البلاد، لعله حريّ بهم أن يكونوا في موضع الحياد، ذلك أنهم ما اختلفوا عن أداء السلطات الأمنية في إدارة قضيتنا، بقيامهم بالاتهام دون وقوفهم على كافة الحقائق، بالتالي التشهير بقصد أو بغير قصد بكل من تمّ اعتقاله على إثر هذه القضية. ولا ننسى كذلك، غياب هذه الفئة من المثقفين أنفسهم، وممن كذلك يدعون أنهم إعلاميون، عن إبداء رأيهم في قضية التشهير ونشر الصور للمتهمين في وسائل الإعلام الوطنية المختلفة، وكذلك بعض الصحف الخاصة، وهذا بحدّ ذاته تواطؤ مع الجهات الأمنية في الافتراء على كل من طالته يد القضاء فيما يخص الإعابة أو التجمهر، حتى وإن كان تواطؤ من غير قصد!.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s