شيء عن الاعتقال… وطريق نضال! 5 (الانتقال للمعتقل السري 2)


          فجأة، نهض من كرسيّه ووقف قبالتي، تبيّنت ملامحه، رجل “ترابي” البشرة، خمسيني العمر،ذقنه خفيف أبيض على كامل وجهه، ربما كان في رتبة عقيد، انتفض وهو يلقي عليّ محاضرته في الوطنية،وكان المحققان الآخران يستمران في الإيماء يرأسيهما موافقة لكل ما يقول. وبعدما تيّقن أثر الكلمات عليّ، سألني: هل لديك جد؟ هل رأيت أبيك كيف يتعامل مع جدك؟. أجبته: للأسف لا.. توفي قبل أن أولد بقرون. لكن ما سبب السؤال؟.

          لم يُجبني، انتقل لموضوع آخر وقال: أما سمعت قول الشاعر: إن أنت أكرمت اللئيم ملكته…إلخ.. ثم تدارك، وأنا لا أقصد أنكم لئام بل أنتم عمود البلد وبكم البلد سينهض. ثم قال لي: أنتم تكتبون وتشهرون،وتشوهون صورة البلاد. قاطعته: كيف نشهّر ونشوّه؟؟

          أجابني بنفس نبرة الغضب في صوته: حينما تكتبون عن المسؤولين وليس لديكم دليل،فهذا تشهير بهم وتشويه للبلاد. ابتسمت وأجبته: عفوا، نحن كتبنا اعتمادا على ما نشرته الصحف والأخبار، لست أنا من كشف قضية “أراضي بوشر” ولا أنا من كشف قضية الاختلاسات في مال الدولة العام، ولا نحن من تسبب بانبعاث الغازات السامة لمصفاة صحار أو قضية “غضفان”. نحن نطرح تساؤلاتنا فقط:

كيف من الممكن أن تكون هناك جريمة، وليس هناك مجرم!!!

 أما عن التشهير، ألستم أنتم من شهّر بالشباب أيام اعتصامات 2011، ماذا عن عصابة التنين؟  لماذا كل ذلك التشهير في التلفزيون والصحافة عن مجموعة إرهابية تقوم بصناعة المتفجرات، أين ذهبت هذه الاتهامات الآن؟

          سحب كرسيّه مجددا، جلس وسأل: هل  قرأت جريدة “البيان” الإماراتية، هل قرأت ماذا كتبوا عن بلادنا؟ هل يستحق السلطان منّا كل هذا؟

          قلت: وماذا كتبت البيان؟ أنا شخصيا لا أتابع الصحف الخليجية مطلقا، لعدم وجود المهنية الصحفية في أغلبها، أما ما تم نشره فيها فذلك أمر لا يعنيني، إن كان لديكم أي شتيمة أو قذف بحق البلد أو السلطان من جهتي، فهاتها، وغير ذلك لا أهتم.

          نهض، وأزاح عنه كرسيه وقال لي مشيرا للمحققين الاثنين: تساعد معهم، نحن لا نريد جلساتك في المقاهي والمطاعم، بل حدثنا عن التنظيمات التي تعدون لها وأنت مشترك بها. وبعدها أن مستعد للجلوس معك والتحدث والحوار، فأنا لديّ ابن في نفس عمرك. أريد أن نسمع منك يا نبهان، أسمعنا ما لديك من مقترحات، وأنا أعدك بأن نرفعها لأعلى منصب في البلد، فنحن نهتم ونحرص دائما على سماعكم.

          ضحكت وقلت: تنظيم!!! عزيزي أنا مجمل لقاءاتي بــ إسماعيل وإسحاق وسلطان وخلفان وحسن في المقاهي والمطاعم، أما التنظيم فلا أعلم عمّا تتحدث. وأما 26 فبراير فحسب علمي هي مجرد فكرة للآن. وإن كنت تريد أن تسمع مني مقترحاتي، فهذا أمر يسعدني بالتأكيد.. وأنا على استعداد لذلك.

          خرج ولم أره منذ تلك اللحظة، ولم نتناقش لا عن الوطن ولا عن السلطان!! ولا عن مقترحاتي وأراء شباب البلد في الحكومة والسلطان!! ولا عن شخصه ولا من هو أو هم!!!

          ولكثرة التحقيق حول التنظيمات، 26 فبراير، الأخوان المسلمين، التنظيم الليبرالي،وكيف أنني من مقالاتي كنت أهدف إلى هدم البلاد ونشر الفتنة والفوضى فيها، وكيف أن كتاباتي هي السبب في الفوضى وتحريض الشباب للخروج للمظاهرات وتنظيم الاعتصامات…إلخ، كنت أرى أن لا غد سيأتي بعد هذا اليوم، وأنني في طريقي للمشنقة.

          في اليوم الــ12 من الاعتقال ، 19/6/2012، تقريبا الساعة العاشرة صباحا، فتح باب غرفة الحجز بقوّة، وأمرني الجندي بصوت عال أن أنهض “نبهان قوم”. نهضت، قيّد رسغيّ، ألبس ورأسي الكيس الأسود. وبخشونة اعتدتها قادني، ثم أوقفني وقال أحدهم: ارفع رجلك وأنزل رأسك كي لا يصطدم بسقف السيارة. فعلت.. ركبت.. علي يميني جندي وعلى شمالي، وقيد رسغيّ تم وصله بقيد آخر بين قدميّ. سألت الذي على يساري: إلى أين تأخذونني؟ أجابني بصلف: ستعلم بعدئذ.. لا تتحدث.

          بعد ما يقرب من الربع ساعة (15 د) توقفت السيارة، أنزلوني.. كان صوت “أبو بكر سالم” يعلو ويخترق ارتباكي ودهشتي..لم يكن حبل المشنقة ما أنا ذاهب إليه.. بل غرفة حجز أخرى أكثر اتساعا.. لمعتقل آخر.. في رحلة أخرى لمسيرة اعتقالي!!!

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s