شيء عن الاعتقال..وطريق نضال 3 (المعتقل السريّ الأول)


أوقفاني، أمراني بالمباعدة بين قدميّ، فكّ أحدهما قيد رسغي الأيمن، ثمّ ثبت كفيّ على الجدار،وكذلك فعل مع اليسرى، بعدها نزع الكيس الأسود عن وجهي،وابتعد عني خطوات، حتى وصل لباب مكتب التحقيق، فقال بلهجة آمرة:استرِح.

***

“أنت متهم بالاشتراك في تنظيم حركة 26 فبراير، والسعي لتشكيل معارضة عمانية هدفها إسقاط النظام!”

          لم يكن الحزن وحده ما استفرد بي في ذلك المكان..كنت بعد كل تحقيق أخرج وفي ذاكرتي ملامح المحققين وأصواتهم واستفزازاتهم واتهاماتهم التي لا يتوقف سيلها عن الهطول! وحين دخل علينا ثاني أيّام التحقيق رجل قصير مكتنز الجسد أحمر البشرة ذو نظرة تتقد ذكاء وخبثا، نهض المحققان وصافحاه وقد أحنيا رأسيهما له، واجهني في المقعد المقابل، أخرج قصاصة صفراء من جيبه، ثم رمقني بعينين باردتين..وسأل: هل أنت تقول الحقيقة لنا؟

          أجبته وأنا أتحيّن وقوع مصيبة ما من القصاصة التي بين يديه: ما كتبته مثبوت لديكم، ولا داعي لذكره مجددا وبأمكانكم مواجهتي به.

هزّ رأسه ونقل عينيه الباردتين إلى القصاصة الصفراء.. التي كان يحاول إخفاء محتواها عن المحققين الآخرين، طوى القصاصة وأعاد تصويب نظراته الحادة باتجاهي.. صمت برهة ثم سأل: ولكنّك لم تحدثنا عن حركة 26 فبراير، ألست عضوا ومؤسسا فيها؟

بلعت ريقي حين توقف ذهني لطريقة نطقه “حركة 26 فبراير”، وكأنه يختبر وقع الصدمة عليّ من خلال ملامحي.. فأكمل حديثه كالمحامي الذي يًجهز على شاهد ما : “أنت متهم بالاشتراك في تنظيم حركة 26 فبراير، والسعي لتشكيل معارضة عمانية هدفها إسقاط النظام!”

          اتسعت حدقتا عينيّ وأنا أردد كلماته: إسقاط نظام الحكم مرّة وحده؟؟؟؟!!!

–       أدخل القصاصة في جيبه، وتحدث بنفس النبرة الهادئة ورمقني بالنظرة الباردة نفسها: أما كنت في اجتماع مع سلطان السعدي وخلفان البدواوي وإسحاق الأغبري في البهجة يوم 2 يونيو السبت الماضي؟

–       أجبته بصوت مهتزّ: نعم صحيح،ولكن 26 فبراير مجرد فكرة، وهدفها اجتماعي بحت.

–       كيف يكون هدفها اجتماعيّ، وسلطان ضرب مثالا بــ 6 إبريل و حركة كفاية، أما تعلم ماذا كان دور الحركتين في الثورة المصرية؟ هل تُنكر أنّكما تريدون ممارسة نفس الأسلوب؟

تيّقنت فعلا أن مصيبةُ ما يتم الإعداد لها لتلفيقها بنا، فاخترت كلماتي وأنا أجيبه: ما أعرفه أنها مجرد فكرة، وما ناقشنا لم يتعدى حدود إنشاء مجموعة مثل أيّ مجموعة أخرى تنتمي للتنمية الاجتماعية أو يكون لها سجل تجاري، وتُنفذ الدورات وورش العمل.

هزّ رأسه رافضا إجابتي: ماذا عن الفساد؟ ماذا عن التنظيمات الخارجية؟ نبهان، لن يفيدك إخفاء المعلومات عنّا، خلفان وسلطان وإسحاق هنا معنا الآن، من الأفضل لك أن تتكلم.

أجبته والقلق والحيرة قد استبدا بي: ناقشنا فعلا تنظيم فعاليات ثقافية واجتماعية وسياسية..وأن نستهدف الفساد، ونقدم الخيارات، ونكشف الخلل وخيارات الإصلاح.. الفكرة ثقافية بحتة.

شبك كفّيه وأسند ساعدية على الطاولة وهو يتقدم برأسه ليباغتني بسؤال آخر: اعترف، من غيركم في هذه الحركة، وما هي أهدافكم؟؟

ضحكت.. وأحنيت رأسي..قبل أن أجيبه: ليس هناك من حركة..قلت لك أنها مجرد فكرة لا أكثر.

قال وقد ارتسمت ابتسامة ساخرة في وجهه: نبهان.. اجتماع سريّ ومخطط له.. وتقول لي أنها فكرة؟؟

أجبته وأنا أتصنع الابتسام في وجهه: عفوا، ولكني كنت منذ الساعة السابعة في البهجة…بنفس المقهى،لأنني أوصلت صديقي المطار، وذهبت للبهجة لأنني انتظر عودة أخي من الرياض كذلك، لذلك كنت مضطرا لأتواجد بمنطقة قريبة من المطار. وأنا من تواصل مع الأصدقاء عبر الواتس أب لأعلمهم بمكاني وإن كانوا يرغبون بالمجيء..وفعلا أتى سعود الفارسي أولا، وفي الساعة الــ9.15 تقريبا هاتفني خلفان، ليخبرني أنه وسلطان يريدان اللقاء بي، وفعلا وصل خلفان تقريبا في الساعة 9.30 أو 9.45،ووصل إسحاق بعده بدقائق، ووصل سلطان تقريبا في 10.05، وكان أحمد الخروصي آخر المنضمّين، حيث وصل في الــ10.25 كما أذكر، وأنا استأذنت في الــ10.45 أو 10.40 لأذهب للمطار لاستقبال أخي!!

انتهى التحقيق.. ولم تنتهي قصّة 26 فبراير مطلقا..!!

***

أمراني أن أقف ووجهي للجدار،ويداي مرفوعتان، سحب يديّ اليمنيى وقيّدها وكذلك فعل مع اليسرى، ثمّ ألبساني الكيس واقتاداني حتى غرفة الحجز!

 

Advertisements

One thought on “شيء عن الاعتقال..وطريق نضال 3 (المعتقل السريّ الأول)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s