شيء عن الاعتقال..وطريق نضال 2


          كان الكيس أسودا.. والليلة سوداء.. وحين انطلقنا من القسم الخاص بالقرم إلى المعتقل السريّ الأوّل، قدّرت الوقت بين 12 – 15 دقيقة، كانت أغنية لعبدالمجيد عبدالله تملأ ظلمة الكيس، والجندي يأمرني بصوت عالٍ عدم التحرّك ولا تحريك الكيس. وحين وصلنا وتم إنزالي من السيارة الــ van، أُمرت أن أخلع نعليّ، أجبتهم مازحاً: هل سندخل مسجدا ما؟. صرخ أحد الجنود: لا تتكلم. وحين خلعت نعليّ، تحسست الأرض تحتي فابتسمت، وتذكرت معتقل العام الماضي (14 مايو 2011)، وأدركت أن المعتقل هو نفسه. وحين اقتادوني لمكان ما ونزعوا عني الكيس الأسود، وجدتني داخل غرفة ضيّقة (طولها 3م،وعرضها 2م)، أرضيتها جرداء وجدرانها صفراء،وبها جهاز تكييف طن ونصف الطن، ومثبت على سقفها مصباح شديد الإضاءة، لا ينطفيء أبدا! وعلى يساري فراش ومخدة.

          أمرني حينها أحد الجنود بتغيير ملابسي، ووضع “الأفرول الأزرق” بجانبي، الضغط على نقطة الجرس، حدث كل شيء هكذا.. اعتقال من “second cup“،القسم الخاص.. ودون أيّة إجراءات ولا تحقيق.. ثم مصادرة أجهزتي النقالة وجهاز اللاب توب!،فالكيس الأسود..فالسيارة الفان..فالمعتقل السريّ. وحين عاد الجنديّ المقنع برفقة اثنين آخرين مقنعين، تم تقييد يديّ مجددا ثم وضع الكيس الأسود على وجهي،ونقلي لغرفة أخرى.. وفي الغرفة الأخرى وبنفس الآلية.. وجهي للجدار..ينزعون الأصفاد..ثمّ الكيس.. بعدها أمروني للالتفات لالتقاط الصورة!!

          المعتقل السريّ الأوّل:

في معتقلهم السريّ الأول، الذي قضيت فيه 11 يوما (8 – 18/6/2012) كانت الغرف (3*2)،لا تهوية بها وبابها حديديّ ضيّق ليس به سوى عين سحرية لا تعرف متى يراقبوك منها! الأرض من تحت قدمي مفروشة بالموكيت من تلك النوعية التي تُفرش في الملاعب المعشّبة، ولكن كان لونها أسود!ودورات المياه ببابين، كل باب فيه مكانين لقضاء الحاجة ومكان للاستحمام! أمّا القسم الآخر من المعتقل،وهو مكان التحقيق – الفاصل بين غًرف الاحتجاز ومكاتب التحقيق مساحة مفتوحة وغير مغلقة – وهو نفس القم الذي تتواجد فيه غرفة للفحص الطبي، أمّا مكاتب التحقيق التي تناوبوا الجنود في اقتيادي إليها كانت ثلاث، وجميعها بنفس المواصفات: جها تكييف مركزي مسوّر بالحديد،يعلوه 3 كشافات، وطاولة عسركية، والكرسي الذي كنت أجلس عليه –المخصص للمتهمين- مثبّت بالأرضية، ومثبت على سقف كل مكتب كاميرا لا تكاد تبين!! وأرضية كل مكتب مفروشة بموكيت رصاصي، ماعدا غرفة الفحص الطبي.ولا تتوقف الأغاني فيه أبدا، بين أغاني وطنية، وشريط قديم لميحد حمد “الدار من عقبهم ماهي بمرغوبة” وجلسة لمحمد عبده “بنت النور والأماكن إلخ”، وكان مكبر الصوت داخل الغرفة دائما ما يكون مفتوحا، في كلّ الأوقات،حتى أوقات الصلاة والنوم!!

المعتقل السريّ الثانيّ:

          في معتقلهم السريّ الثاني،والذي قضيت فيه 19 يوما (19/6 – 7/7/2012)، كانت غرف الاحتجاز به أوسع،وحتى معاملة الجنود المقنعين لي كانت أفضل، وغرف الاحتجاز أكبر مساحة (3.5*3.5)تقريبا،وباب الغرفة به نافذة تفتح وقت توزيع الأكل أو تسليم أغراض ما، ولم يكن في الباب عين سحريّة،ولكن كان به مساحة دائرية صغيرة تتيح للجندي المراقب النظر من خلالها ويمكنك معرفة ذلك. وغرف التحقيق كانت أكثر حداثة في التهيئة –بعضها على شاكلة غرف التحقيق التي نراها في الأفلام الأميركية بها فاصل زجاجي عاكس وسماعات- وكاميرا مثبّتة في المكان المخصص لصندوق الطوارئ، وثلاثة كشافات أكبر حجما من المعتقل السابقة، والتكييف كان أكثر تنظيما وتوزيعا وأسهل في التحكم –المعتقل السابق يضعوك في مكتب التحقيق ويزيدون من درجة التبريد لفترة تزيد عن الساعة والساعتين أحيانا-، الذي تميّز فيه هذا المعتقل عن السابق كذلك، أنّه كان يسمح لنا في التهوية، وذلك بأخذنا لمكان خلفي، سقفه مفتوح ولكنه مسيّج، كل يوم أقضي فيه فترة لا تزيد عن الـ15 دقيقة. أستمتع فيه بضوء الشمس وصوت العصافير.وكذلك الأغاني كانت لا تتوقف، ولكن يغلب صوت القرآن الكريم والأناشيد الدينية على الأغاني. أمّا دورات المياه فكانت أكثر نظافة عن السابقة، ومقسّمة بطريقة أكثر تنظيما –أربع دورات مياه كل دورة مياه بها حمّام ومكان للاستحمام- وأحدها مصنوع بالطريقة الإفرنجية، وعلى باب كل دورة مياه مساحة دائرية تتيح للجنود مراقبتنا حال أننا تأخرنا،وهو الأمر الذي أثار غضبنا في كثير من الأحيان حيث يصادف وقت استحمامنا!!!

          المعتقل الثالث (مركز الإيواء بسجن سمائل المركزي):

          المعتقل الذي قضيت فيه فترة 3 أسابيع،بعد نقلنا من معتقلات الأمن الداخلي (8-31/7/2012)، تمّ نقلي في سيارة تابعة للأمن الداخلي ووضع كيس أسود طوال فترة الطريق –ساعة تقريبا- وتم اقتيادي من السيارة للعنبر 2 في الجناح أ في المجمع 1 بمركز الإيواء. وكانت الزنزانة مساحتها تقريبا الطول * العرض (13*5)،بابها الحديد به نافذة مغلقة دائما، وتتكون من 4 دورات مياه عفنة، و3 أماكن استحمام اثنان منهما عاطلان. وأربع أجهزة تكييف. كنت وحيدا في ذلك العنبر، لفترة 24 يوما كاملة، ولم يكن مسموحا لنا الخروج من العنبر طوال هذه الفترة!!!!

          المعتقل الرابع (مركز شرطة الخوض)

          يوم 1/8/2012 تمّ أخذنا إلى مجمع المحاكم، من أجل تمديد حبسنا عن طريق قاضي التمديد والذي كان هو نفسه رئيس المحكمة الابتدائية (بدر الراشدي)، الذي مدّد لنا الحبس لأسبوع، بعدها تقرّر توزيعنا جميعا على مراكز الشرطة، وتم اقتيادي لمركز شرطة الخوض، وهذه كانت المرّة الأولى بعد 54 اعتقال، أختلط فيها بالبشر والناس!

 

 

          المعتقل الخامس (مركز الإيواء مجددا):

          يوم 8/8/2012، تم اقتيادي من مركز الخوض لمجمع المحاكم، ويومها كان الجلسة الأولى للمحاكمة، علمت فيما بعد أن القاضي فيها اسمه (يوسف الفليتي)،ولم يكن المحامي حاضرا في الجلسة ولا أحدا من أفراد عائلتي! وقرّر القاضي تمديد حبسي حتى يوم 26/8/2012. بعدها تم وضعي في أحد قاعات المحكمة، قبل أن يتم اعتقالي لأحد الأقفاص التي يتم حجز المتهمين فيها قبل نقله لأي معتقل، وفي القفص، ولأوّل مرة منذ 62 يوم، ألتقي بالأصدقاء الــ12 المتهمين بالإعابة (إسماعيل البدواوي وإسحاق الأغبري وخلفان البداواوي وعلي الحجي وحسن الرقيشي ومختار الهنائي ومحمد الفزاري ومحمود الجامودي وسلطان السعدي وحاتم المالكي) بالإضافة إلى الصديق أسامة آل توّيه (قضية إعابة)، والأصدقاء (سعيد الهاشمي وناصر الغيلاني وعبدالله الغيلاني) المعتقلين في قضية التجمهر والذين قرّروا الحضور يومها والتضامن معنا، وقد شاهدنا في إحدى سيارات الادعاء العام باسمة الراجحي وبسمة الكيومي اللتين تضامنتا معنا كذلك.

          وتم نقلنا يومها للعنبر 5 في الجناح ب بالمجمع 2 بمركز الإيواء بسجن سمائل المركزيّ.والتي قضيت فيها 32 يوما!

 

يـــــــــــــُتـــــــــــــــــــــبع

         

Advertisements

2 thoughts on “شيء عن الاعتقال..وطريق نضال 2

  1. الادب لمن اساء الادب – وان كنت بريئا فجزائك عند الله – و لكني اثق بالقضاء اكثر من ما اثق بكلام متهم – و قد قرأت الكثير من الكلام الموصوف ب الاعابه – فان كنت ممن كتبو ذلك الكلام فانت لم تنل جزائك ابدا بعد و تستحق الادب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s