مصر تنتخب “الرئيس”!



          العنوان أعلاه،ليس مجازا ولا مبالغة في الوصف، العنوان يصف حالة حراك انتخابي مثير وحماسيّ ومفاجئ، جرت أحداثه في “مصر بعد الثورة”، وكانت أهم تفاصيله، خروج الحشود من المواطنين بكثافة،لانتخاب رئيسا للبلاد، انتخاب رئيسا لأوّل مرة عن طريق انتخابات حقيقية ونزيهة، لا مجرد صناديق ممتلئة بالتأييد حتى قبل العملية الانتخابية نفسها!.

          الموعد، كان في 23 – 24 /مايو 2012، حين تنافس 13 مرشحا للرئاسة، تقدم منهم 5 مرشحين،نافسوا وتنافسوا بقوّة، هم :مرشح حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي للأخوان المسلمين (محمد مرسي)،والمرشحين المستقلين الآخرين:أحمد شفيق (آخر رئيس وزراء في عهد مبارك) وعمرو موسى (أمين عام الجامعة العربية السابق وكان قبلها وزير خارجية في عهد مبارك)، وعبدالمنعم أبو الفتوح (انشقّ عن الأخوان لعدم ترشيحها له للرئاسة،وتم تأييده من قبل الجماعة الإسلامية (السلفية)) و حمدين صباحي،الناصريّ المستقل الذي دخل سباق الرئاسه بفكره وعمله وتاريخ نضاله!

          كان السباق الرئاسي،الذي استمر لــ 24 ساعة –وقت انتخاب الشعب للرئيس على يومين- أحد أكثر السباقات حماسا،فاق في روعته سباقات الفورملا،وإن لم يكن بالسرعة نفسها، وفاق في حماسته مباريات كرة القدم، وأبهر العالم أجمع،والمصريوون يحتشدون في طوابير رغبة منهم للانتخاب، والسؤال المدهش وقتها: هل يحدث فعلا هذا؟ وهل العرس الانتخابي الذي شهدته مصر، هو مجرد مسرحية كما تعوّدنا؟ أم أن المصريين فعلا خرجوا لانتخاب من يريدوا لا يجبرهم أحد على مرشح، أو الابتعاد عن مرشح!.وأن تتنقل بين القنوات المصرية،الرسمية والخاصة، ولا تجدها تُبجل شخصا بعينه،ولا تُلمع من إسم ما. وأن تقرأ في الصحف المصرية، وتقرأ عن الكل،والتوقعات لا تعتمد في أرقامها على تسريبات من القصر الرئاسي، بل مجرد تخمينات!!

          ولكن الساعات،التي عقبت الانتخابات،أي فرز الأصوات،كانت إثارتها أكثر، ورابط فيها المشاهد العربيّ من المغرب العربي إلى الخليج العربي، ومعه المشاهد العالمي، عملية الفرز،وتباين الأرقام، وترجيح الكفة لصالح مرشح، وانتقالها لمرشح آخر بعد ذلك!. والترقب،حول ماهية شخص الرئيس القادم، وكأنه ليس رئيسا لمصر فقط، بل للعالم العربيّ بأكلمه، وزعيما للثورات جميعها. واستمر الفرز، ومعه كانت الآمال وتيرتها تتصاعد بحدّة وتهبط بالحدة نفسها!. وكان المواطن المصريّ يعيش بين الفرحة والخيبة، فرحة العرس الانتخابي، وخيبة نتائجه التي تبدت لاحقا، وإن كانت بصورة لا رسمية!.

          ما أكاد أجزم به، أن الأصوات التي ذهبت لــ مرسي وأبو الفتوح و صباحي، هي الأصوات التي دلّت وبصورة مباشرة على رغبة فئة عظيمة من الشعب تقدر بـــ65% للتغيير ورفض رموز النظام السابق، وأن الثورة لم تفشل كما يُراد لنا أن نعرف، بل تفرّق الأصوات بين أكثر من مرشح، مع وجود “شفيق” و “موسى” كان خطأً لا يُغتفر البتّة، وإن كان الأخوان تغيّرت مواقفهم وظهر طمعهم في السيطرة على كافة أركان ومؤسسات العمل السياسي في مصر، مع سكوتهم عن تجاوزات العسكر بحق المدنيين، بالتالي عدم احتساب مرشحهم “محمد مرسي” على الثورة، حتى وإن كان ضد “الفلول” أو رموز النظام السابق. إلا أنّ اتحادا بين “أبو الفتوح” و “حمدين صباحي” كان كفيلا بترجيح الكفّة، ووضع السباق الرئاسي في جولته الثانية “الإعادة” على صفيح ساخن، خاصة وأن حمدين صباحي، صاحب الحملة الإعلامية الأقل في الانتخابات -500 ألف جنيه (تقريبا 84 ألف$)- كان الحصان الأسود للانتخابات، ليس كونه مستقلا فقط،بل لأنه ناصريّ ولا يحظى بدعم التيارات الدينية، ولا النظام السابق. لذلك،كان دخوله وارتفاع أصوات منتخبيه، شكّل مفارقة عجيبة، خاصة لمنافسته أبو الفتوح وتفوقه عليه،ثم احتدام المنافسه مع مرسي وشفيق!.

          كما لا يجب أن ننسى، تصريحات الأخوان نفسهم من ضمانهم لكسب أغلبية الأصوات بنسبة تفوق الــ60%، بالتالي حسمهم لها من الجولة الأولى. والمؤتمر الصحفي المستفز الذي أقامه حزب الحرية والعدالة، والذي أقامه ليؤكد فيه فوز مرشحهم، رغم أن الأصوات لم يتم سوى فرز 5% منها، ورغم أن اعتمادهم كان على ما يقرب من 265 صندوقا فقط من  أصل 13099 صندوقا لــ27 محافظة! وهو الأمر الذي سيكون حجر عثرة لهم في الإعادة.

          وماذا بعد؟

          النتيجة النهائية لم تُعلن للآن، وربما تُعلن الثلاثاء –يوم نشر المقال- كأبعد تقدير حسب تصريح أمين عام لجنة الانتخابات المستشار حاتم بجاتو. والذي أكد أن الأرقام المنشورة للآن هي شبه نهائية،وليست نهائية. مع وجود تجاوزات يتم البحث في شأنها ضد الفريق “شفيق” في اصدار بطاقات مدنية لرجال “عسكرية”، مع تزوير أصوات وصلت لـ900 ألف!! وربما إذا ثبتت كافة هذه الادعاءات لاحقا، فسوف تكون فيصلا في حصر السباق الرئاسي بين مرسي وصبّاحي. وفيما يبدوا فعلا، أنه حينها صباحي سيكتسحها طالما الأخوان اكتسبوا كل تلك العداءات!. 

          ولكن، الأمور ذاهبة حسب التوقعات، إلى حصر الإعادة على “مرسي” و “شفيق”. وبالفعل،ظهرت أصوات من هنا وهناك، تنادي إلى وضع كافة الخلافات مع الأخوان جانبا، ودعم مرسي حتى لا تعود الأمور كسابق عهدها على أيّام مبارك، ويعود النظام ولو بصورة جزئية، إلى حضن أحد رموز النظام السابق، خاصة وأن شفيق أعلن في أكثر من موضع بعد الفرز، أنه سيحافظ على ا الثورة من مَن يحاول اختطافها – أي الأخوان-،وأنه كذلك، لن يتبع سياسات سلفه من النظام السابق الذي كان في يوم ما أحد قياداته ورموزه!!!!

          وحينها، من المتوقع تماما أن يلعب نظام الرموز السابق على وتر “التعهدات” التي أطلقها الأخوان بعد سقوط النظام، لأجل كسبهم لكافة الانتخابات البرلمانية والنيابية، وتنصلهم من هذه التعهدات، التي كانت أحدها تعهدهم بعدم تقديم أيّ مرشح رئاسي، ولكنهم تقدموا بمرشحهم. وكذلك توظيف مسألة المؤتمر الصحفي، كفضح لنوايا الأخوان اللاأخلاقية في التحكم بمقدارات البلد وسياسيته ومستقبله الخارجي والداخلي، بما يتسبب في أزمة فكر وأمن!، مع وضع في عين الاعتبار، أن وجود شفيق ومرسي فقط في جولة الإعادة، سيحسم أصوات أغلبية المسيحيين والأقليات وربما حتى السلفية كذلك، لصالح شفيق وحده!!

          مصر تنتخب الرئيس، وتنتفض لأجل الثورة أم عليها؟؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s