الأمعاء الخاوية،معركة ممتلئة النتائج!!


          حين تتواجد الرغبة في أيّ عمل سياسي، مهما تعددت أطرافه، واستحال تحقيق مطالبه، لا بد من تحقيق نتيجة ما،طالما أن العزيمة والإصرار على هذه المطالب، متجددة مستمرة، وأن الفكرة الأساسية هي أساس التنفيذ والغاية من هذا العمل، مهما تداخلت المطالب وتعددت الأفكار وتراكمت التداعيات إثر ذلك. ولكن،في القضية الفلسطينية التي يتم تداول ملفاتها من منصة لأخرى، وترعى أمور “معالجتها” دولة إثر دولة، وتُقام على إثرها المؤتمرات والندوات، لا زالت لم ترواح مكانها، وأن يرفرف علمها في الأمم المتحدة لا يعني شيئا طالما الفلسطيني في كل يوم يُهجّر من أرضه ويُشرّد، ويُسرق منه بيته،ويُمنع من السكن فيه.

          فما هي الرغبة السياسية؟

تتمحور مسألة الرغبة السياسية عادة، في وجود دولة ما، تسعى إلى نيل حقوقها حول أمر معين، سواء أرض تمّ احتلالها، أو القصاص من اعتداء حصل بحق أرضها أو مواطنيها، إلخ. وتسعى الدولة جاهدة حول توظيف كافة الخيارات المتاحة والممكنة لها، الرسمية والشعبية، الدولية والأهلية، حتى تصل إلى حل ما، أو نتيجة تحقق لها الفكرة الأساسية من القضية. وهذا مالم يحدث في يوم في الموضوع الفلسطيني، فلا الأرض عادت، والاستيطان توقف، ولا تهجير والتشريد انتهى،ولا أن الفلسطيني قادر بطريقة شرعية،أن يحمل السلاح ليسترد حقوقه، بل فيما نراه اليوم من مشهد سياسي،تبدو فيه “حركة فتح” وكأنها منسق إداري لإسرائيل، تُدير عنها شؤون الضفة ورام الله وما تيسر لها من ما بسطت سلطتها عليه!!

          لذلك،كان من الطبيعي جدا، أن نبحث عن حلول أكثر نجاعة، حلول تسهم إلى إضفاء الشرعية في المطالب المطروحة، وتُمثل صوت “الأرض والإنسان” لا صوت السلطة ومسؤوليها. ولم يبرع في هذا الأمر إلا عددا من المساجين، الذين ابتدأوا إضرابا مفتوحا عن الطعام، فيما عرفته وسائل الإعلام بــ “معركة الأمعاء الخاوية” والذي ابتدأه سجناء إداريين مثل بلال ذياب وثائر حلاحله، اللذان استمر اضرابهما عن الطعام لمدة 77 يوما، وانضم بعدها كلا من جعفر عز الدين وحسن الصفدي ومحمد التاج وعمر أبو شلال ومحمود سرسك، قبل أن يبدأ أكثر من 1300 أسير فلسطيني آخر في السجون الإسرائيلية، الإضراب تضامنا مع سجناء العزل”السجن الانفرادي” .

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو السبب وراء هذا الإضراب، الذي شكّل عامل ضغط لا طبيعي على الحكومة الإسرائيلية، خاصة مع تضامن العديد من الدول الأوربية ممثلة بشعوبها، مع حركة الإضراب، ومطالبة هذه الشعوب دولها للتدخل، مما ساهم بالضغط على إسرائيل للاستجابة إلى مطالب الأسرى.وكان أهم هذه المطالب هو إغلاق ملف العزل الانفرادي للمعتقلين، والذي يقضي بموجبه خروج الأسرى الذين مضى على عزلهم أو حبسهم في السجون الإنفرادية،أكثر من 10 سنوات متتالية، زنازين تفتقر لأبسط مقومات الحياة البشرية والنفسية والمادية،كذلك، السماح لأهالي أسرى قطاع غزة بزيارة أبنائهم في السجون، والذين تم حرمانهم عن رؤية أبنائهم وأهلهم منذ 6 سنوات.وكذلك تحسين الوضع المعيشي في السجون للأسرى، وغيرها من المطالب التي تكفل لهم كرامتهم الإنسانية.

مع العلم، أن هذه المطالب كان من المفترض بإسرائيل أن تنفذها فور إتمام صفقة الجندي الإسرائيلي “شاليط” الذي كانت حماس قد اختطفته وأسرته، وتم الافراج عنه وتسليمه لإسرائيل بعد خمس سنوات في 18 أكتوبر 2011، مقابل 1027 أسيرا فلسطينيا،منهم 315 أسيرا تم الحكم عليهم بالسجن المؤبد. وأتى مع جملة تلك المطالب، ما ذكرته سابقا حول إخراج معتقلين من زنازينهم الفردية. تم الإفراج عن المساجين، وماطلت إسرائيل حول بقية تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، حتى انتصر السجناء لأنفسهم في معركة الأمعاء الخاوية.

ومعركة كهذه، رغم أن بعض الوكالات العربية، أعطتها زخما لا طبيعيا، وبعضها الآخر اعتبرها انتصار لفلسطين على إسرائيل، إلا أنها لا تتعدى نتائجها حدود المنتظر لها أو منها من نتيجة، وهي ما تم الاتفاق سابقا عليه في صفقة شاليط. إلا أنها تُمثل في ماهيتها، قوّة الرغبة السياسية الحقيقية في تحقيق أهدافها، وهذا ما تمثل في إضراب الأسرى الذين تجاوزوا حتى السلطة الفلسطينية، التي تلكأت كثيرا في مناقشة وضعهم وحقوقهم على منصات الأمم المتحدة. واكتفت في كل مرة إلى الإشارة لا أكثر، حول هذه الحقوق في مجمل تقاريرها أو مطالبها للأمم المتحدة.

لكن السؤال، هل لو اتبع الفلسطينيون الطريقة نفسها في معالجة قضاياهم مع الطرف الفلسطيني، سيصلون إلى نتيجة؟

وهل رهان الأمعاء الخاوية، سيأتي بما مالم تستطع مفاوضات المكوك الأممي، وطاولات القضايا التي لا تُحل أن تأتي به..؟

أُعيد التأكيد، على أنّ فكرة مسألة الأمعاء الخاوية، أو معركة الجوع والكرامة، نتائجها مترتبة على أحداث سابقة، وأن إرغام الطرف الإسرائيلي على التحرك في اتجاه تحقيق رغبات الأسرى، مُرغما، في أساسه ما هو إلا استجابة مسبقة، تمّ التلكأ في تنفيذه. وأن معركة الأمعاء ساهمت إلى إحراج الطرف الإسرائيلي أمام الرأي العام.لكن، أن نكتشف مدى تجاهل السلطة الفلسطينية، لإتمام صفقة “شاليط”، لهو أمر مخزٍ في حقيقته، وأنها –أي السلطة- كل ما فعلته هو الاستناد على جدار هذه المعركة وتوظيف نتائجها لما يخدم حظوظها في الداخل الفلسطيني، في ظل النزاع/التنافس المستمر بينها وبين حماس.

الأمعاء الخاوية، ساهمت لإخراج 18 أسيرا فلسطينيا من سجنهم الإداري أو الإنفرادي، وإلى تحسين أوضاع الأسرى كافة والذين يبلغ عددهم 7400 أسيرا في السجون الإسرائيلية. ولكن، يبقى السؤال: هل استجابة اسرائيل لطلبات الأسرى، هو محاولة “لتلميع”صورتها أمام المواطن الأمريكي والأوربي، على أنها مهتمة في حقوق الإنسان؟ أم أنه مجرد تحايل على الوقت لا أكثر، لأجل تشريع قوانين جديدة، تتناسب مع تهم قادمة، تبرر فيها إسرائيل أعمالها الوحشية والمنزوعة الإنسانية ضد الأسرى الفلسطينيين؟.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s