الإنعطافة في الوضع السوريّ.


هذا الرجل، لا يستطيع أن يظهر ضعيفا أبدا، ولا أن يخسر مُلكا قدمه له أبوه ممتلأً بالأمراض والمشاكل، فهو الرئيس الشاب، الذي ورث حكما، في بلد من المفترض أنها جمهورية لا تُورث! وحين ورثها ورث معها تحديات الخارج،وفق المعادلة السياسية الجديدة التي تبناها في دعم “حماس” و “حزب الله” وتوافقه مع المسار الإيراني، وتكوينه كمحور سياسي عسكري، ربما لسبب رئيسي ومنطقي، وهو سقوط النظام البعثيّ الآخر في المنطقة عام 2003، في العراق. وربما لإدراكه مسبقا، أنه في لعبة السياسة العربية، لا أحد من قيادات الخليج العربي، أو مصر والمغرب العربيّ، يوّد إعطاء أي دور سياسي لسوريا. وورث كذلك كل مشاكل الداخل، الفساد السياسي والاقتصادي، مع ثأر أهل حماة وحمص،بسبب أحداث 1982، والتي اقترف فيها حافظ ورفعت الأسد جرائم إنسانية بحق أهاليها لقمع كافة التحركات الاحتجاجية هناك.

ورغم أن بعض الدول العربية، تتحرك بقياداتها السياسية نحو إسقاط النظام السوري الحالي، أو تنحي بشار عن الرئاسة كأقل المطالب، إلا أنها تعلم يقينا أن مسألة انقلاب الأدوار وتعددها، لربما يطولها عاجلا أو آجلا، لذلك، قيام بعضهم بتنشيط مسألة “المذهبية” في ثوب شعبيّ بحجة أنها مطالب العامة، هو أمر كالعِقد، الذي تدور حباته، وحبله عبارة عن خيط دقيق، ما إن تزداد حركة دوران “الحبّات” حتى ينقطع الخيط! وهو الأمر الذي يبدو أن بعض حكام الشرق الأوسط لغرورهم، أن لهم القدرة في في افتعاله وإيقافه. في حين، أنه كان الأولى الاعتماد على بنيان الدولة عبر تفعيل الحياة السياسية فيها، وكافة مؤسساتها.

الوضع السوريّ اليوم خارج النطاق الذي كان يتوقعه الكثير، أنه مجرد “ثورة” ستنتهي بالإطاحة بنظام الحكم، مهما طال الأمر قليلا، ومهما حمل في طيّاته قليلا أو كثيرا من العنف. ولكن، حتى أكثر الناس تشاؤما أو تفاؤلا، لم يكن ليتصوّر أن المسألة ستتحول إلى صراع مذهبيّ مرير، وأن المعركة التي كانت غالبا نراها في لبنان، انتقلت بيسر إلى سوريّة، ومن باب الدول المتصارعة كلها، ولكن المعركة هنا، ليست فقط معركة تلاسن، وإسقاط حكومة لتشكيل أخرى، كما كانت في لبنان، بل تحوّلت إلى معركة سلاح،وحوار يُدار بالرصاص، ونتائج تُقاس بالدمار والخراب والموت. ولا يخرج علينا أحدا ليقول أنّ ثمن الحريّة غالٍ، لأن الوضع هنا ليس مسألة “شعب على كلمة واحدة” خرجوا ضد نظامهم، بل مجرد فصيل من الشعب. ولا أن المسألة هي احتلال، وخرج أهل الأرض ليطردوا المحتل.

القضية السورية، وبعد أن نجح “حافظ الأسد” في الاستقلال بالقرار السياسيّ لها، وجعلها بلاد ذات دور سياسي ومحوري، وعزلها عن نطاق تحكم الدول العربية الكبرى من المشرق والمغرب، إلا أنها اليوم، وبفعل فاعل حقا، ذاهبة إلى أن تكون “مكبّ” دمار وخراب، وعقدة شرق أوسطية جديدة، سينشغل بها العرب بعيدا عن قضية فلسطين، وغيرها من قضاياهم الأخرى، وأكاد أجزم بما يُثير القلق، أن الأمر يُراد لنا في أحد جوانبه، أن نفهمه وكأنه قلق أمريكي إزاء اسرائيل في حالة ذهاب نظام الأسد، ويُراد لنا كذلك، أن نعتقده “نضال روسي إيراني صيني” لعدم خسارة مكامن قواهم، إلا أن النتيجة أو “مجرى الأمور” هي عادة الحسم، وهي انزلاق العرب كافة إلى معركة أيّا كانت نتيجتها، فهم فيها جميعا خاسرون، ف إيران مستمرة في برنامجها، حتى وإن سقط الأسد، وتركيا ماضية في تنامي اقتصادها وسطوتها، حتى وإن بقي الأسد، فهل من متعض؟؟

الذين يخرجون علينا اليوم ببيانات إدانة “لقتلى” الجيش الحر، أو المتظاهرين، ويتعاطف معهم لدرجة تأليب العامة من الشعب العربي،ويتعمد بثّ مقاطع فيديو من هنا وهناك، وكأن النظام السوري سيسمح بوجود مصوّر ليشهد على جرائمه، ثم يوزعها بعد ذلك هنا وهناك، ماذا يقول في قتلى الطرف الآخر؟؟ وماذا يقول في قتلى التفجيرات؟؟ وماذا يقول في القتلى الذين يسقطون برصاص الجيش السوري الحر؟؟ لماذا لا يتم حتى تجريم الذين يدعمون الطرفين، وليس الاكتفاء فقط بدعوتهم، بل نهيهم وإيقافهم ومعاقبتهم إن لزم الأمر، أم أن المسألة هي فتح شركات السلاح لخزائنها، حتى يحققوا ما خسروه في أزمة الاقتصاد، ومن ثم، سيأتي وقت الإنسانية؟؟

لا أشك مطلقا، أنّ استمرار الوضع على ما هو عليه، لن يقود في الأخير إلا إلى تقسيم الأرض السورية، طالما العرب راضون مطلقا بهذا السيناريو، أسوة بالسودان، والتي فيما يبدو أن العراق وليبيا واليمن، سيُصيبهم الأمر نفسه. ولا أشك مطلقا، أن “تُجّار” السياسة، من مسؤولين ومثقفين ومنظرين ومؤسسات إعلامية، تعمل ليل نهار لأجل شغل الرأي العام بقضية سوريا، وإلهاءه عمّا يحدث في السودان وليبيا واليمن، بل إلهاءه عن القضية الأم، فلسطين. وتصوير أي خلل أو خطأ يحدث من ثوّار “سوريا” على أنه التفاف أمني من أجهزة الدولة لتشويه الثورة السورية. في حين، أننا كنا نعلم، أن مسألة حرب الشوارع والعصابات هي مرحلة ستعيشها سوريا، وأن وجود أيادٍ خارجية، ستعمل على نشر عملائها ومرتزقتها، سواء من الأردن والمغرب وتركيا، أو أمريكا عن طريق العراق، وسيعمل هؤلاء على التفجير هنا وهناك، واستهداف عددا من شخصيات النظام لهزّ أركانه، أو استهداف بشار بشخصه أو أحد أفراد عائلته، حتى يتضح لباقي الشعب السوري، مدى ضعف الدولة ونظامها في حفظ الأمن.

ولكن،لا أعتقد أن لا أحد يعلم بالسيناريو أعلاه، وأن المسألة باتت مجرد عملية “إصرار” ولا تراجع، عن الانتقام، خاصة بعض القيادات العربية، الذاهبة بملف تصفية الحسابات قُدما، حتى وإن عني هذا إبادة الشعب السوري نفسه بنفسه.

ما أستطيع الجزم به،نجحت أمريكا في اختلاق أزمة جديدة، بعد أن فشلت في ذلك عام 2006 في حرب تموز، واستطاعت أن تدقّ مسمارا جديدا على جدار نعش ما كان يُعرف بالوطن العربيّ، ولن أتفاجأ مطلقا، حين أرى غدا قوة حفظ دولية تتكون من جنود “أتراك” تنتشر على حمص وحماة، بحجة حماية أهاليها من جور النظام. ولكن العبرة في الأنظمة العربية التي لا زالت تمارس لعبة البيع والتخلّي.

 

Advertisements

3 Replies to “الإنعطافة في الوضع السوريّ.”

  1. أخي نبهان:
    – في سوريا 18 جهاز مخابراتي مهمتها عد الانفاس ومراقبة الناس.

    – في سوريا رجل ورث الحكم عن ابيه في ظل دولة جمهورية وليست ملكية.

    – في سوريا تم تغيير الدستور في ظرف دقائق من أجل أن يأتي ابن الرئيس.

    – في سوريا يتحكم أقارب الرئيس وموالوه بعصب الاقتصاد والحياة ولا يتركون للبقية سوى الفتات.

    – في سوريا حزب واحد فقط هو من يحكم والبقية في حكم الخونة

    – في سوريا اشياء كثيرة خاطئة هي ضد مبادئك وما تنادي به.

    تنتقد كثيرا الوضع في عمان (وهذا حقك ورسالتك)، علما بان الامور لدينا (برغم كثير من السلبيات) لا تقارن بما يحدث في سوريا في مجال الحريات والاعلام وووووووووو..الخ.

    لماذا نتخذ من امريكا وقطر والجزيرة والعربية شماعة لتبرير مواقف معينة؟

    لماذا امريكا وقطر ووووو هم رأس الشر والفساد بينما نتجاهل عن عمد ما تفعله القيادة السورية

    لماذا لا نقول بانه لو كان هناك حكم (شبه) رشيد، و(بعض) من العدالة الاجتماعية لما حدث كل ذلك هناك.

    أوليس الجيش الحر والعصابات(المسلحة) هم سوريون في الأساس؟ هل هم خونه ومرتزقه وعملاء بالفطرة؟ لماذا – لو اتفقنا انهم مجرمون ومخربون – لا نلقي بالتهمة على من كان وراء تعليمهم وتربيتهم ..اقصد النظام.

    لو كان الاسد حاكما (شبه) عادل..ألا يستطيع ان يخرج بلاده من هذه الازمة؟

    لماذا لا تقول بان من يحكم سوريا هي عصابة متشعبة المصالح فوجئت بان هناك حشرات تجرأت على القيام ضدها وهذا امر غير معتاد عليه في بلد رجل المخابرات فيه اقوى من الوزير.

    لماذا نكرر نظرية المؤامرة والعمالة والتخوين وننسى اساس المشكلة؟

    هل لمجرد اننا ندعي القومية والعروبة ووووووو

    هل لمجرد ان من تعرض للظلم او من قام بها هم من مذهب مختلف؟

    لماذا نتجاهل آلام الناس وفي نفس الوقت نطالب ليل نهار بالحريات في بلدنا ولا نكف سياط نقدنا عن ولاة أمرنا؟

    لماذا؟؟؟؟؟؟

    1. نبض وطن
      أهلا بك في مدونتي أولا
      وثانيا.. كتابتي عن الوضع السوري،ليس من منطلق الدفاع عن بشّار، وكتابة الحقائق لا يعني ميلي للنظام، ولكن، هي تساؤلات حول عدم انتهاج بعض الدول العربية والعالمية إلى التعامل مع الوضع السوري بعقلانية،وكأن أمر سقوط النظام شيء سيحدث بسهولة،وهذا ما كتبته منذ 10 أشهر،بسبب قوّة المؤسسة العسكرية هناك من جهة، وعدم وجود الدعم الكافي للثورة من جهة،وهو ما تمثل في وجودها في أجزاء معينة من سوريا..فلا يصح أن نُدين كافة أعمال القتل والتدمير مثلا من جهة النظام فقط، وننسى أن النظام في ققتله وقصفه إنما يُحارب جيشا آخر، وهذا أمر شائك..
      فهل أجد الجواب لديك، ما رأيك في الجيش السوريّ الحر نفسه، ألم ينتقد أداءه حتى صفوف المعارضه؟
      ما رأيك في المجلس الانتقالي السوري؟
      ما توقعك للشأن السوري بعد سقوط بشار؟
      ماذا عن الأغلبية المؤيدة للنظام؟

      أما عن الوضع في عمان، أعتقد أنني لم أدعوا إلى إسقاط النظام، ولا إلى ثورة على النظام، ولا إلى إزالة السلطان، دعوتي في عمان إلى الإصلاح وملاحقة المسؤولين المفسدين مهما كانت مناصبهم أو انتماءاتهم العائلية ولا أدري وجه المقارنة بين هنا وهناك!!!

  2. اخي نبهان

    عندما يسيطر أحدهم أو بعضهم على مقدرات دولة بأكملها لسنوات طويلة ويحكمونها بالحديد والنار ويزرعون الرعب الأمني في كل شبر منها ويسحقوق كل من يفكر (فقط) أن ينتقد وضعا ما ، فلا تتحدث بعدها عن معارضة ضعيفة أو مجلس وطني مفكك أو جيش حر عليه ملاحظات ما او عن معارضة قليلة العدد.

    حسني مبارك في عز عنفوانه كان عدد المنتسبين الى حزبه 3 ملايين، وهو نفس الحال لزين العابدين والقذافي وغيرهم.

    يا سيدي ليس كل الناس لديهم الشجاعة الكافية لقول لا في وجه دبابة او مدفع او رشاش هم يعلمون جيدا انها ستوجه ضدهم لو قالوا لا.

    وجود مليون مؤيد مقابل مئة الف متظاهر ليست معادلة حقيقية ولا يمكن الاخذ بها.

    مصر الناصرية (مع فارق التشبيه بين الرئيسين) كان يخرج في مظاهرتها الملايين ايام التنظيمات الطليعية والاشتراكية. اين ذهبوا بعد وفاة جمال؟

    يا سيدي لا يجب ان نحاسب الشعوب فقط على تشرذمها او ضعف ثوراتها او الفوضوية الناتجة عن تلك الثورات. فلو كان هناك حكم به شيء من العدالة والديمقراطية والحرية لما حدث كل ذلك.

    لا يعقل ان تحكم بالحديد والنار ثم عندما يفيض الكيل بالشعوب وتثور نصفهم بالفوضوية والهمجية.

    ما يحدث هو نتاج لسياسات اولئك الحكام وليس الشعوب.

    لا يمكن ان يكون المنطق : اما بشار وحكمه واما سيحدث كذا وكذا

    لا بأس من فترة فوضى انتقالية حتى ولو طالت قليلا مادامت ستتبعها نسائم حرية وتغيير عندما تبدأ الشعوب في تقرير مصائرها

    لماذا لا نقلب الآية ونتحدث عن تدخل ودعم روسي وايراني ولبناني وفنزويلي وكوبي وصيني أم ان هذه الدول هي من تمثل ضمير العالم والبقية هم العكس؟؟

    الطفل الذي ثار في درعا وادلب ودير الزور وحماة وحمص وريف دمشق وكل بقعة(عدا بعض قرى الساحل السوري العلوية) لا اعتقد انه يعرف امريكا او سمع بقطر أو قرأ عن الامبريالية والصهيونية.

    هو فقط يحلم بوطن جديد.

    دمت بود

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s