إيران.. مشكلة لا تنتهي.


ليست إيران هي المعضلة في الحقيقة، فالدول التي عادة ما تنتصر لقضيتها، وتمضي فيها إلى آخر الدرب، نجد التاريخ دائما ما يذكرها بالنصر، وإلا لسمى الفتوحات الإسلامية في التاريخ، بتدخل الدولة الإسلامية في الشؤون الخارجية.. أو أطماع الدولة الإسلامية! ذلك أنّك في بناء قوّتك.. من حقك أن تُشرّع لنفسك ما يحفظ أمنك من جهة، وما يُتيح لك بناء الدولة التي تتطلع لها، وتأسيس علاقاتك الخارجية، التي تساعد على بناء الدولة، من ضمنها تكوين الحلف والمحاور، التي تحفظ لك السير على خط مبادئك السياسة، بوجود قوّة في الأرض.
وفي الحالة الإيرانية، لدينا نظرتين متناقضتين، الأولى، تتعلق بإيران الشاه، حينما كانت تقوم بدور “شرطيّ” الخليج، وقتها، كانت أغلبية الأنظمة العربية على توافق تام مع الدولة الإيرانية، حتى مسألة “الجزر الثلاث” الإماراتية، لم تكُن تشكل مشكلة في العلاقات الخليجية الإيرانية، وكان العرب في رضى تام عن الدور الإيراني، وتوجهاته وإدارته لأمن الشرق الأوسط. أما الثانية، فتتعلق بإيران الخمينية، أي ما بعد 1979، بعد سقوط الشاه، فجأة عاد الحديث عن “الأطماع الفارسية” والدولة الصفوية، إلخ. وأصبحت إيران أخطر من الوجود الإسرائيلي الصهيوني في خصر الوطن العربيّ. وقام صدام حسين وقتها، مدعوما من قوى عربية، وبمباركة غربية أمريكية، في شنّ حربا على إيران استمرت لما يقرب من الثماني سنوات،، لم ينتصر فيها أحد.. ولم تسقط الثورة الخمينية، لتبدأ مرحلة جديدة في سياسية الشرق الأوسط.
هذه المرحلة، كان من الطبيعيّ فيها، أن تتعامل إيران وبعد الحرب العراقية، بنوع من الحذر، وبسياسة سوء الظن كذلك، خاصةً وأن عددا من دول الخليج لازال للآن مركزا إقليميا للقوات الأمريكية، حيث تنتشر فيها القواعد الأمريكية المجهزة بأحدث المعدات، والتي تباشر كافة عمليات المخابرات العامة والعسكرية في الشرق الأوسط. بالتالي، كان من الطبيعي جدا، أن نشهد في الأداء الإيراني، نوعا من التمرد على السياسة المعتدلة لدول الشرق الأوسط، واتجاه إيران إلى ممارسة كافة الأساليب المتاحة أمامها لتأمين حدودها، ودولتها ومصادرها، لذلك تجدها في فترة العقود ال3 الماضية، ورغم الحصار الاقتصادي والعداء الدائم مع الدول الكبرى، إلا أنها حققت نوعا من الاكتفاء الذاتي، في أمورها الزراعية والصناعية، مع الاعتماد على الصين وروسيا، في النهوض ببنيتها الصناعية، مع الظهور دائما أمام الرأي العام على أنها ضحية “العقوبات الاقتصادية”!.
وأحد مفاجآت إيران السياسية الكبرى، استقبالها لــ ناجي صبري، وزير الخارجية العراقي أيام صدام حسين، تحديدا في بداية مارس 2003، لأجل حثّ إيران على الوقوف بجانب العراق في مواجهة أمريكا، واعتذارها عن عدم التدخل في هذا الشأن والتزامها الحياد!!!!
ولكن.. ملفات مثل جزب الله و حماس ومؤخرا سوريا، أشعلت فتيل المواجهة الدبلوماسية مجددا بين العرب وإيران، وساهمت إلى حد ما، في عودة التأجيج المذهبي على السطح السياسي، وهي وظيفة يقوم بها السياسيين العرب عادة، حينما يفقدون كافة أسلحتهم السياسية والدبلوماسية في مواجهة الطرف الآخر.
ولعل، الجولة الأخيرة للمفاوضات الإيرانية مع دول الغرب، والتي اشترطت إيران أن تكون الأخيرة في اسطنبول، على أن تبدأ في 23 مايو في بغداد، كانت تأديبا قاسيا من إيران لجارتها التركية، على مواقف الأخيرة في الشأن السوري، خاصة وأن إيران اتجهت إلى تليين المفاوضات، والدخول فيها بعروض مغرية، مما جعل مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، تتحدث عن أن: المفاوضات ستجري على أساس مبدأ خطوة خطوة والمبادلة. ناهيك عن غضّ الطرف عن مشروع إيران النووي، طالما أنها ستلتزم في التخصيب بما دون 20%، طالما أنها ستلتزم بكافة بنود الاتفاقيات المقبلة.
في الحقيقة، هذه الخطوة لم تمثل “هزيمة” للتوجهات السياسية الإسرائيلية في تأليب الرأي العام الدولي ضد المشروع الإيراني، والذي كادت معه في لحظات ما، أن تقنع أمريكا بضربة عسكرية سريعة. بل كذلك هزيمة للعرب أنفسهم، ففي الوقت الذين يبحثون فيه تضييق كافة المخارج الاقتصادية لها، خدمة لهم في الحصول على مكاسبا سياسية في جولتهم السورية.
لا تنتهي القضية الإيرانية، ذلك أن كافة الأساليب والأدوات التي تستخدمها الدول العربية، والخليجية خاصة، ليست مناسبة أبدا.. ولا تتوافق مع المرحلة الحالية، ففي اللحظة التي تعمل فيه ماكينات عددا من الدول العربية، في تصوير إيران بخطر أكبر من إسرائيل، وفي نفس الوقت، تمد هذه الدول يدها باتقاقيات عسكرية وسياسية واقتصادية مع إسرائيل، من الطبيعي جدا، أن يكون هناك خللا في المواجهة، ومن الطبيعي جدا، أن نصل إلى مرحلة نُبيح فيها لكافة المؤسسات الإعلامية، أن تتجاوز المنطقية في الطرح، وأن نستقدم كافة كتّاب السلطة والأهواء السياسية، ليتحدثوا بطريقة “الشتم” و “التحقير” و”الاتهام” و “التخوين”.
الخطأ ليس في إيران “القوية”، التي ربما أمر ما لا نتوقعه، سيذهب بثورتها في مهب الريح.. بل الخطأ في الدول العربية الضعيفة، المستكينة لرغبة الدول الكبرى، وتجعل كافة علاقاتها وسياساتها الخارجية، مرهونة بالقرار الخارجي، والمزاج السياسي الخارجي، حتى إذا ما توصلت هذه الدول الكبرى لمعادلة سياسية جديدة تخدم مصالحها في مرحلة ما، كانت الدول العربية، هي من يحمل تبعات السياسة الماضية.
ماذا لو، استطاعت إيران أن تجد لعلاقتها مع أمريكا والدول الأوربية مخرجا؟
ماذا لو، توافقت الرؤى السياسية بينها وبين الدول الكبرى؟
ماذا لو، توفرت الظروف والعوامل، التي تُمكن الغرب من تقاسم كعكة الشرق الأوسط؟؟
أعتقد، أنه حينها لن يكون لبرنامج إيران النوو أيّة مشكلة، بل بالعكس، في حالة اعتراف إيران بالدولة الصهيونية، وتوقفها عن دعم حزب الله وحماس. لكن المفاجأة الكبرى، أنه وفي لحظة توظيف إيران لكافة خياراتها الاقتصادية والسياسية، في منطقة الخليج العربي خاصة والشرق الأوسط عامّة، ستكون كأ شريك استراتيجي آخر، ومرضيّ عن كافة توجهاتها السياسية وخطها السياسي، مثلما كان صدام في لحظة ما، حامي العروبة والإسلام، ثم تحوّل إلى ديكتاتور ومغتصب ومدمر، بعدها أصبح شهيد الأمة وأسدها!

Advertisements

One thought on “إيران.. مشكلة لا تنتهي.

  1. في البداية أشكرك على نظرتك الثاقبة في السياسة الإيرانية – وثانيا أوجه كل الأنتقاد لدول الخليج العربية والتي تتساهل مع دول الغرب وتكذب على نفسها فكل سياسات الدول العربية تحت سيطرت أمريكاء والدول الكافرة فكل الأسف لهؤلاء الحكام العرب الذين لا يعرفون الدين ولا العروبة فجميعهم خونة وعبيد لأمريكاء ودول الغرب .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s