الانتخابات المصرية، وأثرها على الحالة العربية.


ليس من باب الصدفة أن ترى العديد من القنوات العربية، وخاصة المصرية، تتجه إلى إظهار المرأة “بالحجاب”، ولا من باب الصدفة أن تكتشف أن في القاهرة الكثير من المحلات التجارية يتعطل عملها نهارا الجمعة، ولا من باب الصدفة أن تكون “لغة” الدين” حاضرة في كلّ كبيرة وصغيرة… ولا أنه من باب الصدفة كذلك، قبل إغلاق باب الانتخابات المصرية بعدة أيام، تظهر أمام الناس “الحقيقة الصدمة”، في كشف حقيقة أن أحد أقوى المترشحين في مصر، وهو “حازم صلاح أبو إسماعيل”، أمّه تحمل جنسية أجنبية، وليست أيّة جنسية.. هي الجنسية الأمريكية! وضرب معقل “الأصوليين” في مصر بضربة شبه قاضية، على كافة أحلامهم وتطلعاتهم للوصول إلى سدة الرئاسة، في ظل الانقلاب السياسي الكامل للمشهد المصريّ.
ولا أنه من باب الصدفة كذلك، أن يتم فتح أحد ملفات “خيرت الشاطر” المرشّح الإخواني على الساحة، وابعاده بعد ذلك، ولا أنّه من باب الصدفة.. أن يتم استبعاد مرشحا كـــ “عمر سليمان” الذي لا ندري أيّ صديق سوء دفع به أوقنعه بضرورة الترشح. فاليوم في مصر.. القضية لا تتعلق بأشخاص المترشحين أنفسهم، بل الانتقال من لعبة “شق الصف”، إلى لعبة “فقد الثقة”، والتجهيز للحضور العسكريّ في شخصية الرئيس المقبل! أو من يرتضيه المجلس العسكريّ خليفة لمبارك!. كل ذلك يحدث، وسط انشقاق الصف “الثوري” في مصر الذين انشغلوا “بتقاسم” وليمة الثورة من جهة، والتواجه من جهة أخرى.
ولربما، في دفع الأخوان بالمرشح البديل “محمد مرسي”، أحد الاحتياطات التي وضعها الأخوان في لعبة القط والفأر المكشوفة التي يلعبها مع العسكري، إلا أنه، وباسم القانون، لا تدري مالذي سيكشفه أو يفعله العسكري في مقبل الأيام، وباسم وحدة مصر أو أمنها وأمانها، خاصة وأن العسكري عمل على الظهور أما كافة الأطراف، وكأنه على مسافة واحدة منهم، وأنه لا يُؤيد طرفا على آخر، إلا أنّه فيما يبدو، يتعامل في درجة إقصاءه لكافة الأطراف بوتيرة واحدة، ولا نعلم الغد القادم لمصر.. حتى موعد الانتخابات، ما الاضطرار القادم الذي سيحتجّ به المجلس العسكري، لأجل نقل مصر لمرحلة جديدة، مرحلة لطالما ارتسمت ملامحها أحيانا، وهي قبضة “طنطاوي” على مجريات الحياة السياسية المقبلة.
وعودة لنقطة البداية.. كان في الدفع “بالتيارات الدينية” بمختلف ايديولجياتها الفكرية، في المشهد السياسي، إحراجا لهم من جهة، عبر زجّهم لعملية سياسية متعددة الأراء والتكوّنات، ووضعهم أمام مواجهة جديدة يضطرّون من خلالها للتعامل مع واقعية العمل السياسي، انطلاقا من الوضع السياسي العام، ومواجهة لمواقفهم السياسية السابقة، للداخل المصري، وعلاقتهم بكافة الأطراف، وموقفهم من السياسات الخارجية والملفات الساخنة في العلاقات المصرية خاصة فيما يخص إسرائيل. وهو ما حقق “نجاحا” منذ المرّة الأولى، أي وقوع التيار الديني في الفخ! حين اتضح أن كافة الأطراف الدينية، ملتزمة بتعهدات الدولة المصرية مع الجانب الإسرائيلي، وأن الأمور لا تكون كما يتوقعها البعض، ستأخذ منحىً متطرفا مع الجانب الإسرائيلي.
الحالة المصرية، عادة ما ينعكس أثرها على بقية الدول العربية، أكثر من غيرها، بالتالي، ممن الطبيعي أن تتعاون عددا من الدول العربية مع المجلس العسكري حول أمرين: تعتيم المشهد السياسي بعد الثورة بالفوضى وعدم الاستقرار، تغليب وجود التيار الإسلامي “الإخوان والسلفية” في الساحة السياسية، ففي الأولى، طريقة أو رسالة لا مباشرة لبقية شعوب المنطقة العربية معناها: أن لا فائدة من الثورات التي ما جلبت على أهلها إلا الكساد وغياب الأمن، وكذلك، وبطريقة لا مباشرة، وضع الجماهير العربية أمام “التجربة السياسية للتيارات الدينية”، استباقا لدحض شعبيتها، عبر كسر شوكتها من خلال نزع هبيتها في فشلها السياسي. والنقطتين أعلاه، هدفان أساسيان، لاستمرار وجود “التخوف الدائم من التغيير” في بقية الدول العربية، وربما حتى في دول الربيع العربي نفسها، وتأمين عدم تنامي الرغبة في وجود أيّ دور للتيارات الدينية في العمل السياسي.
لذلك أعود وأكرر، أن في تفعيل التواجد الديني في القنوات الفضائية، والصحف اليومية، وإبراز كافة “أثار” التواجد الدينيّ في المشهد المجتمعي والاقتصادي وحتى السياسي، ما هي إلا طريقة لصدمة الناس، وقياس مدى تقبلهم لهذا الوضع، بل، وشغلهم كذلك بقضايا بعيدة عن المطبخ السياسي نفسه، مثلما حدث فعلا، حول تركيز بعض المترشحين في قضايا الحجاب والشواطئ والملاهي. الأمر الذي يدفع بالناس، وبطريقة لا مباشرة أو مباشرة، إلى رفضهم للدولة الدينية، أو، رفضهم لدولة تحت قيادة رجل ينتمي لمؤسسة أو تيّار ديني ما. وهذا الأمر، حتى وإن كان الإخوان، أهل سياسة ويُتوقع منهم الرضوخ أو التماهي مع أيّ مرحلة مقبلة، إلا أنه من الممكن أن يصطدموا لاحقا، بأي تطوّر سياسي حرج، سيضع مصداقيتهم ومهنيتهم في وضع لا يُحسدون عليه، بالتالي، انسحاب بساط الرئاسة عنهم، وذهابها مباشرة، لمرشح النظام السابق، والعسكر كذلك، عمرو موسى.
وبعيدا، عن مسألة التوظيف السياسي لأية قضية، أو في أيّة مرحلة، فإن الانتخابات المصرية، في حالة أن شهدت غياب لمرشحين بارزين مثل : حازم صلاح أبو اسماعيل، وخيرت الشاطر. فإنها ستدخل أمام مرحلة جديدة، لا بد من الحذر في قراءة تداعياتها، أو نتائجها، فوجود محمد مرسي مرشحا للأخوان، ليس بالضرورة أنه سيسهم في ترجيح كفّتهم، طالما أنما هناك مرشح رئاسيّ آخر، وهو عمرو موسى. الذي في حالة فوزه بالرئاسة، بإمكاننا القول حينها، أن الأمور في مصر لم تتغير عمّا كنت عليه قبل 11 فبراير، وأنّ التغيير في الأسماء، لأن النظام القديم في صورة أو جزء منه، لا زال باقٍ.
في غزوة أحد، انهزم المسلمين لأنهم انشغلوا “بجمع” غنائم الحرب، والمعركة لم تنتهي أصلا، فأطبق عليهم المشركون وهزموهم. اليوم، وفي الحالة المصرية، ترك الثوّار ميدانهم، لينشغلوا بحروبهم الصغيرة، في ملاحقة “الغنائم” الوهمية، أو تصفية الحسابات القديمة، أو اتهام طرف ما طرفا آخر، بأسبقيته في تواجده بالميدان، وتركوا الإصلاح السياسي الذي كنا ننتظره منهم، فنتج هذا الخلل السياسي المُربك، الذي وضع الثورة المصرية وأسباب نهوضها، في مهبّ الريح.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s