مستقبل الحريّات في العالم، ونظرية التعدد.


ليس الحرية أن تقول رأيك أو تنشره دون شرط أو قيد، بل الحريّة أنّك في لحظة إبداء رأيك، تجد الرأي الآخر، يُنشر بجانب رأيك، دون مقص أو رقيب. وليست الحريّة، أن تخرج “متظاهراً” بحريّة دون أن تقف في وجهك أيّة قوات أمن أو عسكر، بل الحريّة أن تلتفقت إليك كافّة الأطراف المعنية، وتأخذ المظاهرة ومضمونها موضع التنفيذ، لا الالتفاف عليها بحجة أنهم شباب متحمس!. وليست الحريّة، أن تُتيح كافة الخدمات الرقمية، والإتصالات، وتعمل من جهةٍ أخرى، على ملاحقة الأطراف التي تعترض معك في الرأي، وتصدر القوانين التي تضيق عليهم، بحجة الأمن أو التشهير أو أيّة تهمة.
حينما تجد دولة ما، تُيتح مساحة ما، ضيّقة أو واسعة، من الحريّات، ولكنها، من جهة أخرى، تستهين برأي غيرها، وتجد في كلّ عمل تقوم به، هو عمل نخبويّ، وأي رأي غير رأيّها النخبوي، هو مجرد اجتهاد شعبيّ بحت، لا يستند على أيّة تجربة أو خبرة سياسية، حتى وإن كان هذا الرأي هو رغبة جماهيرية متساوية، وليست طلبات فئوية أو طائفية أو مذهبية، فهي دولة “تدعي” الحريّات، وأنها تمرر ديكتاتوريتها، في أشكال “حريّات” معينة غير مؤثرة على تسلّطها السياسي أبدا، أشكال حريّات لا تتعدى “حرية الدين والمعتقد” والملبس، وحريّة اختيار لون الحياة. بعيدة جدا عن الحقوق، والمشاركة السياسية الفاعلة في القرار السياسي للبلد.
ولعلّ الوعي الجمعي لمختلف فئات الشعب حول أهمية الحريّات الأساسية، التي تُوفر لهم إمكانية المشاركة في القرار السياسي، مع إمكانية رسم سياسات البلد الداخلية، وعي مهم ومطلوب لكافة المراحل، وهو الأساس الذي يخلق نوعا من العافية في الممارسة السياسية للسلطة والمجتمع. ولكن، حينما تصل السلطة إلى مرحلة، ترى فيها أن أيّ مشاركة شعبية، هي تدخل في شؤونها، فهذا يعني، أن هناك أطرافا في المؤسسة الرسمية، أو في السلطة، تتقاطع مصالحها في هذا الأمر، وأنهم، بطريقة أو بأخرى، يسعون إلى إبعاد رأي المجتمع، أو صوته، حتى تُتاح لهم فرصة رسم المشهد السياسي كما يريدون، وحتى يتمكنوا بطريقة أو بأخرى، إلى وضع صورة نمطية ثابتة في ذهن المجتمع، وهو أنه غير جاهز أبدا للقيام بدوره السياسي، وأن هذه الخطوة تسبقها خطوات معقدة، تتطلب جهدا ووقتا، حتى يصلون لمرحلة تُمكنهم من الممارسة السياسية السليمة.
وحين تعمل السلطة، على إشغال الرأي العام، في متفرقات عدة من نمط الحياة اليومية، ويظهرون أمام الرأي العام، عبر إعلامهم أو كافة الوسائل المتاحة للتواصل مع المجتمع، على أنهم قد هيئوا مساحة كافية، لشكاوي الجمهور، وتقبل مقترحاتهم، في عمل المؤسسات الرسمية في البلد، أو في انتقادهم لأداء أي مسؤول أو أيّة مؤسسة، دون عمل هذه السلطة، على إتاحة الفرصة لهذا الشعب، إلى التواجد في المراكز السياسية، التي تتيح له ليس فقط المشاركة في صنع القرار، بل حتى مراقبة أداء الحكومة أو المؤسسة الرسمية، بالتالي، توفير إمكانية إطلاعهم على خبايا عمل السلطة، وهذا بالتأكيد ما تحرص السلطة ذات الطابع الديكتاتوري “الناعم” إلى عدم توفيره لأي شعب أو مجتمع تتحكم فيه.
اليوم، وأمام دولا قطعت شوطا طويلا في التجربة الديمقراطية، وأمام دولا أخرى، لا زالت كما عهدها البشر منذ قرون، على ديكتاتوريتها، تظهر لنا عددا من الممارسات، التي بالتأكيد أصبحت تهدد الحريّات، وتعمل على تكريس العالم، إلى أن يكون “نمطيا” لا يحمل إلا صورة واحدة، ولونا واحدا، وشكلا واحد. عالم لا يحتمل نظرية التشارك والعيش المشترك. فالولايات المتحدة مثلا، المدافع الأول عن “الصهيونية”، لا زالت لليوم تمارس نوعا من القهر السياسي المستمر دوليا، بحجة أمن الدولة الإسرائيلية، وهو ما تمثل لنا اليوم في موقفها من الأزمة السورية، وامتناعها عن “تسليح” الجيش الحر، ليس حُبا في بقاء النظام السوريّ، ولا اعتراضا على التشكيل السياسي للجيش الحر وأطياف المعارضة، وإنما حرصا على سلامة الدولة الإسرائيلية لا غير، وهو الأمر الذي باتت تركيا، وحرصا على مصالحها الاقتصادية العمل جاهدا للتمريره، واكتفاءهم بلعبة إنهاك “القوى” السورية من كافة الطرفين، حتى إذا الوقت الذي يقضي فيه طرفا على آخر، يكون هذا الطرف مستعدا لتلقي أيّة إيدلوجية تشترطها عليه أيّة قوى، خاصة القوى التي ستمده بالمال والبناء والتقنية.وعليه، أصبح أيّ رأي لا يتفق مع السياسة الأمريكية إيّاها، أو الأسلوب التركيّ، هو رأيّ مناهض للحريّة.
كما شكّل ظهور الإسلاميين، وصعودهم في للعمل السياسي، أزمة ما كانت في الحسبان، وهي ازدواجية العمل السياسي، في مواقف ما قبل الثورات وما بعدها، وفي مدى ممارسة السياسة الخارجية لأيّ بلد، وبقاءهم على نفس الأداء لحكوماتهم التي كانت قبل الثورات. أما داخليا، رفض الإسلاميين للنمط العلمانيّ، ورفض العلمانية للنمط الإسلامي، عليه، نشوء حركات فوضوية في أداء العمل السياسي، تتضمن التشكيك الدائم المستمر في نوايا أيّ فئة.
ليس هناك خطر على المجتمعات، كخطر الأنظمة الديكتاتورية الناعمة، الأنظمة التي تمارس سلطتها وتمرر ديكتاتوريتها، محليا أو خارجيا، في صور متعددة، منها الحفاظ على “كيان التعددية” وبالتالي حفظ الأمن لضمان استمرار هذا الكيان وهذا التعايش. أو، الدفاع عن حقوق مجتمعات أخرى باسم الديمقراطية أو الدين.
الديمقراطية السياسية لا تتجزأ ولا تتلون، وحتى إن كان في تطبيقها من دولة لأخرى، يعتمد على التشكيل المجتمعي لهذه الدولة، إلا أنها في طريقة تنفيذها وممارستها لا تختلف أبدا. ويجب فعلا، على أيّ دولة، خلق ليس قناة تواصل مع الشعب، بل توفير الفرصة المناسبة التي تتيح له المشاركة في العمل السياسي، دون أيّ تدخل في طريقة توزيع هذه الفرص عبر تمرير شخصيات موالية مطلقا للسلطة، أو عبر بنود تُعطل من فاعلية هذه المشاركة، والاكتفاء بجعلها مشاركة “إسمية” أو “صورية”. من أجل إظهار هذه السلطة نفسها أمام المجتمعات الأخرى على أنها مطبقة للتفعيل السياسي والعمل الديمقراطي في أداءها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s