وعن تلفزيونها وإذاعتها وصحافتها


إذا امتلكت “أمةٌ” إعلاما واعيا، يقوم بدور المُصلح الذي يضيء للأمة دروبها في عتمات التجارب والاحتدام والتنافس. كاشفا للخلل في المجتمع وأركانه وهيئته، ناهضاً بصوت المجتمع، ورغباتهم وطموحاتهم، إعلاما.. عبر مرئياته وسمعياته ومقروءاته.. يُساهم في توعية المجتمع وتثقيفه، في: ما له من حقوق وما عليه من واجبات… وينهض بفكر المواطن بما يسمو من مكانته.. لأصبحت شعوب العالم كلها بخير.
ولكن.. حين يتحول إعلام أيّ دولة، إلى بوق يتحدث باسم الدولة، ولا نرى من خلاله غير الدولة، ولا نقرأ فيه إلا عن الدولة.. ويُصبح أداةً للترويج، لبرامج الدولة وتبرير “قوانينها” وخططها ورؤيتها، فلا تبكي على غدك الذي ستكتشف في لحظة ما أنه قد سلب منك، ولا “تحتجّ” على القرار الذي يرسم مصيرك، حينما لا تجد أنّك ساهمت في صنعه ووضعه، لأنّ الإعلام قام بالدور كاملا،، وسخر كل إمكانياته ليكون كالمخدر، الذي ينسيك للحظة الألم.. ولكنه لا يُنهيه.. كالمخدر، الذي يمرر كافّة “الاستفهامات” عبر عقلك، دون أن تُدرك غرابة للأمر ودون أن تطرح سؤالا واحدا حولها.
في عمان.. كان إعلامنا مصابا بمرض “عضال توعوي”، ويلبس نظارة تُخفي عنه كافّة الحقائق التي لا بد له من رؤيتها، ولا يُتقن غير أن يكون مايكروفونا لكل مسؤول حكومي، وألبوم صور وصوت وفيديو، للسلطان في حلّه وترحاله وجولاته وخطاباته.. وكأن المواطن الذي فيه، مجرد مواطن يدعو للسلطان، ويشكر السلطان، ويثني على حكمته ورشادته وسموّ قيّادته.. وإذا ما تم افتتاح مشروع ما، أو الإشارة لإنجاز ما، أو الوقوف على تقرير ما، وجدت عبارة “في عصر النهضة المباركة والقيادة الرشيدة لحضرة صاحب الجلالة” أو ما شابه العبارة أو أو ما اتفق معها في المعنى، حاضرة في كلّ مشهد سياسي، واجتماعي، وصحي وتعليمي وإعلامي و..إلخ.
وكان الإعلام، لا يُمثل في عمله أيّة صلة بالإعلام، هناك التلفزيون والإذاعة والصحافة.. ولكن ليس هناك عمل تلفزيوني يحترم عين المشاهد، ولا برامجا إذاعية تستوعبها أذن المستمع.. ولا لغةً مكتوبة أو مقروءة ترقى بعقل القارئ.. إلا ما أُتيح فيه للناس مسافة للفكاهة والفن.. ومساحة للتحرك عبر ما يجب التحرك فيه. فغاب عمل الإعلام الحقيقي، وظهرت علينا عقولا بمختلف الدرجات الوظيفية، يُقررون ما يجب أن يُرى.. وما يجب أن يُسمع، وما يجب علينا قراءته… وأصبح الموظف في الإعلام.. هو الإعلامي.. وهو المذيع، وهو الممثل، وهو المؤلف، وهو الكاتب.. إلخ.
تغيّرت مسميات الإعلام إثر التحركات الاحتجاجية لفبراير 2011، وإن كان التغيير حدث متأخرا جدا، ولكنه حدث.. وأصبحت هناك هيئة معنية بالتلفزيون والإذاعة، واختزل عمل وزارة الإعلام على الصحافة وحدها. وتغيّرت صفوف القيادة للمؤسستين، وأُدخلت فيها دماء الشباب من الوسط الثقافي والعلمي، في خطوة يٌراد لنا منها أن نفهم وأن ندرك أو نتوقع.. أن هناك تغيّرا قادما.
وما يُراد لنا توقعه.. أخذناه على محمل الجد، واستبشرنا خيرا، وقلنا، أن هناك وجوها ستعمل فعلا على التغيير، وأنّ التلفزيون الذي لطالما تم تغييب المواطن عنه، يظهر باسم المواطن.. وكذلك الإذاعة، وفعلا، تنوّع الطرح، وتنوّعت القضايا، واختلف الرأي.. وبدأنا نراى رأيا ورأيا.. وصوتا وصوتا.. ونشهد المسؤول تُطرح عليه القضايا والمشاكل.. يُبرر ويفسر ويعد بالحل.. كما لم نشهده سابقا من قبل.
ولكن.. وفي خضّم فرحتنا بهذا التوّجه.. انتبهنا لنقطة حسّاسة جدا.. وهي: لا زال الإعلام بكل مكوناته المرئية والسمعية والمقروءة، يروّج للحكومة لاغير.. ولا زال صوتا لها وعونا.. وأنّ في معرض طرحه لقضايا الوطن.. تُطرح المشكلة.. ولا يُطرح السبب في هذه المشكلة. وأنّ الشباب الذي يتدفق على برامج الهيئة الإذاعية والتلفزيونية، يتم امتصاص غضبه بظهور تلفزيوني أو إذاعي.. ثُم كل شيء يعود إلى ما كان عليه..!!!
ولا زلنا عند بوابة “تضافر الجهود” التي يرمي بها المسؤول على طاولة المواطن حينما يتهرب من فشل مشروع ما أو عجز الوزارة التي هو عليها في أداء مهمة ما.. وأن كل تلك النقاشات السااااااخنة التي يتم التطرق إليها في “حوار الشباب” التلفزيوني، أو “هذا الصباح” و “حديث الشباب” الإذاعيين.. وكذلك “مع التحية”، مجرد سوالف “معصّرات”.. النقاش حولها لا يتعدى في حقيقته “حل مشكلة مواطن ما”.. ولكن، ما “الخلل”؟ ومن سبب “الخلل”؟ وكيف حدث “الخلل”؟ ولماذا لا يتم محاسبة مسبب “الخلل”؟ لا زالت أسئلة لا إجابة عليها،، ولا تملك الهيئة بتلفزيونها وإذاعتها إلا العرض والاستعراض.. ثم التوقف!!!!
وكذلك الصحافة.. التي لم تتوانى في طرح قضايا “غريبة” نوعا ما، كقضية الأراضي الأخيرة.. التي لا نعرف “البطل” فيها، ولا أننا نعرف المتسبب في نزيف الأراضي هذه!! وفي الحقيقة، أن الصحافة لا زالت تخلو من عمل “تحقيقي”، وأنها تأخذ ما يأتيها.. أي لا زالت تعمل بمنطق “التعليب” والنشر. فلو أرادت الصحافة، لاستطاعت مثلا الوصول إلى بلاوي توزيع الأراضي وبألاف الكيلومترات على المسؤول الفلاني والمسؤول الفلاني، ولعرفت كيف تصل للسبب، ولعرفت سبب صمت بعض الموظفين في “الإسكان” على هكذا تجاوزات. ولربما لو اشتغلت الصحافة وعملت بمهنية الصحافة، لدخلت إلى المستشفيات مثلا، واكتشفت البلاوي التي تعاني منها مستشفياتنا الحكومية.. في البنيان والأجهزة والطاقم الطبي.. ولاستطاعت الدخول إلى المؤسسات التعليمية، لتقف على هزالة التعليم وتجارة العلم.. ولا ستطاعت أن تتقصى فساد أيّ مؤسسة، وكشف مصدره.. ولكن هذا ما كان ليحدث في يوم.. لأن التغيير المطلوب في هذه المرحلة هو تغيير امتصاص الغضب لا أكثر..!!!
المعركة التي تخوضها المؤسسة الرسمية اليوم، هي سحب كافة أنواع التأييد من تحت أقدام الشباب المطالب بالتغيير والإصلاح والمحاسبة.. وذلك من خلال ظهورها أمام العامّة أنها تسعى للتغيير، وأنها تتعقب الفاسدين الذي يبدوا أن لا أسماء لهم ولا بيانات .. وربما لا وجود من أساسه.. بالتالي إشغال الرأي العام في قضايا تلهيه في منتدياته الإلكترونية وصحفه المحليه والواتس أب والفيس بوك.. وينشغلون هم بإعادة “تطبيق” سياسة الانفراد بالقرار السياسي.. والابتعاد به.
لا زلنا نترقب التغيير الحقيقي لكافة المؤسسات الإعلامية، ولا زلنا ننتظر العمل الجاد.. والصورة الجادة والفكرة الجادة، ولا زلنا نريد جيلا إعلاميا مهنيا احترافيا.. لا مجرد وجوه من الماضي تستجلب لنا لدغدغة مشاعرنا.. ولا مجرد برامج.. في تعددها وكثرتها، إلا أنها لا تتجاوز حقيقة أنها لا تمثل إلا وجهة نظر المؤسسة الرسمية.

Advertisements

One Reply to “وعن تلفزيونها وإذاعتها وصحافتها”

  1. السلام عليكم ورحمة الله … نعم بأن حقيقة الأعلام في السلطنه كانت ولازلالت بهذا المنطلق … ولكن بأسمي انا كمواطن عماني أقول من الافضل بأن تستمر على هذي السياسه … لأن الدول التي تدعي حرية الاعلام لانرى فيها الا المشاكل … لكم كل الود

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s