القمة العربية الجديدة.. أم العرب الجُدد؟


الأُمة إذا تفرّق “جمعها”، ضعُف قرارها. ويُصبح أي عمل تحت أيّ عنوان، قليل الفائدة، إن لم تنعدم، ما عدا فيما يتعلق بأمور الاقتصاد والتجارة، والتي عادة يتم تفعيلها بجودة نادرا ما نعهدها في العمل السياسي العربيّ، لارتباط المصالح الاقتصادية هذه بالحُكّام أنفسهم من جهة، ولأنها تمثل عوائد ضريبية جيدة للدولة من جهة أخرى، لذلك تجد الاهتمام بها لافتا للنظر عادة. وعادة، ما يكون لدى هذه الأمة الضعيفة القرار، اهتماما “متدني جدا” بالإنسان. وعادة، ما تكون الأحداث هي من يُسيّرها، وليست هي من يخلق الحدث ويُنظمه. لذلك من الطبيعي أن يكون أيّ قرار ناتجا عنها، قراراً مخيبا للآمال!.
ولعلّ الملف “السوريّ” الذي في فترة ما، جعلنا نعتقد، أن العرب؛ ثلثهم أو نصفهم أو كلّهم، لربما يتفقون، غباءً أو تسرعا أو اعتباطا، إلا أنهم ذاهبون إلى اتفاق ما، وتكالبت كافة الأطراف واتفقت، واجتمعت ظروفا سابقة بأخرى لاحقة، تصفية الحسابات بالمظاهرات والاحتجاجات، حتى وصلنا يقينا، أن العرب فعلا ذاهبون إلى حرب ما، وأنهم فعلا استطاعوا تدويل “القضية السورية”، وأنها لحظات قليلة جدا، وسنشهد قنبلة جديدة، ستنفجر في سوريّا، وأن بلاد الشام، ذاهبة إلى اقتتال طائفي مذهبيّ، ونسينا جميعنا، سواءً المؤيدين لسقوط بشّار، أو الرافضين للحل العسكريّ مع الحل السياسي، أن أيّ تحرك يقوده العرب، ما هو إلا كــ “حراك العرائس” الذي يختبئ فيه صاحب الصوت والحركة الحقيقي تحت الخشبة أو خلفها، ويُظهر “أراجوزا” ليُعبّر عنه ويفعل، ما لا يستطيع هو فعله!
ورغم أن القمة قامت أعمالها بغياب “بشّار الأسد”، الذي لا أشك في لحظة، أن هذا الغياب تمّ “الاتفاق” عليه مسبقا مراعاة لمشاعر الجمهور العربيّ الرافض له، إلا أنها خرجت بتوصيات ثبتت من أركان حكمه نوعا ما، فأن تتبنى القمة مصطلحات مثل “أكد بيان القمة على موقف القادة العرب الثابت في الحفاظ على وحدة سورية واستقرارها وسلامتها الاقليمية وتجنيبها اي تدخل عسكري”، يعني تخلي بعضا من العرب الذين كانوا ذاهبين وبحماسة “الصعلكة” السياسية إلى تسليح “الجيش السوري الحر، عن التسليح العسكري. أي بمعنى أكثر قسوة: التخلي عن كل الثوّار والمتظاهرين.
وأن يشمل البيان كذلك : “ودعا القادة العرب المعارضة السورية بكافة أطيافها لتوحيد صفوفها وإعداد مرئياتها من أجل الدخول في حوار جدي، يقود إلى تحقيق الحياة الديمقراطية التي يطالب بها الشعب السوري”، يعني أن هناك إيمان صرف من قِبل القمة وقادتها، أن هناك نوع من التخلخل في صفوف المعارضة في الخارج والداخل السوري، وأن الإتفاق بينهم يشوبه نوعا من القلق، والارتباك. وهو الأمر الذي لطالما أنكرته عددا من الدول العربية، وكانت ذاهبة إلى إقناع الرأي العام الدولي، للمواجهة العسكرية لتكرار التجربة الليبية.
ناهيك عن النقاط الأربع التي ارتكز عليها الرئيس التونسي – يُحسب على اليسار العربي وأنه ابناً شرعيا للربيع العربي- لحل الأزمة السورية والتي حصرها في: “رفض التدخل العسكري ورفض تسليح المعارضة وتكثيف الضغوط السياسية والعمل على دعم الحكومة الانتقالية من خلال ارسال قوة سلام عربية مستقلة تمنع المخاوف من بروز العنف الطائفي”، وإن كنّا علمنا عن النقطتين الأوليتين في مؤتمر أصدقاء سوريّة في تونس، إلا أننا لو أمعنّا النظر في الثالثة والرابعة، لوجدنا أنّه حلّ أقرب للسذاجة السياسية نوعا ما، ذلك، وأن الأزمة السورية في أوجها وفي أوج المواجهة، وحين كان الجيش الحر يسيطر على عددا من المناطق، لم ينجح الضغط الدوليّ، أما العنف الطائفي، فليست العبرة في منعه “المؤقت”، بل في نزع شوكته، وعدم تكرار تجربة “لبنان” التي أصبحت فوق صفيح ساخ قابل لاشتعال في أيّة لحظة حسب المعطيات الخارجية المحيطة بها، كالوضع السوريّ مثلا.
فهل بعد كل ذلك “التوتر السياسي” نوعا ما، الذي رافق الاحتجاجات والمظاهرات للثوّار السوريين، وطريقة النظام السوريّ في التعامل معها، هل كنّا نتوقع توصيات القمة أن تخرج بهكذا شكل!
منذ البداية، كان الكثير من المحللين السياسيين، والسياسيين، عربا وغربا، ينصحون إلى معالجة الوضع في سوريا سياسيا، وأن الثورة في شكلها الذي هي عليه، لا ترقى إلى أن تكون “ثورة” شعب، ليس لأن الداعيين للتغيير عادة يكونوا قلة، بل لأنّ أكبر مدينتين سوريتين “دمشق” و “حلب” لم تشهدا الوضع الثوري نفسه الذي في حمص وحماة، ولأنّ بعض الدول العربية، ومعهم أمريكا، استغلت الوضع لتصفية حساباتها مع النظام السوريّ، وإلى إشعال فتيل “المواجهة المذهبية والطائفية” عبر الفتاوي والدعم “المبتور” كذلك.
القضية السورية لم تنتهي، وتوصيات قمة “بغداد” بشأنها، لا تُقدم في الأمر شيئا ولا تُؤخر، ولا أنها تمثل نهايةً لموقف عربيّ كان، أو بداية لتراجع ما، وفعلا إن كان في الحل العسكريّ، نوعا من المغامرة “اللامحسوبة” العواقب، التي عادة ما تحدث في ظل وجود نظام يحتفظ بمؤسسة عسكرية قويّة ومنظمة، لم تؤثر عليها انسحابات ألافٌ من جنودها وضباطها، وأنها فيما يبدو، تعمل بمنطق المواجهة الحذر، فإلى جانب تأمين النظام ورجالاته، والمواجهة العسكرية الدامية مع الجيش السوري الحرّ، تحتفظ بجيش لا بأس به عددا وعتادا، لأية مواجهة عسكرية محتملة ذات أيّ طابع.
ما يجب أن نخلص له من نتيجة، أن عامل “الوقت”، الذي لطالما اعتمدت عليه أمريكا وعددا من الدول العربية، إلى اختلال النظام السوري، ونشوء عددا من الانسحابات في صفوف النظام من وزراء ومقربين، لم يُعطي نتيجته، ولا بدّ أن نعترف، أن النظام نجح فعلا إلى توظيف أمنه وقياداته العسكرية والسياسية والدينية كذلك إلى ضمان بقاء سلطته للآن. وإلى تغيير نكهة المواجهة، من طبيعة الثورة، وأنها ليست سوى مطالب مواطنيين سوريين بالتغيير، إلى أزمة طائفية ومذهبية، يتخللها أفعالا إرهابية!!!.
الحلول أيّا كانت، سياسية أو عسكرية، إذا تخللتها العاطفة، وقادتها المصلحة، من الطبيعيّ أن يمون نتيجتها الفشل غالبا، وإن تم النجاح لها، فهو نجاح ظاهريّ وقصير المدى، لأنها حلول قائمة على نظرة الزوايا المتناقضة، وقراءة الأوضاع من نصوص مبتورة وقاصرة، وهذا يعود دائما إلى غياب الواقعية في التعامل مع الأزمات من جهة، وإلى عدم وجود “الحرفنة” في العمل السياسي.

Advertisements

One thought on “القمة العربية الجديدة.. أم العرب الجُدد؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s