المثقف، والسياسة.


أسوأ السياسة، هو أحسنها، وهي ما خالط عملها وتنظيمها، المثقفين! فبين النظرة المستقبلية لأية عملية سياسية، ووضع كافة التطورات المتوقعة لها، وتخطيط أية مرحلة تنفيذية لها. وبين التداخلات “المزاجية” والنظرة “الفوقية” التي عادة ما يتسم بها فريق من المثقفين، الذين يعمدون إلى حصر أية عملية سياسية بهم، وكأن ملامح أيّ مشهد سياسي، لا تتكمل صورته إلا بهم، وبأفكارهم. وهذا ما يتسبب في جزئية ما في العمل السياسي، إلا أن عدم نجاح الكثير من العمليات السياسية، بسبب اقتصار العمل فيها على الجوانب النظرية، وغياب الوعي الواقعي لهذه النظريات، أو سوء تنفيذها وتطبيقها على أرض الواقع، وما يصحب ذلك من إقصاء لعدة أطراف في العملية السياسية، وانفرادية في القرار.
وحين أيّ عمل مناهض أو موافق، لعمل أيّ مؤسسة رسمية حاكمة في أي بلد، كيفما كان لون هذه المؤسسة ملكية أو جمهورية، عادة ما يتصدر المثقف هذا العمل، ولعل الوعي السياسي التاريخي، والمجتمعي، من الجانب المعرفي، والتي يكتسبها عادة المثقف من خلال اطلاّعه الواسع، ولكن ليس من خلال التجربة! ولعل أهم التحديات التي يواجهها انخراط أيّ مثقف في العملية السياسية، اليوم وسابقا، هي مجموعة التناقضات التي حتويها العملية السياسية عادة، وعدم إمكانية توافق النظرية مع الواقع. فالتجارب التي عادة ما يُكتب لها النجاح في بلد، ليست بالضرورة قابلة للتطبيق الكامل، أو حتى الجزئي في بلد آخر.
ولعل في تجارب “الاشتراكية” و “الشيوعية” أحد أكثر التجارب التي أثبتت فشلها في الواقع السياسي العربيّ خاصة، ولا ندري، هل سبب هذا الفشل نابع من عدم تواءم الفكرة مع طبيعة المجتمع العربيّ، أم أنّ قصور التطبيق، واستقلالية القرار في المشهد السياسي، وتنفيذ عددا من الخطط والأعمال، رغم أهميتها للمواطن العربيّ، إلا أنها ليست بالضرورة تُمثل له أهمية كانت، وفي الحقيقة، إلى الآن في الوطن العربيّ، نفتقد إلى التجربة السياسية الناضجة لأي من الإيديولجيات السياسية، فليس العبرة في وجود نظام متشبه “بالشيوعية” مثلا، أو قائمة فكرته على أساس ديني مذهبيّ بحت، بقدر قدرة هذا النظام على الاستمرارية، وهذه الاستمرارية عادة لا تتحقق، إلا من خلال اقتناع كافة الأطراف أو أغلبيتها بطبيعته وشكله وهيئته، بحيث، أنه حتى لو وُجدت المعارضة، لا يكون وجودها اعتراضاً على طبيعة النظام، بل على عمله لا أكثر، حسب سياسة الأحزاب والفَرق لك كيان سياسي.
المثقف، دائما ما يسقط في فخ “النرجسية”، ففي اللحظة التي لا تعترف فيها السياسة عادة إلا بأحد أمرين: مدى إدراك المُمارس لها لأهمية اتقانه لقذاراتها، ومدى تواءم كافة تحركاته وتوجهاته مع نبض الشارع الذي يُكسبها شرعيتها. ففي الأولى، يتضح أن العملية السياسية ليست مجرد نظريات تبحث عن تطبيق، بغض النظر عن مدى قابليتها للتطبيق أو لا، بل هي مجموعة محددة من الاتجاهات الفكرية، والممارسات، في الشأن الداخلي والخارجي كذلك، أي بمعنى آخر، شاء المُمارس لها أم أبى، اصطفاف معيّن، لا بد أن ينخرط فيه، اصطفاف يُحدد وجهة العمل السياسي، وإلى أي المعسكرات الدولية ينتمي، وهو ما نراه اليوم فعلا يتمثل إلى غياب ما يُعرف “الحيادية وعدم الانحياز”. فكونك تنتمي إلى أرض ما في بلاد ما، أو قريب من دولة ما، أو تخضع منطقة النفوذ التي دولتك فيها، إلى سياسة دولة كُبرى، أو منظومة دوَل؛ فهذا يعني أنك تنتمي إليها بشكل أو بآخر. وأن أيّ قرار داخلي أو خارجي، يكون شكلا من أشكال هذا “الاصطفاف”. ولذلك، تجد عددا من الدول، تُثير عددا من القضايا في مجالات متنوعة، مثل الديمقراطية أو المذهبية أو الطائفية، ولكن، تستغرب لعلاقاتها بالدول الأخرى، التي عادة ما تكون مرتبطة بدول دكتاتورية، أو إمبريالية.. إلخ. وكذلك، وعادة ما يكون لهذا المثقف توجها معينا، قوميا مثلا أو غير ذلك، فيكون في مرحلة اصطدام في ممارسة عمله السياسي، منتصرا لفكرته، أو في مرحلة ذوبان في مصلحة بلده “العليا”، بالتالي التخلي عمّا كان يُؤمن به من مبادئ وثوابت!!!
أما الأمر الآخر، وهو مدى تواءم هذا العمل السياسي مع نبض الشارع، المُمثل له، والذي من المُفترض أنه يُشكل الشرعية له. نجد أنّ المثقف عادة، ما يتناسى أن الشعب مجموعة أو أغلبية من الناس، لا تهتم بمنظومة القوانين وآلية تفعيلها، بقدر اهتمامها بمدى الفائدة “العاجلة” المُنتظرة من هذا النظام، أي مدى تحقيق النظام للاستقرار الاقتصادي، بتفاوت الطبقات طبعا، لهؤلاء الناس. فالبسيط، يكتفي بما يُوفر له الأمان في قوت يومه، وأصحاب الثروات ما يُحقق لهم استمرار توسعهم وعدم تضييق الخناق عليهم. وفي كلا الحالتين، وفي حالة وجودهما فعلا، لا تجد هذا الشارع مهتما عادة بالنظريات السياسية الأخرى! وهو الواقع الذي رغم فجاعته، إلا أنه يُشكل حال الكثير من الشعوب خاصة العربية. وهو الذي يُشكل كذلك أحد أكبر التحديات التي يواجهها المثقف في العمل السياسي، المناهض أو المُوالي.
فمن الذي يُلفت نظر الناس إلى الخطأ في أيّ عمل سياسي؟
من الذي يُوجّه الناس لنوعية الاحتجاج حول المطالب والحقوق؟
أليس عادة ما يتصدى المثقف لهذا العمل؟ بلى، ولكن الكثير من التجارب اليوم، تُثبت لنا، أنه حالما يتم الانتقال من المرحلة الأولى، والتي تتمحور في المطالبة بالحقوق، فإن أوّل الخارجين من المشهد التالي، هم المثقفين، وذلك، لغياب الحاجة إلى وجودهم كما يتصور بعض الناس، وإلى اتهامهم بعدها بأنهم لا يهتمون عادة إلا على بما يُساعد على ظهورهم على حساب مطالبهم واحتياجاتهم.
لا أستطيع الجزم إلى عدم أهمية وجود / غياب المثقف من أيّ عملية سياسية، أو تحول سياسي. ولكن، يبقى التنظير، مهما كانت النظريات قابلة للقياس والتطبيق بعدها، أو عدم ذلك، من أهم المراحل الأولية لأية عملية سياسية، ولكن، هذا لا يعني بالضرورة أن يكون أصحاب النظرية هم قادتها، فالعمل السياسي الحقيقي، هو ما يعتمد على الكفاءات، والكفاءة هنا لا تعني بالضرورة الانتماء لفصيل سياسي ما دون غيره، بل مدى إجادة القائم على العمل، في تنفيذ مصالح الناس، بكفاءة وقدرة عالية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s