الإلهاء السياسي والحقيقية اللا حقيقة!!!


الحياة السياسية، جدران يعقبها جدران، وجميع هذه الجدران، في سماكتها أو هشاشتها، إلا أنها بالتأكيد نجحت وبطريقة مثيرة إلى لفت شعوب المنطقة، عن قضايا المنطقة الأساسية، أو عن قضايا الأمم الكبرى، التي لازالت لليوم تعيش حالة سياسية اقتصادية متعثرة، حالة حرجة أكثر مما نتوقع لها، وخطيرة بما سيعمل في المستقبل القريب أو البعيد، إلى خلق أزمة عالمية كبرى، ستسهم إلى “خلق” خارطة سياسية جديدة، لا ندري المصالح التي ستحكم ملامحها، ولا الأطراف التي ستؤسس لبناءها، ولكنها بالتأكيد، مرحلة سيشدها العالم القادم، وسيكون قادتها أو قادة حراكها القادم، غير الأطراف الحالية. وهنا، دور الإلهاء السياسي الحقيقي الذي نعيشه.
ولعل في الربيع العربيّ، أكثر “الجدران” سماكة وحصانة، الذي استطاعت القوى العالمية الكبرى، ومعها بعضا من الدول العربية، إلى التخفي خلفه، والإعداد لكافة خططهم ومؤامراتهم على مهل، أو ربما على عجل كذلك، خاصة وأن الربيع العربيّ، الذي كانت بدايته، من تونس ومصر، بداية شعبية بحتة، ولأسباب داخلية محلية لكل بلد، غير مرتبطة أو مرتهنة لأي من الحسابات الخارجية، وهو الذي يفسر لنا سرعة التغيير الذي حصل، والإطاحة برأسي النظام في الدولتين. لكن الحالة اختلفت بعدها في الوضع الليبي، إثر تدخل “قوّات الناتو” في حسم الأمور جميعها، وهو الأمر الذي بدأ اليوم ينتج عنه مشهدا سياسيا مستقبليا مخيفا للحالة الليبية، أحد ملامحه هو التقسيم!
هذا الجدار –الربيع العربيّ- لا زالت القوى الكبرى اليوم، تحتمي فيه، وتتخذه الذريعة التي تساعدها على إبقاء الأمر سياسيا تحت تصرفها، وضمان عدم انفراط عقد الطاعة، مثلما كان سيحدث في تونس ومصر، لولا تدارك الأوضاع مع القادة السياسين الجُدد والمجلس العسكريّ. بما يضمن للوضع المصري مهما بلغت تطوراته وحدته وعنفه، أن لا يصل للحالة التي تثير القلق على الوضع الإسرائيلي، وهو الحاصل الآن.
واتعاظاً بالتجارب الثلاث التونسية والمصرية والليبية، خاصةً الليبية، لا بد لنا من الوقوف جليّاً على النتائج المرتسمة على الوضع الحالي، ومدى الفائدة “الإصلاحية” التي كنّا نأملها إثر أيّ تغيير، لا الاكتفاء بسقوط نظام ونهوض آخر، وكأن الربيع العربي ليست مهمته إلا إسقاط الأنظمة، ثم التفرج على الأوضاع على ما بعد ذلك، دون الإسهام حتى في أن يكون لهذا الربيع حضورا على المشهد السياسي الجديد. وإشارة للحالة الليبية، لأجل ربطها بالحالة السورية، الذي نظامها للآن لا زال يملك قوّة عسكرية استطاع وبعد مرور عام كامل على الثورة السورية، أن يُحافظ على عرشه السياسي. والإشارة هنا مرتهنة بشيئين أساسيين:
– ضرورة الالتفاف الشعبي الواسع، والخروج من دائرة اللون الواحد لها، أي ضرورة تنوع الأطياف الممثلة للثورة السورية، من ناحية المذهب الديني أو السياسي، أو الدين.
– تجنب الحالة المسلحة قدر الإمكان، لضمان وجود التأييد الشعبي الغالب، بالتالي التمهيد لسحب التأييد الشعبي الكبير الذي يحظى به النظام كذلك.
ولعل في انشغال الليبيون إلى إسقاط القذافي مهما كان الثمن، أحد أهم الأسباب التي منعت القائمين بالقرار وقتها إلى عدم “دراسة” الوضع ما بعد القذافي بصورة سليمة، والقيام بتجميع كافة ملامح المشهد السياسي المحتمل، وترتيب كافة القطع، بما يرسم الحالة الكاملة أو شبه الحالة الكاملة.
السؤال: إذا كان ومنذ سقوط بغداد 2003، تستمر أمريكا إلى تهديد إيران بالخيار العسكريّ في حالة عدم توقفها عن نشاطها النووي،فلماذا لا تضربها الآن؟؟
ولكنها للآن لم تستطع الابتعاد أكثر مما يتمثل إلى وضع العقوبات الاقتصادية، وهي التي رغم تأثيرها “الأكثر من طفيف” على الحالة الإيرانية، إلا أنها ومع وجود دول ذات سياسة دائمة الازدواج، مثل روسيا والصين، لا زالت إيران قائمة وبقوّة، وهي المعركة التي تلقي بأوزارها اليوم على الحالة السورية، كيف ذلك؟؟؟
بعد سقوط بغداد، المدّ الذي لاقى صعودا لافتا من كافة الأطراف في المنطقة، والجميع، بقصد أو غير قصد، احتضنه وأيّده، تنامي “الانتماء المذهبيّ” والتخندق خلف ألوان سياسية أساسها “المذهب والطائفة”، لذلك، وجدت إيران لنفسها مساحة شاسعة لا حارس لها، واستطاعت أن تكون “الحامي الوحيد” لكل شيعيّ مهما كانت توجهه الفكري والسياسي، وهو ما شهدنها في حرب تموز 2006، حينما كان السند الوحيد لحزب الله اللبناني أمام إسرائيل، إيران وسوريا.
وهو ما نشهده اليوم بالتأكيد، إلى تجنّب أمريكا أيّ ضربة عسكرية، خوفا على مصالحها المكشوفة للأيرانين في العراق والخليج العربيّ، ناهيك عن احتمالية كبيرة جدا، إلى تعاطف الشيعة العرب إلى الجانب الإيراني، بسبب النزعة المذهبية الخانقة والموتورة، إثر الحالة البحرينية، التي انقلبت للضد تماما في الحالة السورية، وانقسام الشارع العربيّ للأسف الآن إلى أراء مذهبية بحتة، وإن خالطها “الإنسانية” من جانب ما، إلا أن هذا الإنقسام، كفيل إلى أن يُعطينا الصورة المستقبلية للحالة العربية، التي تحوّل معها الربيع العربي إلى تصفية حسابات وترتيب أوراق لا أكثر.
الإلهاء السياسي الذي تقوم به القُوى الكبرى، في الانتصار لثورات دون أخرى، والحرص على تغيير سياسي هنا وهُناك، تغيير مدروس تماما، رجالاته معروفة، وسياسته معروفة، ما هو إلا ستار لهذه القوى نفسها، يسمح لها في مداراة أزماتها الحقيقية السياسية والاقتصادية. لذلك، ففي الحالة السورية، ليس صراع لشعب مع نظامه، بقدر ما هي صراع قوى، وحسابات جديدة للآن الاتفاق حول وقت ولادتها وشكل الوليد لم ينتهي.
الإلهاء السياسي، حينما، تجد كافة القنوات العربية والعالمية، وأغلب الصحف، والكتّاب والصحفيون، منشغلون حول حالة ما، يكتبون ينتقدون يُحللون يُؤيدون يشجبون يتابعون يمتنعون يتحاربون…. إلخ، والقوى السياسية والاقتصادية، خلف هذا الإلهاء يتابعون رسم شكل سياساتهم الجديدة، الطويلة المدى أو القصيرة، بما يتناسب مع الرضى العام من ناحية الشكل، وبما يُوافق كافة سياساتهم من ناحيية المضمون!!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s