المصريون.. في نفق التجربة الضيّق!!


          أسوأ السيناريوهات التي تتحقق، هي أن تصدق كلمة القائد الفرنسيّ نابليون :الثورة يقوم بها البسطاء، ويحصدها الخبثاء.ذلك أن الثورات على مرّ التاريخ، فعلٌ يقوم بها عامّة الشعوب، حتى وإن كان بها قادة، إلا أن نارها ووقودها هم عامّة الشعب، الذين يخرجون للمطالبة بحقوقهم، وإسقاط كافة أشكال الظلم والقهر عنهم، شعوب تكسر حواجز الخوف والرهبة من النظام الحاكم والمتسلط، وتعتلي قمّة الحرية مقدمة الدماء والأنفس في سبيل ذلك، دون أن يثنيها الموت والقمع النفي عن غايتها. الثورات الحقيقية، هي ثورات الشعوب التي لا تخرج إلا انتصاراً لحريتها وكرامتها، خارج داوائر: المذهبيات الضيّقة، والأديان المعقدة والطوائف المتعددة. ثورات يُوقد نارها ويُشعل فتيلها الظلم والقهر والذل والاستعباد والجوع.

          وفي الحالة المصرية، قامت ثورة عظيمة، ليست ثورة “مذهب سياسي” ما، كما تعودنا، ولا “ثورة” طائفة من أهل السياسة قادت الجموع لإسقاط نظام، بل ثورة شعب، كان قائدها “الكرامة والحرية”، وشرارتها الجوع والفقر والظلم، ثورة شعب بلغ من المعاناة من نظام متسلّط، جعل من الشعب مطيّة يركبها، لأجل تحقيق غاياته هو وحده، ومصالح رجالاته، فعمّ الفساد لدرجة كاد أن يكون فيها “عادة” أصيلة من عاداته، وأن تتحول الأشياء الجميلة والأخلاق إلى عبئ، تحمّله يُكلف صاحبه الكثير. ثورة، قامت على الفساد الذي كان كــ “السرطان” الذي إذا أصاب جسدا تمكّن منه حتى يقضي عليه.

          لكن، الشعب المصريّ، وفي حالة “صحوة” عربية للشعوب، كسر كل حواجز الخوف، وخرج عن “نمط” الصورة التي لطالما أراد لنا النظام السابق أن نعرفها عنه، الشعب “المسكين المغلوب على أمره”، الشعب الذي أصبحت “الشحاتة” عنده نوع من أنواع “الزكاة”، والنصب نوعا من أنواع “الفهلوة”، حتى لا يكاد الزائر العربي أو الغربيّ حين يحط قدمه عليها، إلا وأصبح “وديعة” بنك مؤجلة، حان كسرها من سيارة أجرة لأخرى، أو الشركات السياحية، أو الباعة وأصحاب المطاعم والفنادق…إلخ.

          وماذا بعد سقوط مبارك؟؟

          كان السؤال الذي –وللأسف- عملت المؤسسة العسكرية على تأجيجه في أواسط المجتمع، وبين المثقفين والكتّاب، السؤال الذي حرصت الجهات الخفية والعلنية، بقصد أو بغير قصد، إلى إشعاله، من أجل إلهاء عامّة الثوّار، بقضية بسيطة درجة “التفاهة” اسمها محاكمة مبارك، وصرف النظر عن لعبة “الكراسي السياسية” والأحزاب والجماعات. سؤال كان كالجبل، الذي يحجب عن الناس ما يقع خلفه، وربما، ما يجب عليهم النظر إليه، والوصول له. ليس محاكمة مبارك، ولا رجالاته فقط. بل البناء المتين للدولة الجديدة، الدولة التي تحمل في جسدها “سرطانا” وإن كان لم يتمكن بعد، إلا أنّ عمره “الــ30” كاف إلى جعله حالة مستعصية، تتطلب الكثير من العمل والجهد وتنظيم الصفوف وتوحيد الأراء والعمل. فلماذا اليوم، أصبح شاغل الثوّار، الذي “ركب الموجة” والذي “كان مع مبارك” و “الفلول”؟؟ ولماذا تُركت الثورة بعد آن قطافها، وثقلت ثمارها، هديةً على صحن من ذهب، لمن كان يتحيّن ويترصد ويتصيّد.. وأصبح شغل الناس الشاغل :حكم العسكر والأخوان!!!!

          الأمر الذي يزيد من الحيرة، أنه وبعد دخول الثورة في عامها الثاني، أو دخول “مصر ما بعد مبارك” عامها الثاني، غابت عن المكتبة المصرية بل والعربية، أيّ مؤلف يعني بعمل ما بعد الثورة، والدولة المصرية الجديدة، في قوانينها ونظامها وخدماتها عملها وهيكلها، وتمحورت أغلبية المؤلفات حول اليوميات، وفضح “مساوئ” نظام ميّت ما لأي جرح فيه إيلام، وأصبح كل كاتب يكتب عن تجربته “الفريدة”، وآخرون يكتبون عن آخرون “ركبوا موجة الثورة” وآخرون اشتغلوا بتأجيج المواجهة مع المؤسسة العسكرية.

          الثورة المصرية، تم جني قطافها من قِبل من هم ليسوا أهلا لها، ولا أنهم كانوا في يوم أحد أركانها، الثورة المصرية، تم تحويلها من عمل شعبيّ متعدد الوجوه والمذاهب والأطياف، إلى “كعكة” يتم توزيع فتاتها على الأحزاب والجماعات، حسب قدرة هذه الأحزاب على خدمة أجندة العسكريّ، وحسب قدرتهم إلى تحويل اهتمام عامّة الشعب إلى قضايا، رغم أهميتها كوضع إنسانيّ يرسم ملامح العمل السياسي للنظام الحالي أو القادم، إلا أنها لا تخدم المجتمع المصريّ في شيء، ولا أنها تنهض به من حالة “التعسر” الاقتصادي الذي يعانيها، ولا من الفوضى الاجتماعية اللا خلاّقة التي يمارسها المجتمع.

          أحد الأشياء الأكثر غرابة تجدها اليوم في الشارع المصريّ، ثلاثة أشياء:

–       الحديث عن المجلس العسكريّ، وضرورة القضاء على سلطته وتسلطه في الحالة السياسية للوضع المصريّ، وهو أمر لا بدّ منه في مطلق الأحوال، فلا المشير “طنطاوي” بالرجل السياسي الفذّ الذي يمكن الاعتماد عليه في أمور دولة كـ مصر، ولا أنه قدّم “تصورا” معينا للحياة السياسية والعمل السياسي، رغم أنه وفي أكثر من مرة، قدم نفسه كممثلا شرعيا للرئاسة المصرية في أكثر من محفل دوليّ. ولكن مع غياب رؤية العمل المجتمعي حول تنظيم المجتمع وتخطيط أمور حياته ومعاشه، تنزلق الثورة المصرية إلى منحدرات خطيرة ستكسر من هيبتها وتُضيع من ماهيتها.

–       حديث مجموعة كثيرة من الناس، عن مدى سوء الثورة، ووهمها، وأنها لم تُقدم للآن سوى الفوضى، وكأن العمل الثوري، هو جائزة “عينية” تُسهّل عليك كل أمور حياتك من قَبل “جهات” مجهولة. فتجد الناس أمام أيّ موقف سيء يحدث يقولون: ده لو مبارك لسه حاكم، ماكنش ده هيحصل!

–       تنامي النعرات المذهبية لدى الجمهور المصريّ، وهو أمر تستغرب حدوثه في هذه الفترة بالذات، فالعديد من المثقفين وعامّة الشعب، يتناولون الوضع السوريّ مثلا، من مبدأ مذهبيّ بحت، منطلقين من موقفهم هذا إلى تعميم الحالة على كافة الألوان الدينية الأخرى التي لا تنتمي إليهم، وضرورة وجود “نظام دينيّ مذهبي” لانتشال الناس من السيئات والفساد الذي هم فيه.

وفي العناوين الثلاثة أعلاه، لا تجد أبدا ما يخدم الثورة بعد قيامها وسقوط مبارك، ولا تجد الرؤية السياسية الشاملة، ولا الرأي الموّحد ولا الجهود البنّاءة. وكأن أهل مصر لا يعلمون، أن في ضياع الجهود، ضياع للعمل، وأن في ضياع العمل ضياع للهدف والغاية. فهل بعد أن تنتهي مصر من انتخاباتها الرئاسية القادمة – والتي نتمناها أن تتعافى تماما من التزوير والتشويه والتوظيف- ستتشكل رؤيتها السياسية، وتضع قدمها على طريق النضوج السياسي بعد ثورتها؟؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s