عن بشّار الأسد.. ربما هي الأخيرة!


في سيَر الدول والقادة، عادة ما يكتب التاريخ المنتصر، وعادةً ما يتم الترويج للمؤرخين القريبين من الأنظمة، وتفضيلهم وتقديمهم على غيرهم، ونشر كتبهم، وتوثيق معلوماتهم، دون النظر إلى الكتب الأخرى، ولا المؤرخين الآخرين، الذين ربما لحظة كتابتهم للتاريخ دون إملاءات من أحد.. يكتبون التاريخ كما هو، خاليا من أيّة شائبة، أو ربما بقليل من الشوائب، ولكن مع كثير من الصدق!
بشّار الأسد، طبيب العيون الذي امتهن السياسة من أعلاها، الرجل الذي ورث “إرثا” ممتلئً باللعنات، وترِكةً ثقيلة، وبلادا جسدها مصاباً بالسرطان منذ 30 عاما، يُواجه اليوم حالة من الهيجان الشعبيّ، ضد نظام البعث وضد حكمه الذي ورثه من أبيه، فيما عُرف بالربيع السوري، الذي بدأ شيئا فشيئا يقترب من عامه الأول. ولكن، أصغر رئيس عربيّ، طبيب العيون، أدهش العالم أجمع، العربيّ والدولي، على قدرته في الصمود إلى الآن، وأكسب كافة “الحلفاء” الذين شكلوا جبهة إسقاط له، إحراجا أمام المجتمع الدولي، خاصة في تناقض المواقف وتضارب الأراء، للـــ الحلفاء، حول غيرها من دول الربيع العربي مثل البحرين واليمن مثلا.
ولعلّ مجزرة الأسدين (حافظ ورفعت) والد بشّار وعمه، في حماة (1982) أحد أكثر الملفات الموقوتة، خاصة وأنه مع اقتراب اكتمال ذكراها الــ30، يُحي لنا المشهد السوريّ الحديث، أن مواليد حماة منذ 82 – 90، قد تربوا على الغضب والانتقام، وتحيّنوا الفرصة المناسبة، للانقضاض على النظام الذي أباد أهاليهم ودمّر مدينتهم وكسر شوكتهم عن بكرة أبيهم.
غير أن الملفات الدولية الأخرى، والتي أثبتت لنا اليوم، أنها المحرك الأقوى للاحتجاجات الداخلية، فبرغم العداء الدائم والمستمر بين نظام البعث وإسرائيل بسبب احتلال الأخيرة لثلثيّ الهضبة السورية “الجولان” أيّام حرب الستة أيّام في 1967، ومساندة النظام لـ”فتح” رغم الإشكالات العسكرية التي وقعت بينهما في لبنان منذ الحرب الأهلية 1975، وحتى ما أسماه حافظ الأسد بالخيانة إثر توقيع “عرفات” اتفاقية أوسلو 1993، وحتى استمرار الأسد “الإبن” على خطا والده في سياسته الخارجية، فرغم انفتاح العلاقات قبل الربيع، بينه وبين أمريكا دبلوماسيا، والتطبيع مع السعودية كذلك، إلا أنّ ملفات كــ حزب الله وحماس، والمحور الإيراني، سرعان ما سحبت عنه “الرضى” المؤقت الذي كان عليه.
فالسعودية التي عارضت وبقوة ربيعيّ “تونس” و “مصر”، ولا زالت تستضيف برعايتها وحمايتها زين العابدين، وتدخلت بشكل أخلّ بتوازن القوى في ربيع اليمن، هي نفسها اليوم من تقود المجتمع العربي بمشاركة قطر، ونزولا عند الرغبة الدولية كذلك، حملة واسعة، لتغلييب الحل العسكري في إسقاط الأسد وإزالة حُكمه، متخذة من المذهب، سببا خفيا، ولكن لعبة المصالح والانتقام، هي الواقع الحقيقي.
فالمصالح، هي في تقوية السعودية لنفوذها في بلاد الشام، وإرساء منطقة آمنة مع الحدود الإسرائيلية، تتمثل في نظام سوريّ، يحترم كافة اتفاقيات المصالحة، للفلسطينين والعرب مع المجتمع الدوليّ وإسرائيل، ويقضي على “الشوكة” الإيرانية. وأما الانتقام، فهي سياسة الند بالند، بسبب استمرار نظام الأسد في دعم حزب الله اللبناني، وتقوية أطرافا على أخرى في لبنان بعد انسحاب القوّات السورية من لبنان في إبريل 2005، رغم وجوده كمحافظ على اتزانها قبل ذلك، وعدم تغليب طرف على آخر. إلى دعم نظام الأسد لحركة حماس، الرافضة للمعاهدات الإسرائيلية أو حتى الاعتراف بها، وتوفير مكتبا دبلوماسيا لها في دمشق، وتوفير الحماية لبعض أعضائها في الداخل السوري.
احتلال الجولان 1967، الحرب الأهلية اللبنانية 1975، مجزرة حماة 1982، كامب ديفيد، حرب الخليج الأولى، أوسلو، حرب الخليج الثانية وسقوط بغداد، اغتيال رفيق الحريري2005 ، انشقاق عبدالحليم خدام، انسحاب الجيش السوري من لبنان، حرب إسرائيل على الجنوب اللبناني 2006، حرب إسرائيل على غزة 2008/2009، المحور الإيراني، حزب الله، حماس، الحصار الاقتصادي.. إلخ.
هل من المُمكن لشاب لم يترعرع حتى على النظريات السياسية، ترك دمشق واستقر في لندن كطبيب للعيون هناك، حتى وفاة أخيه باسل في 1994، أن يقف أمام كل هذه التحديات، ويتحمل ثقل المسؤولية وحده، ويُضفي بعد حكمه العديد من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية فيما عرف بــ “ربيع دمشق”، ويقويّ من شوكة الاقتصاد السوري الداخلي من خلال تفعيل كافة منتجاته وتنميتها.
اليوم، ما يجري، وبعد ما سوف يجري لاحقا، وحول هذا الانشقاق الذي بدى أنّه يتشكل بالفعل بعد مؤتمر “أصدقاء سوريا” الذي اُتهمت فيه تونس من أطراف عدّة، على أنه تحوّل إلى مؤتمرا لأصدقاء الأسد، والذي عارضت فيه تونس الذي لطالما دعى رئيسها المرزوقي لتنحي الأسد، ولكنه عارض أيّ تسليح لأطراف ما بعينها في سوريّا لعدم رغبته في تكرار التجربة الليبية، ورفضه لأي تدخل أجنبيّ رغبة تجنبا لتكرار التجربة العراقية.
بشّار الأسد، الذي سقط للآن ومنذ احتجاجات مارس 2011، ما يقرب ال6 ألاف، من كلا الطرفين، الموالي والمعارض. هو نفسه بشّار الأمس، الذي كان الرئيس العربيّ الوحيد الذي عارض الحرب الأمريكية على العراق، وصال وجال في أروقة الأمم المتحدة ودول العرب لمنعها، وهو نفسه من استمرّ في عدم اعترافه بالحلول الجزئية للقضية الفلسطينية مع منظمة فتح، وهو نفسه من من استمرّ على دعمه لحركات المقاومة “حزب الله اللبناني” و “حماس وجهاد الفلسطينيتين”، وهو نفسه الذي تتهمه أمريكا بتدريب وتهريب عناصر عربية مقاتلة إلى العراق لمحاربة الجنود الأمريكان، وهو نفسه من يتهمه المجتمع الدوليّ باغتيال “رفيق الحريري” الذي كان مواليا للأسد وأحد الرؤساء العرب الممانعين للحرب الأمريكية على العراق.
ربما سيئات البعث جميعها، لم تكفي مواقف بشار ونظامه النضالية لمحوها، والخوف كل الخوف، من أن يعمل بشّار وتحت كل هذا الضغط العالمي، على ممارسة الطريقة البعثية في كالتي قام بها “حافظ ورفعت” في حماة 1982، أو ما فعله صدام حسين في حلبجة 1988 والشعبانية 1991.
ولكن، ما نحن في صدد التأكد منه بعد كل هذا السيناريو، والمستمر حدوثه للآن في سوريّا، هو اقتراب أزمة عربية عربية، وملامح اهتزاز ديني مذهبي، ربما لن يستطيع ساسة العرب وقتها حتى مداراتها مهما حاولوا تداركها مسبقا!!!

Advertisements

One thought on “عن بشّار الأسد.. ربما هي الأخيرة!

  1. ايها العزيز نبهان
    ستاكتفي في مداخلتي الاولي حول موضوعك الوارد اعلاه بهذا الاقتباس بان ”السعودية التي عارضت وبقوة ربيعيّ “تونس” و “مصر”، ولا زالت تستضيف برعايتها وحمايتها زين العابدين، وتدخلت بشكل أخلّ بتوازن القوى في ربيع اليمن، هي نفسها اليوم من تقود المجتمع العربي بمشاركة قطر، ونزولا عند الرغبة الدولية كذلك، حملة واسعة، لتغلييب الحل العسكري في إسقاط الأسد وإزالة حُكمه، متخذة من المذهب، سببا خفيا، ولكن لعبة المصالح والانتقام، هي الواقع الحقيقي.“
    ولتسمح لي برفع قبعتي تحية لفكرك الجيد ونظرتك لما يحدث في عالمنا العربي ، ولن ازيد بشيء فوق ماذكرت لانك لم تترك مجال لازايد او افاضل علي ماذكرت فشكرا لك من القلب .
    اما مداخلتي الثانية حول هذا السياق
    فان هذا الطبيب الذي تكلمت عنه وعلي الرغم من صغر سنة فكان بالفعل محط انظار العالم وكيف استطاع بذكاءه وثقافته ان يرمم ماهدمه ابوه وعمه .
    الا ان غلطة الشاطر بالف وهذا ما اوقع بشار الاسد في هذا المازق
    وما الذي نراه في سوريا من تقتيل وذبح في الانسان والحيوان الا نتاج هذه الغلطة التي ادركها طبيب العيون ولم يحاول اصلاحها فور وقوعها وبدل ان يسمع لعقله سمع لصوت الطبول التي تقرع حوله وكان ماكان .
    لن يستمر بشار في سوريا
    عبارة قلناها لمبارك في مصر
    وعبارة قلناها للقذافي في ليبيا
    وعبارة قلناها لصالح في اليمن
    وسنقولها للقادم من بعدهم
    بغض النظر عن المسببات والدواعي والتوجهات .
    فالصراع العربي العربي ليس له حل
    سوي خروج المغلوب .
    تقبل مروري صديقي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s