إلى السلطان.. وبلد الأمان!


حين نقرأ في كتب الأثر.. وتاريخ الأمم، وسيَر القادة والعلماء والكتّاب، لا نجد على مرور التاريخ ذكرا لحاكم ما، خلّده التاريخ، لأنه وفّر”الأمان” لبلده، عند الإغريق والروم والفرس والأمويين والعباسيين والفاطميين والأيوبيين والعثمانيين، بل حتى في تاريخ العالم الحديث ما يُعرف بما بعد “الثورة الصناعية”، وما تخلله من نشوء نظريات سياسية كالشيوعية والرأسمالية والديقراطية.. وتكوّن دولا على إثرها وقيام أنظمة، لدرجة هيمنتها اليوم على حاضرنا من أقصاه إلى أقصاه.. فما وجدنا حاكما واحدا خلّده التاريخ لأنّ بلاده بلد الأمان!!
وإذا أنني قبل مدّة سبقت حركة الاحتجاجات في عمان، عجبت من صوَرٍ تم تناقلها بين الناس بسرعة قياسية يُستغرب حدوثها، تُصوّر مكاناً ما في بداية السبعينيات، ونفس المكان وقد امتلئ بالمباني ودخلته الشوارع ورصّعت مساءه الأنوار، بعد 30 أو 40 عاما، في حين، أن المّدقق للصوَر إيّاها يُدرك يقينا ومعرفة، أن الفرق بين الصورتين جدا واضح.. مجرد جدرانا وشوارع و أعمدة إناره!!
وأنّه كذلك، عمدت أقلام عددا من الكُتّاب، إلى الكتابة عن “عُمان” بلد الأمن والأمان، وعن تاريخها الذي حفظ لها خصوصيتها إلى الآن، في حين، أن هؤلاء الكتاب أنفسهم، تناسوا أو تجاهلوا لا أعلم، أن بلدان العالم، ليست الميزة في انعزالها عن العالم، وتجنّبها كل ما وصل إليه بحجة “الخصوصية” أو “الأمان”، وأن، أعظم البلدان هي ما احتوت الحضارات جميعها أو أغلبها، لتخرج لنفسها بمزيج حضاريّ خاص، يُترجم في الصناعة أو الزراعة أو التقنية أو التعليم ..إلخ.
الحُكّام الذين خلّدهم التاريخ، ليس الحُكام الذين اكتفوا بالانعزال عن شعبهم، ولا الحُكام الذي يكتفون بالاختباء عن الشعب والظهور عليه في مناسبات قلّة، ولا الحُكّام الذين يضعون بينهم وبين شعبهم وسيطا ليتحدث باسمهم وصوتهم، ولا الحُكّام الذين يصرفون على دواوينهم المليارات لاسترضاء أبناء الشيوخ والقبائل، ولا الحُكّام الذين ينشرون أمنهم وعسكرهم للتقبض على من يُعارضهم.. بل وجدنا التاريخ يعترف بحكّام إما لإنجازهم السياسي، أو لتحويل بلادهم إلى مصنع عالميّ، أو لنهوضهم بالمستوى التعليمي، حتى يكون البلد وجهة عالمية تتنافس مع القلة القلة من بلاد العالم عليها، أو لأنهم ارتقوا بشعوبهم، فأسكنوهم في رفاهية دون أن يتجاهلوا تغذيتهم بالمعرفة والعلوم، إلخ، أمّا الحُكّام الذي أفشوا السلم والأمان، فلم أجد لهم بين سطور التاريخ مكانا.
ولا ينكر أحدا، أن عمان اليوم أفضل من غيرها من دول الخليج والعرب بل وحتى العالم، حينما لا يُفضّل مواطنا على غيره لا لدين أو مذهب، ولكنه أيضا يصطدم، حينما يجد المجتمع فيه ألقابا كــ “السيّد” و “الشيخ” إلخ، لا لمنصب وظيفيّ هم يشغلوه، بل لمكانة عائلية أبت الدولة إلا أن تحتفظ بها لأجلهم. غير التمييز الذي يحظون به هؤلاء في التوظيف أو التعليم!
ولا يُنكر أحدا، أن الحريات الفردية، لها سقفها العالي الذي يميّزها عن غيرها، ولكنك تتفاجأ، حين تجد أن المواطن يُحاسب على مقال ما، ليس لأنه افترى فيه كذبا على أحد، بل فقط لأنه كتب عن “رمز” دولة حرام المساس به وفق قوانين الدولة ودساتيرها، أو كشف حقيقة أداء الأجهزة الأمنية، لطالما تداخلت الحلول لها في حلّ الأزمة، حتى فشلت في تقرير موضع الخطأ الذي تسبب في كل هذه الاحتجاجات، وكما يبدو للآن، أنها فشلت حتى في التعامل مع تداعيات الاحتجاجات، وهي ذاهبة إلى التعامل بخشونة مع كل الناشطين.
أيها السلطان.. إلى متى تعتقدون أن شعبكم لا زال “قاصرا” على فهم إدارة البلاد وشؤونها؟
وإلى متى، تعزلون أنفسكم عنه؟؟
فليس الشعب هو الذي يريد أن يراك لكي تساعده في قطعة الأرض الفلانية، أو ليشتكي إليك ممارسات مسؤولك الفلانيّ…. بل الشعب هو الذي يُريد اليوم أن يحدثك عن أمور البلاد وشؤونها وكيفية إدارتها، وعن مصدر دخل البلاد كيف يتم توزيعه، وعن 2020، وماذا استفاد منها، وعن قوانين البلاد وكيف يتم تنظيمها، وعن أولوياتكم، فما عاد هذا الشعب يؤمن في سياسة “الرجل الواحد” حتى وإن كنا نثق فيه، وما عاد هذا الشعب يأتمن على مستقبله في يدا أصحاب التجارة والمال، الذين ملأوا جيوبهم من جيوب الشعب وخزينة البلد!!
أيها السلطان.. ولك المعزة والتقدير دائمة في قلوب مواطنيك.. ولكن، “سيئة” تجاهلك وترفعك عنهم، لربما تُغطي على حسنات الــ40 عاما، واعتمادك في المشورة على “بطانتك” التي ما أسعفتك في تدارك احتجاجات عصفت بالبلاد، ولا أسعفتك في حلولها الأمنية أو العسكرية، فهل تُسعفك اليوم في احتواء شباب البلاد؟؟ هذا إن سلمنا يقينا، أنّك من الذين يعتمدون على أهل الرأي والمشورة في قراراتهم!!
أيها السلطان، التاريخ لا يعترف بالحكام الذين “يُقسّطون” التطور والنمو للبلاد التي يحكموها، ولا يعترف بالحاكم الذي إذا أراد المقارنة بين الحاضر والماضي، لا يرى إلى من خلال زاويته الخاصة، حتى إذا خرج الناس يطلبون الحقوق والعدل والمساواة، انبرى لهم “مطبلون” يسألون الناس أن يشكروا الله على نعمة الأمن والأمان، وأن يذكروا كيف كانت البلاد وأين هي اليوم!!! فهل هذه المقارنة التي من أجلها “تحكم البلاد”؟؟؟

Advertisements

3 Replies to “إلى السلطان.. وبلد الأمان!”

  1. القلم الجميل ،
    هوّن عليك ، فكم كانت ساحبة الحزن واليأس قد غطت على محياك كل شمسٍ مشرقه ، وكم من الآمال التي كنت تتوق لأن
    تكون على وطنك قد شحّت وتبخرت ، ليس كلّ ما يكتب في السطور ومن الآمال سهلةٌ أن تعيشها على واقعك ، حتى أغنى
    بلدان العالم لن يؤنسها لا المال ولا الامان ولا حتى مالم تسطره من نبضك هنا وفي اي ماكن آخر .

    إن التاريخ الذي تحدثت عنه ، لايعد بتاريخ ، حيث السلاطين والملوك قد تحزموا ليومك الذي تقرأ عنهم في تلك الكتب التي
    تناقضت مع ذواتها مرارا وتكرارا ، تحزموا لأن يتم تلميعهم بما يمنع عنهم الزلل والأخطاء وجعل كل حسنٍ ذو بريق ٍ
    تتناقله العصور تواترا ، أما عن تلك الصور التي شاهدتها ورايت فيها أن المقارنة واضحه كوضوح شمس النهار ، لن يقال
    اليوم أنه إعترافٌ بالجميل ، فمن قدم النور على الظلام ، ومن قدم الإسمنت على الطوب ، والظله على الشمس ، وكل ما
    يعيشه العالم في رخاء لقادرٌ على أن يواصل في إكرام الوطن والشعب .

    القلم الجميل ،
    إني أعلم أن الفساد في عماننا ، يتربع على مراسلنا حتى الأعالي من الدرجات الوظيفيه ، فشعبنا لم يحترم الوطن ولن يحترمه
    ولن تنجح كل المطالبات ولا اي إعتصام إطلاقا مالم تتوحد القلوب على إسقاط الفساد من قلوبهم قبل أن يوقظوا من أرادوا
    إيقاظه.

    سحقا لكل فاسد ، إن أكثر المطبلين على الأقلام والأوراق هم المقصرين وليس كلهم ، وعلى أقلّ تقدير ٍ لم يحفظوا لوجوههم
    كرامات ٍ تحفظ ماء وجوههم ، فماذا قدموا لوطنهم قبل أن يطبلوا بألسنتهم السامة ، إني لا أخالف اي رأيٍ يطالب بحياة ٍ كريمة
    وعيشٍ هانئ ، ومعاشٍ مستحق ، لكن ما نعيشه هو في مؤسساتنا هو من يلعن النعمة عنّا ويطردها ، هناك التفرقه والرشاوي
    والأطماع ، والتخلي عن المسؤولية ، وتكليف الجهلاء على أعمال الغير ، كل هذا وأعظم ليس بجديد .

    إن الشيوخ ، الذين تحدثت في سطورك عنهم لم يبقى لهم سوى ثلاثة أحرف جمعت في اسم ( شيخ ) وأما عن مظمونها
    فهو قالب فارغ يحمل اسم ( مفلس) فدعنا لما هو أهم من ذلك كل هاؤولاء لايحركون في الأمر ساكن ، إن وزاراتنا تحتاج
    إلى مثقفين وحاملي شهائد عليا وتجارب حقيقية ونوايا تشهد لهم قبل استلامهم أمانات الشعب ، إن من يخرجون في الشوارع
    صامتون ، لان أصواتهم مفلسه ، لايعلمون لما هم خارجون حتى .

    إن الحريات التي صانتها كل القوانين ، نحرتها اقلامٌ بثت سمومها حينما أحتجت بأسم الحرية ، فكان غطائها التعبير الحر
    يغيرون عقول من حولهم بكلماتٍ معسولة ، وبأدلةٍ تفقد شرعية الحق ، يتهجمون على ما شاؤوا حتى أصبحت الأوراق
    قد أمتلأت سخرية بكل من حولهم ، ليست الحرية هي السخريه ، إذا شعبنا لم يعي من أين تستخدم الحريه وفيما تستخدم.

    عزيزي ، القلم الجميل ، هناك من لايروق للحق وتعجبه التلاوين والخطابات المنمقه ، وها نحن نعيش عمانٌ جميلة لا يزينها
    سواكم فكونوا الشمس التي تبث الحياة في قلوب الاخوة قبل أن تنادوا بأصوات لم تتوحد لبرهة كما يحصل في مواقع ومنتديات
    الشبكة العنكبوتية ، عشت سالما ودمت بخير .

    1. أبو هاشم..
      لك كل التحية والتقدير.. أقرأ كلماتك، وأجدني واجب الرد عليهابكلمة : شكرا من العمق والقلب..
      إنما ما كتبه في مقالي إيّاه، رغبة في عدم تجاوز الحقيقة على حساب المبالغة في المدح..
      كل الحب.. كل التقدير..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s