في التغيير.. والإصلاح!


يصل المريض إلى الطبيب شاكيا من مرض ما، فأول ما يُبادر الطبيب إلى فعله، الاستماع للمريض لمعرفة مكان الألم، وأعراضه، ثم يقوم بتشخيصه وفحصه، وعلى إثرها يُقدم نصيحته في نوع العلاج، إن كان يحتاج إلى وصفة دواء أو نظام غذائي معيّن، ويضع اللجوء للأمر الصعب كالعملية العلاجية مثلا، آخر الحلول.
والإصلاح، في أيّ نظام سياسي، إن لم يكن خطوته الأولى النظر في أصل الخلل، مصدره وسببه، وتأثيره، فإن العملية الإصلاحية لن يكون لها أيّ جدوى، ذلك أنّك كل ما تفعله حينها، صرف النظر عن أصل المشكلة بالتالي ترك المشكلة الحقيقية تنمو أكثر فأكثر، دون الوقوف على أسباب حدوثها ونشوءها، ودون وضع آلية لمنع تطوّرها والحدّ من تأثيرها. وهذا العمل، من شأنه أن يوّلد العديد من المشاكل الأخرى التي لن تقود بالعملية الإصلاحية إلا إلى الفشل المحتوم.
فالتطوير، في أيّ نظام، لا يُشبه الإصلاح، لأن في التطوير، تحديث لسياسات ونُظم وقوانين عمل، وتفعيل ما لم يتم العمل به سابقا، أي أن التطوير عملية في أساسها، قائمة على الانتقال من مرحلةٍ لأخرى، مرحلة تُكمل المرحلة السابقة، ولكن ليس بالضرورة أنها نتاج لتلك المرحلة أو تعتمد عليها، في حين، أنه من المهم جدا أن تكون المرحلة السابقة، خالية من المشاكل التي تمنعها من أداء دورها الحقيقي، أي خالية من المشاكل التي تمنع من تفعيل أنظمتها وقوانينها، أما الإصلاح فلا يتعدى كونه مجرد وسيلة للتخلص من الخلل الذي يصيب المنظومة، ووسيلة لفرض آلية عمل مغايرة في حالة تعذّر الأساسية، مع وضع في الاعتبار، كل الأسباب التي أدت في وجود المشاكل.
عليه، فالإصلاح حالة مرتبطة بمرحلة معينة أو بوضع خاص، في حين أن التطوير حالة “تعقب” مرحلة سابقة، فهل يصحّ أن نخلط بينهما، وأن نُردف المعنيين سويّاـ، في حين أنه لا بد من الإصلاح أولا حتى نستطيع قياس وملاحظة أداء كل مرحلة بعينها، بالتالي النظر إلى نتيجة هذه المرحلة واضعين في الاعتبار شكل النتيجة حسب نوع الخلل الذي تضمنته المرحله، وكيفية التعامل معه.
وحينما يعمل أيّ نظام سياسي، على الترفع أو تجاهل أسباب أيّ خلل في أيّ مرحلة من مراحله السياسية المتعاقبة أو الجامدة، فهو يؤسس لمشكلة أخرى لا أكثر، وهذا لا يعني إلا شيئين:
– اقتناع النظام بسياسته في إدارة الأمور، بالتالي عدم اعترافه بالخطأ الذيراه الآخرون، وعدم الأخذ بأيّة نصيحة، وهذا السبب، هو الذي أدّى في الحقيقة إلى انهيار عددا من الأنظمة العربية في العام المنصرم، وهو نفسه الذي سيُطوّر من نوع المشاكل ويزيدها في في غيرها من الأنظمة التي لا زالت تُكابر وترى الأمور من زاويتها الضيّقة.
– عدم وجود الكفاءات في النظام السياسي، التي تعلم وتُدرك أهمية التعامل مع أيّ خلل في حال ظهوره في أي مرحلة، قبل تأثيره على أدء العملية السياسية بمجملها.وهو يرتبط في مضمونه إلى عدم التغيير والتجديد في الشخصيات السياسية، وغياب التجريب في تطبيق السياسات، والاعتماد على نظريات يعتمد تحليلها على مراحل سيتسية واجتماعية آفلة.
وهنا، تأتي أهمية التغيير، مرافقا للعملية الإصلاحية، وفي الحقيقة، أن أحد الأمور التي تدعو السلطة أو النظام السياسي إلى المراوغة، هو خوفه من الاصطدام بواقع التغيير، سواء في قياداته كأشخاص، أو في سياساته كعملية في إدارة شؤون أي بلد، بالتالي، الدفع بالأزمة إلى تأزم أشد، لخلق أزمات عدة، لشغل الرأي العام عن المشكلة الحقيقية التي قامت بسببها أيّ تحركات الاحتجاجية، وصرفهم عن الحلول التي يجب الأخذ بها والعمل عليها.
فالتغيير، ليس بالضرورة أن يعني إلى تغيير الأشخاص “القيادات” بقدر ما هو معنيّ إلى تغيير السياسات والعمل الإداري، لأنّه، وطالما كانت القيادات قادرة على التعامل مع أيّ وضع، ومع أيّة حالة سياسية، فالأفضل استمرارها، لخلق نوعا من الاستقرار حين تطبيق أيّة خطة سياسية بديلة أو جديدة، للتغيير، والعمل بعد ذلك على التدرج في تغيير القيادات إن استلزمت المراحل اللاحقة إلى خلق جيل جديد من القيادات مما لديه الكفاءة والقدرة على العمل في النشاط السياسي.
ولكن، حين يكون الجدار المانع لعملية التغيير من التقدم، والحاجز الذي يُعرقل مسيرته، هو القيادات السياسية نفسها، لا بدّ من فرض حالة تغيير قسريّ، وهذه الحالة تأتي إما:
– بقرار سياسي رفيع جدا، بحيث يعمل المدبر أو الرأس الأعلى للنظام على دفع الأمور إلى تغيير القيادات مع الحذر في اختيار البدائل لهم، من خلال النظر في أيّ خطة عمل مُقدمة، وأثرها ونتيجتها، مع كيفية التعامل لكل الأضرار المصاحبة لها.
– تحرّك شعبيّ حاشد، تقوده الرؤية الإصلاحية المنظمة، والموّجه تحركها اتجاه عددا من القضايا، التي من شأنها تغيير المشهد السياسي كاملا، والانتقال به إلى مرحلة أخرى.
لا يصح أبدا، أن نعمل على الإصلاح، ونتجاهل الظروف السياسية الجديدة التي يفرضها الواقع العام، ونضع كل أدوات العصر الجديد والتقنية خلف ظهورنا، في حين مما يبدوا، أن أحد الأزمات التي تعيشها الأنظمة، وخاصة العربية، غياب التفعيل السياسي في مجتمعاتها، الأمر الذي قوّضته التقنية والاعلام الاجتماعي، والذي أثبت فعلا، أن القيادات في المؤسسات الرسمية والأنظكة الحاكمة، تعيش في عالم بعيد عن واقع مجتمعاتها، وأنها لا تعلم عن طموح هذه المجتمعات ما يؤهلها للتتعامل معه بنفس الآليات السابقة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s