إيران + أمريكا + إسرائيل… في نظرية المؤامرة.


حينما أتحاور مع عدد من المثقفين الخليجين في الشأن الإيراني، أغلبهم يرمي لي العبارة اللغز “المؤامرة الصفوية الصهيونية”، وحينما أستفهم، يبرع بعضهم بالشرح المتكرر القديم الجديد: هي مؤامرة بين إيران وإسرائيل مدعومة من أمريكا، للقضاء على شوكة الدول العربية، وللقضاء على الدور السعودي – المصري في حفظ كيان الأمة العربية وهويتها الإسلامية!!!
في أحد زياراتي لبيروت، تحديدا 2008 والتي خصصتها لزيارة الجنوب بأكمله، حتى الخط الأزرق، أقمت بالأشرفية في ضيافة أحد أصدقائي المسيحين، قابلت وقتها عددا من اللبنانيين، من مختلف المذاهب والطوائف والمدارس الفكرية، وكان أشدّ اللقاءات ظرفا وغرابة ودهشة، لقائي بأحد مؤسسي الحزب الناصري في لبنان –كما يدعي-،وهو من سكّان الأشرفية، رجل سبعيني اسمه الحركيّ “أبو العبد”، الذي استطرق في شرح أهم حدثين عاشتهما لبنان في ذلك الوقت: حرب تموز 2006، وأحداث 7 أيار 2008، ففي الأول شرح لي المخطط الصهيوني الشيعي، وأن الحرب التي قامت ما هي إلا خديعة ومؤامرة، الهدف منها اشغال الرأي العام العربي والمحلي عن قاتل “الحريري” الحقيقي، واشغال الرأي العالمي عن ملف إيران النووي. سألته عن القتلى الــ1100 وربما أكثر، الذي استشهدوا في تلك الحرب، قال لي: مبالغة في الأرقام ولا حقيقة لها. سألته عن الدمار الذي لحق بالجنوب، أشار لي أن المبالغ دفعتها اسرائيل عن طريق إيران وسوريا. سألته عن المؤامرة المفترضة لإيران واسرائيل على العرب والمسلمين السنة، وأنه يتناقض في فكرته طالما الحرب قامت لكي يلفت “حزب الله” أنظار العالم عن ملف إيران النووي الذي لم تنتهي تفاصيله للآن، اكتفى بنفث دخان سجائره وتعديل نظارته الطبيّة، وهو يؤكد لي: ما نعلمه ونراه شيء، وما خفي عنا شيء آخر.
الموقف ذاته تكرر معي في زيارتي الأخيرة لمصر، مع أحد سائقي الأجرة من خريجيّ الجامعة المنتظرين في طابور الوظيفة، الشاب استمرّ في عظته لي عن تردي أحوال المسلمين، وأن في ابتعاد الناس عن الدين وارتكابهم للمعاصي سبب أساسيّ في هوان الأمة وتردي أحوالها، كل ّ هذا كان حديثا عاديّا جدا للآن، المفارقة حينما دخل في موضوع مؤامرة الصهاينة في الإطاحة بالدول الإسلامية وخاصة العربية القوية المكينة. وضرب لي المثال في السعودية ومصر، وكيف أن إيران بالتعاون مع إسرائيل وأمريكا تتآمر على الإطاحة بالمسلمين وحكمهم طمعا في إعادة الحكم الفارسيّ. سألته: هل حسني مبارك إيرانيّ؟ وحينما لم يفهم السؤال تابعت: من الذي أغلق المعابر وبنى الجدار؟ وبأموال من؟ ومن أيّده ودفعه إلى هكذا قرار؟ ومن وقف معه حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت “خلعه” أو تنحيه؟
كل ذلك وغيره من التحليلات التي يبدوا أنها أخذت حيزها ومساحتها الشاسعة في عقول العديد من الشعوب العربية، نظرية الأطماع الصفوية، أو الهلال الصفويّ، والمؤامؤة الثلاثية بين إيران وإسرائيل وأمريكا، في إسقاط الدول العربية والقضاء على المسلمين.إيمان مطلق بما خفيّ أمره من نظريات، تكذيب مُطلق للمنطق وأحداث العالم لتي تجري أمامنا.
لكنّه الوضع الراهن هو من يضع الأسئلة الآن وليس النظريات الخفية ولا المعلومات المستندة على “الذكاء” الخارق للعادة، والتنبؤ المستند على ما لا نعلم وما لا نرى وما نتوقع وما لا نعيش. خاصة في ظلّ التوتر الأمنيّ الغير مألوف لنا، الذي تشهده المنطقة، وفي ظل وصول البوارج الحربية الأمريكية والبريطانية من جهة، والروسية من جهة أخرى، مع صفقات السلاح الأمريكية والروسية، مع التصعيد المناوراتي الذي تشهده المنطقة في الجانب الإيراني والاسرائيلي والسوري.
في حين، أن العقوبات الممتدة منذ 3 عقود، والتي يبدوا فعلا أنها بدأت تؤتي ثمارها شيئا فشيئا في تكديس المآزق الاقتصادية في الداخل الإيراني، وارتفاع التضخم وعدد البطالة، مع استمرار إيران في ممانعتها وإصرارها على استكمال برنامجها النووي، مدعومة عملا وتجربة وخبرة من الجانب الروسي، ولوجوستيا من الجانب الصيني، خاصة وأنه في اللحظة التي تُقرّ فيها دول ال8 الكبار على عقوبات جديدة ضد إيران، تنبري الصين إلى تزويد إيران بما يتم منعه عنها من دول العالم المتقدم!!
لكن المسألة بدأت أكثر تعقيدا، ففي ظل الظروف التي بدأ قرارا سياسيا اقتصاديا يتبلور في الأجواء، والذي يقضي بذهاب أمريكا مع الاتحاد الأوربي واليابان وكوريا الجنوبية إلى فرض عقوبات أكثر قسودة وتأديبا، تتمثل في تكديس براميل النفط الإيراني ومنعه من التصدير، وتعويض دولا مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند، بنفط آخر من دولة خليجية ربما أو عددا من الدول الأخرى، الأمر الذي تدرك إيران يقينا أنه يُمثل “قطع الرزق” لها، في ظل اعتمادها على النفط في سدّ 80% من ميزانيتها، بالتالي، وكما قال فيلسوف الإسلام “أبو ذر الغفاري” : “أعجب من رجل لا يجد قوت يومه ولا يخرج على التاس شاهرا سيفه”. كذلك فعلت إيران، خرجت على العالم بمفاجأة من العيار الثقيل لطالما لوّحت بها سابقا، ولكنها مصممة عليها الآن وهي : إغلاق مضيق هرمز!!!
هذا المضيق الذي لا تتعدى مساحته عشرات الكيلومترات، هو بوابة لثلث 1/3 نفط العالم، وبوابة من ذهب وألماس للعديد من الموارد العالمية التي تصل إلى الخليج العربي. بالتالي، إصابة العالم أجمعه بضربة موجعة في اقتصاده، ودول الخليج خاصة في أساس حياتها الاقتصادية. فلماذا لا تقوم الحرب؟؟ ولماذا لا يتم الاستعانة بالبوارج الحربية الأمريكية والبريطانية؟ ولماذا في المقابل، لا تحضر البوارج الروسية؟؟
أحد الجوانب السياسية التي تشابكت خيوطها وتعقدت، الوضع السوريّ نفسه، ففي اللحظة التي تشهد فيها سوريا مظاهرات حاشدة في بعض مدنها القصيّة عن مركز القرار، تداخلت السياسات العالمية لتعجيل الإطاحة بالنظام السوري، في خطوة لفرض الحصار وكسر اليد، لإيران وقوّتها، لما في سقوط “الأسد” من تأثير على “حزب الله” في لبنان، و “حماس” في فلسطين. وتقليل حجم مخاطر الحرب المقبلة إن “حدثت”.
الحلّ السياسي، اليوم أكثر نجاعة بدل الحروب التي خاضت المنطقة الخليجية 3 منها في آخر 3 عقود، ولم نخرج منها إلا بتحكم الخارج على مجرى السياسة العامة لنا، ومزيدا من العبئ الاقتصادي والتضخم، ومزيدا من الفرقة والتواكل على العون الخارجي… فهل من مُستمع وناصح ومقتنع؟؟؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s