سوق الفتاوى… من يُريد!!



بالأمس، كان “التظاهر” حراما لأنه أحد أسباب الفتنة، وكان كذلك شكلا من أشكال الخروج على الحاكم، بالتالي حُرمته تقع في موضع اجتناب الأمر لجهل نتائجه، ولأن ما في الغيب مجهولة نتائجه إن تخلينا عن معطيات العصر الحالي، ثم بعدها، دُهش العالم العربي بتحليل التظاهر في أرض ومنعه على أخرى، وحينما سأل واستفتى الذين لا يدركون حقيقة الأمور إلا بفتوى الشيخ الفلاني والعلاّمة الفلاني، قيل لأن في تلك ثورة شعب حتى وإن بدت أنها منقوصة العدد، فانصروا إخوانكم ولا تترددوا، أما في تلك تدخل خارجيّ ولا يغرنكم كثرتهم، فهم قليلون في شعبهم!!
هل يحتاج الإنسان للنهوض إلى حقوقه “فتاوِ” تُنير له عتمة دربه؟
وهل يمنعه من المضيّ قدما إليها فتوى كذلك؟؟
ولكن المسلسل لم يكن لينتهي عند جزأيه الأوليين، بل كان لا بد من خروج جزءً ثالثا يتوّج مسيرة الانحدار الفكري، وسوء توظيف الدين في السياسة وفق أهواء رأس الساسة، فمثلما حرّموا مشايخ “المقبور القذافي” حرمة تبني الحظر الجوي على بلاده، واستندوا على ذلك أن التبني محرّم أصلا في القرآن والسنة!!! ظهرت علينا فتوى أخرى تقضي بضرورة القضاء على صاحب الأرض –رغم عدم اختلافنا في اغتصابه للحكم- وضرورة التعامل بحكمة مع المحتلّ –إسرائيل. ليُسجّل الربيع العربيّ في سجلاته حادثة أخرى من غرائبه.
ولعلّ سلاح الدين، أحد أكثر الأساليب المتبعة في تاريخ العرب، لأجل تأليب الشعوب على حكامهم، أو الحكام على شعوبهم، فتارة بحجة “الخروج على طاعة الله” وتارة باسم “الفتنة وشقّ عصا الطاعة”.. وبين الأمرين تتدحرج كرة السياسة لتختار لها موضعا يتناسب للتسديد، بعد التحشيد الديني، أو لنقل المذهبي.
المسألة هنا تدخل في سياق الغرابة من أمرين اثنين :
– سعي أهل “الفتاوي” إلى التهيئة لمرحلة سياسية بقيادة الإسلاميين، وتمهييد كل الظروف الملائمة لهذا المناخ من تحالفات عسكرية داخلية، ومن توافق خارجي مع الولايات المتحدة وأوروبا، وهي الطمأنة نفسها التي وجهها الأخوان وبعض أقطاب السياسة المصرية لأمريكا فيما يخص إسرائيل، في حالة سقوط مبارك.
– التسبب في فتح باب، يصعب التحكم في إغلاقه حين الاعتماد عليه، وفي الحقيقة، الباب قد فُتح، وقد وُظّفت الفتاوى فعلا في تحشييد المثقفين، وفي تنظيم صفوف الهجوم، وفي تأليب الرأي العام العربي إما للتأثير في أسلوب الممارسة السياسية الخارجية للضغط على حكومة ما، أو لصرف نظر الرأي العام نفسه عن قضايا أخرى تخص أقطارا عربية مختلفة مثل الشأن البحريني مثلا.
ولعل في الأمر الأول، اشتغال سياسي بحت، لا يلومهم عليه أحد، خاصة وأنك في سعيك إلى التأسيس لمرحلة قادمة تسهم فيها في التحكم بالقرار السياسي، وتلعب الدور المحوري في قضايا الأمة المحلية والعالمية، وتتحكم بموارد أي بلد الاقتصادية والصناعية والزراعية، لا بد لك أن تكون في حالة “وفاق” حتى يتم لك البناء على أرضية مستوية وخصبة. لكن، هذا الأمر قلما يُترك من قِبل القوى الخارجية دون مقابل، خاصة إذا كنت تعتمد في عمليتك الإصلاحية الاقتصادية أو التنموية الصناعية عليها، وغالبا ما تفرض هذه القوى شروطها في توجيه السياسة العامة للمنطقة وفق مصالحها من تحالفات مع أنظمة أو الاهتمام بقضايا دولية، كـ توفير الدعم في حالة الحرب، أو الامتناع عن التعامل مع دولة أو دول ما، أو الموافقة على قرارات معينة في الأمم المتحدة ورفض غيرها.
وهنا، تزج الحركات الإسلامية والأحزاب، بنفسها في دائرة سياسية ضيّقة المساحات مغلقة الأفق، هي نفسها ما تسبب في فساد الدول من قبلها وانهيارها، وتنامي جبروتها وديكتاتوريتها، لأنك من الطبيعي أن تجد في الداخل صوتا يمتنع عن الموافقة على خط سياستك، إن لم تكن الداخلية، فالخارجية، ومن الطبيعي، أن تسعى إلى إسكات أو اقصاء أيّ صوت لا يتوافق مع أطروحاتك السياسية أو نهج سيرها.
ناهيك، عن عجز هذه الحكومات كذلك، في المساهمة لخلق واقع سياسي عربي إسلامي وفق ما سيعدوا به الجماهير، كنصرة القدس مثلا، وستكون المسألة مجرد مفاوضات من فوق الطاولة أو تحتها.
أما الأمر الثاني، وهو ما قد وقع مسبقا في حالة، في الحالة التونسية، ثم عقبها في الحالة المصرية، وقد برز في الحالة المصرية خاصة، بسبب وجود أكثر من تعارض، من قبل مشايخ منهم من حرّم ومنهم من أباح، أي الخروج على الحاكم. وكان الاختبار الحقيقي لها، أي للفتوى الدينية، في الحالة البحرينية والحالة السورية، أما الأولى، فتم حشد أكبر عدد ممكن من أصحاب الفتاوى الذي أجازوا خروج أهل مصر على حاكمهم، ليحرموه على أهل البحرين، بحجة “التوجيه الخارجي” من الشيطان الأكبر للخليج في المنطقة وهي إيران. وهم أنفسهم من تمّ حشدهم في الحالة السورية، لإجازة الخروج على وليّ الأمر هناك لفساده!!!!
والمفارقة الجديدة هنا اليوم، هي الفتوى الأخيرة التي خرجت عن القرضاوي، والتي أجاز فيها ضرورة التدخل الخارجي العسكري في الشأن السوري، وضرورة التعامل بحكمة فيما يخص الشأن الإسرائيلي، وهذا ما يندرج من ناحية السياسة العامة تحت البند الأوّل، وما يندرج من ناحية الفعل تحت البند الثاني.
نسيّ العرب، سواء أكانوا إسلاميين أم وسطيين أم ليبراليين، أن في امتلاكك للأدوات والتقنية، هو الرهان الحقيقي على تواجدك في أرض الواقع، وأن ديننا الحنيف الذي حثّنا على الأخذ بالإسباب، هو نفسه الذي حثّنا على عدم “التواكل” وتوسيد الأمر لغير أهله! فلا اعتراض على فكرة الدولة الإسلامية، ولكن من الذي يقودها؟ هل يُعقل أن الفقهاء يرون أنفسهم قادة سياسيين؟؟ وهل يُعقل أن يتم الزج الدين في كل كبيرة وصغيرة من أمور الحياة العامة وتطلعات الشعوب؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s