تصاعد المدّ الإسلامي!


العالم العربيّ، يقف أمام مشهد جديد يُطلّ على شرفته السياسية، مشهد تعيشه اليوم بلاد الربيع العربي خبرا، وغدا سياسة وحكما وواقعا، أمر يضع المشهد السياسي ككل أمام تجربة جديدة، بعد أعوام انقضت من أنظمة سمت نفسها تارة بالاشتراكية وتارة بالبعثية وتارة بالديمقراطية..إلخ، في حين أن حقيقة الأنظمة لم تكن تمثل في الوصف والشكل والصورة سوى الأنظمة الملكية بكامل عملها السياسي، باختلاف المسمى.
الحكومات الإسلامية هي اختيار الشعوب اليوم، المغرب وتونس ومصر، وكذلك التشكيل الشعبي الذي بدأ يفرض نفسه على المشهد السياسي في ليبيا. جميعها ذاهبة إلى تأسيس قواعد عمل سياسي جديد للتيارات الإسلامية، وجميعها ستواجه تحدي الحياة المدنية والحريات الفردية وكيفية توظيف أدوات العصر الحديث فيما فشلت فيه الأنظمة السابقة، وجميعها تحت مجهر مراقبة العمل والانتقاد لها، مع تنامي التخويف والترهيب منها طوال عقود سابقة، وبسبب اصطدامها العنيف الدائم بالحكومة، وبسبب ظهور العديد من رجالاتها بفتاوي وأراء، تجعل المتابع لها يتوجس خيفة من وصولهم إلى الحكم.
ومن خلال تتبعي لخيوط المشهد السياسي الجديد الذي بات تشكله على خريطة بلاد الربيع العربي أمراً محتوما، العديد من التساؤلات تطرح نفسها على المشهد السياسي نفسه، فالتيارات الإسلامية أكثر من غيرها إدراكا، أن الديمقراطية نسيج سياسي متفق في مفهومه مع العديد من الكيانات السياسية النظرية والقائمة حاليا في مختلف الدول الغربية، إلا أنها تدرك كذلك أنه عملية تعتمد على الممارسة المجتمعية نفسها، أي أنها –أي الديمقراطية- تختلف كعمل من مجتمع إلى آخر، حسب التراث السياسي لكل مجتمع، وحسب نظامه المجتمعي.
ولعل في أحد المقابلات التلفزيونية لأحد مترشحي الرئاسة في مصر، وهو سلفي، حين سُئل في حالة رغبة أحد أبنائه في الزواج من امرأة غير محجبة، أجاب أنه بالتأكيد سيمنعه، وأنه سيعمل على تفهيم ابنه نوع الفتاة التي يجب أن تكون، طالما أنها ستكون أما لأبنائه، في إشارة ربما غير مقصودة إلى وضع الفتاة اللاأخلاقي كونها غير محجبة، وفي توضيح وتأكيد، أن عصره الرئاسي إن تم كونه كرئيس، أو عبر الأغلبية البرلمانية للإخوان والسلفية، سيعمل جاهدا على التغيير في مشهد الحرية الفردية، باسم الدين والشريعة.
وللآن جلّ الحوارات والنقاشات والمداخلات، التي تم تناولها وتداولها في العديد من القنوات، تركزت في أصولها حول الحريات الفردية، أكثر من أي شيء آخر، لدرجة تم تجاهل الإطلاع على برنامج التيارات الإسلامية الإصلاحي، المتعلق بالصحة والتعليم ومعالجة الوضع الاقتصادي، وتنمية وتأسيس البنية الصناعية الحديثة. ولكن، رغم رؤية البعض أن قضايا كالحرية الفردية والحجاب والسياحة، لا أهمية لها بقدر أهمية الاهتمام بجانبي التعليم والصحة، ووضع خارطة طريق واضحة المعالم والمراحل فيما يتعلق بالاقتصاد والصناعة، إلا أنّ السؤال المهم هنا، هل في حالة وجود دولة مزدهرة اقتصاديا، وصناعيا، ولكنها تعاني في الشأن الحريات الفردية، وكيفية إدارة مجتمع متعدد الأديان، متعدد المذاهب، وفق نظرية المذهب الواحد للدين الواحد، وفقد جزء مهم من ملامح الحياة المدنية، أليس كل هذا من شأنه أن يؤدي إلى وجود نظام تسلطي جديد باسم الدين، وتنامي ردة الفعل الرافضة مجددا؟؟
جل ما أخشاه، أن يكون المشهد السياسي بعد الربيع العربي، تُهيئ له كل الإمكانات والظروف، ليكون إسلاميا ذو لون مذهبي واحد، ومن خلال ذلك، تدخل هذه الحكومات حينها في اتفاقيات جديدة مع الدول الكبرى، لأجل فرض حالة سياسية جديدة تتغير على إثرها خارطة السياسة في منطقة الشرق الأوسط، ومثلما تواجد الغرب في أفغانستان والعراق، يتواجدون في إيران!
في التجربة التركية، مثال جيّد على وصول التيارات الإسلامية للحكم، فالتنمية والعدالة الذي سعت الكثير من الأحزاب الإسلامية اليوم إلى تسمية نفسها بنفس الاسم تيمنا به، وصل إلى الحكم عن طريق الديمقراطية التركية نفسها لا عن طريق انقلاب العسكر، وهم أنفسهم أكبر حماة للحريات الفردية للدولة التركية، لإيمانهم إلى عدم جدوى وضع القوانين والحد من الحريات الفردية باسم الدين من جهة، ولحذرهم، من المؤسسة العسكرية القوية والحامية للعلمانية في تركيا في حالة ورود أي تغيّر على المشهد التركي بما ينبئ بلون ديني أو طائفي معين. والحزب عمل فعلا على تنمية القطاع الاقتصادي مما جعل تركيا قوّة اقتصادية عالمية، من خلال صناعاتها المتعددة والمنتشرة في السوق العالمية، وهي قوة سياسية مؤثرة في المنطقة، ناهيك عن التطور الاقتصادي للفرد داخل المجتمع التركي والمشاريع التنموية التي جنت تركيا ثمارها.
فما هو التوجه السياسي في الميدان للتيارات الإسلامية، وهل فعلا سينجحون في تجاوز عقبة “الفوبيا” التي لطالما نجحت الأنظمة الساقطة والمخلوعة في ترهيب الناس منها؟؟
وهل سيعملون على توجيه نشاطهم السياسي إلى الرفع من جودة التعليم، وتنمية المشهد الاقتصادي والصناعي بفتح باب المشاركة للمواطن، والاعتماد عليه كقوة حقيقية في بناء أساس التنمية، وإنهاء فترة وحقبة من الاحتكار والاستئثار بالسلطة والمال؟
وهل حقا سيسعون، إلى وجود الدولة الإسلامية كقانون، ويبتعدوا عن التضييق على الحريات الفردية، وفق ما يحفظ للدولة كيانها الإسلامي وهيئتها الدينية، ووفق ما يحفظ للفرد حريته وحقوقه؟؟
لنراقب المشهد الجديد، ونقيس أداء عمله، وندوّن إنجازاته قبل إخفاقاته، ولكن قبل أن نراقب، أتمنى أن نرى خطة عمل وخارطة طريق، نستطيع من خلالها أن نرسم توقعاتنا، وندرك إلى ما سوف تؤول إليه الأمور، حتى نتيقن أن الأمور ما عادت تؤخذ بالتمني والوعود، وأن ما وعدت به إما تعمل به، أو أن تحاسب على تجاهلك له!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s