المجلس العسكري، حامي الثورة أم مالك مصر؟؟؟


قالت العرب قديما :”الملك عقيم”. وشرّ التجارب التي يمرّ بها الإنسان، المال والسلطان. واليوم، أمام كل هذه التجارب السياسية، والمخاضات التي تمرّ بها الدول العربية، تجد العقول العربية، خاصة فيما يتمثل بالواقع السياسي، تُمارس أبوّتها مجددا، وتعمل على مبدأ الوصاية في إدارتها لشؤون البلاد والعباد. رُغم أنّ الثورات العربية، التي قادها شباب الأمة، وهم يدوسون على كلّ المذاهب والطوائف التي فرّقت ولم تُجمع، ليطالبوا بعصر جديد يُمثلهم، ونظام يحقق تطلعاتهم وآمالهم، ويقود بهم إلى عصر جديد بكل معطياته وأدواته.
منذ سقوط العابدين في تونس، لم يهتزّ العالم العربيّ مثل انفعاله وحماسه واهتزازه لثورة الشعب المصريّ، التي من ميدان التحرير، حرّرت مصر من قبضة الضُبّابط والعسكر، وأسقطت حكومة الطوارئ، وأنهت عقودا من ظلام سياسي واحتكار اقتصادي، وتهتك اجتماعيّ، ليرسم على خارطة مصر والوطن العربي، ملامح حياة سياسية جديدة، بدأت تتشكل بثورات هنا وهناك، وارتباك سياسي للأنظمة العربية في بعض الدول.
لكنّ، ولأن الثورة الحقيقية للشعوب، تبدأ فور سقوط الأنظمة، كان لا بدّ لأي تحرك سياسي، تُنظمه القوة السياسية التي تدير شؤون البلاد في مرحلة انتقالها، أن تُراعي الظروف “الأمنية والاقتصادية والسياسية” الحرجة للبلاد، بما يحفظ عدم انفراط عقد الفوضى من جهة، وبما يسهم ويُصوّر للناس، أن عصرا جديدا ابتدأت شمسه ليس فقط بالشروق عليهم، بل أخذت مواقيتها في التحرك والدوران.
في حين، ومنذ إسدال ستار على عهد مبارك في ال11 من فبراير، واستلام طنطاوي، ممثلا بالمؤسسة العسكرية وثقلها، مسؤولية إدارة البلاد، حتى تتعافى من آثار نظام سابق، وحتى تتواءم وتمتزج مع طموحات شباب ثائر. إلا أن أداء المجلس العسكري الأعلى، أتى مخيبا للآمال في عدد من الملفات، اختيار الحكومة، التي احتوى رأسها وعددا من وزرائها على أسماء تواجدت في نظام مبارك السابق وكانت أحد أركانه، استمرار التلاعب في تمديد الوقت وتمطيطه فيما يخص محاكمة الرئيس المخلوع مبارك ونجليه وأعوانه في النظام، محاكمة المدنيين في محاكم عسكرية، دون وجود أية تهم مباشرة لهم، في الوقت الذي يتم محاكمة مبارك وأعوانه في محاكم مدنية رغم وجود “خزنة تهم” ضدهم منها اقتصادية وعسكرية واجتماعية، ناهيك عن انفلات الوضع الأمنيّ مع غياب الأسباب، في صورة يُراد منها تثبيت حقيقة في أذهان الناس وهي: أن الحياة في عصر مبارك، كانت أكثر عدلا وأمانا.
إلا أن الــ18 من نوفمبر، كان مكملا لل 25 يناير، وإن تشابهت الصورة واختلفت الأسباب، والحشود التي خرجت سابقا تقول لمبارك :إرحل..إرحل، هي الحشود نفسها التمت واجتمعت منادية للمشير الطنطاوي : يسقط يسقط. في إشارة ورسالة للمجلس العسكري، بضرورة تعجيل نقل السلطة إلى هيئة مدنية تتولى إدارة البلاد.
لكن، حدثين أنتجتهما التحركات الأخيرة، كان لهما دلالات سيئة النتائج، وهما: ميدان العباسية، وحكومة الجنزوري.حدثان ينبئ أولهما بانقسام ليس فقط سياسي، بل مجتمعي، والآخر، يُعلن عن إصرار المجلس العسكري، في إدارة أمور البلاد بالعقلية نفسها التي كانت أيّام مبارك، وبالاستعانة برجال من نفس العهد.
ميدان العباسية، وهي احتشاد عدد من الجماهير في العباسية، تأييدا لبقاء المجلس العسكري، بحجة أنهم ملّوا من الارتباك الاقتصادي، وعدم استقرار الأوضاع، مّما أثرا سلبا على حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وأنهم في مطالبتهم باستمرار بقاء المجلس العسكري، فهم يسعون إلى العمل على استقرار الأوضاع، والنهوض بالاقتصاد المصريّ، وعودة الحياة لعافيتها من جديد، وانتهاء مرحلة مربكة لا زالت تعصف بالحياة المصرية، وتتجلى نتائجها على كافة الأوضاع والخصائص. بعيدا عن التنظيرات السياسية، أو الاصطفافات السياسية، أو الحسابات والتقاسمات الحزبية.
أما تكليف كمال الجنزوري، هو الاتجاه نفسه الذي انتهجه المجلس العسكري، في الانفراد بالقرار في اختياره للحكومة، رُغم أنه –أي المجلس العسكري- كان لا بد له أن يضع في الحسبان، أنه يتحكم في القرار السياسي للبلاد، بتكليف من الرئيس المخلوع، وأنهم –أي الثوّار- لا زالوا يرون فيه رجل من العصر السياسي البائد، وأن البلاد بأكملها، ومنذ يوليو 1952، اكتفت من سلطة العسكر. وأن الثورة والمشهد السياسي بعد سقوط مبارك –وهذا الأهم- تهتم بوجه جديدة تمثلها وتحمل صوتها، بل تبحث عن دماء شابة لا شخصيات قديمة عفا عليها الزمن، وإن وضعت عليها كفّك سقط عنها غبار العُمر والتجربة!
وإكمالا على هذين الحدثين، تلمس شباب الثورة وعددا من الأحزاب السياسية، شكلا من التواطئ بين الإخوان والسلفيين مع المجلس العسكري، فيما يخص الملامح السياسية للخارطة السياسية المصرية بعد الانتخابات النيابية أو البلدية أو الاستشارية، مما يُمهد لحكومة أخوانية/سلفية، لربما تُتَوج برئاسة جمهورية تضع طنطاوي على رأسها.
المجلس العسكري لا يستمع، والمجلس العسكري لا يعرف أن يتعامل إلا بالحديد والنار، والمجلس العسكري، لا يتعامل أو يعمل إلا خلف الغرف المغلقة، ليس هناك من خارطة طريق واضحة، ليس هناك من دستور واضح، حتى الانتخابات، ليس هناك من آلية واضحة لإدارتها إثر اعتذارات كثيرة من العديد من القضاة لعدم رغبتهم في أن يكونوا طرفا في هذه الانتخابات بحجة مرض أو انشغال أو شيء آخر، ممّا يبعث برسالة أخرى، حول وجود أمر ما مبيّت له حدوثه، وأُعد السيناريو له!.
علماء الاجتماع السياسي، يتحدثون عن استمرار الفوضى السياسية وتطوّرها كذلك في المشهد المصري، وهو في حقيقته وضع صحيّ لأي حركة تغيير تحدث أو تطرأ على مجتمعات تعودت لفترة طويلة من الزمن القمع والاضطهاد، وحُشرت في زاوية معتمة وضيّقة، من الطبيعي جدا لحظة خروجه من هذه الزاوية، وممارستها لحقوقها في التعبير والممارسة، أن تصطدم بالعديد من الجدران، كالاختلاف في الرأي وتعدد المصالح، وضبابية المشهد السياسي، واهتزاز الوضع الاقتصادي وارتباك الوضع الأمني…إلخ، ولكن ما يؤسس لغد أفضل، هو التزام كل هذه الأطراف، المتفقة والمختلفة، على التغيير، وعلى ضرورة تهيئة الأوضاع والمؤسسات لحياة سياسية جديدة، فيها من العدل والحرية والمساواة، ما يحقق كل أهداف الثورة، ويحفظ نتائجها وفق القوانين التي تُنشأ لذلك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s