مصر تنتخب أم تنتحب؟؟!


النار التي اشتعل فتيلها في الخامس والعشرين من يناير أوّل هذا العام، لم ينطفئ لهيبها في الحادي عشر من فبراير! ومن كان يعتقد أن أنه برحيل مبارك، تغيّر المشهد السياسي في مصر، فسيُصدم بحقيقة جديدة، وهي احتشاد الجماهير في ميدان التحرير بالمليونية نفسها، وسيُذهل، من انهمار سقوط القنابل المسيلة للدموع على الجموع المحتشدة! وسيُهرع، من اصطدام رجال الأمن بالمتظاهرين، وتبادلهم التراشق بالحجارة، وستعشش الحيرة في ذهنك، وأنت ترى الأضواء الحمراء تختلط بالدخان الأبيض، في مشهد يعود بك إلى الخامس والعشرين من يناير، وصوت واحد يخرج من جوف الميدان يهزّ الميدان بسمائه ومبانيه المحيطة به: مش هنمشي.. المجلس يمشي.
ليس مجلس الشعب المقصود هنا، ولا مجلس الدولة ولا الشورى، بل هو المجلس الآمر الناهي الآن في المشهد السياسي المصريّ، المجلس العسكريّ الأعلى. هكذا، وإثر تراكمات معلومة نتائجها، ومجهول وقت حدوثها، احتشد الناس من جديد، وأطلقوا صرختهم وسط تلوّن طائفي ومذهبي وفكري، وبعدما اعتقد أهل السياسة في مصر، أن الناس مشغولة بانتخابات البرلمان لــ2012، يأتي التحرير، ليُطالب بكفّ يد العسكر، وأوان انتقالها للمدنية.
الشرارة، كانت من أحداث ماسبيرو، والزيت، كانت محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية، ولأن “أهل الساسة” في مصر، لا زالوا يتبعون بقصد أو بغير قصد، خطى نظام سابق في بعض خطواته الأمنية، كان من الطبيعيّ جدا، أن يتلكأ في الاستجابة لصوت الجماهير المتحمسة والغاضبة والعاقلة والحكيمة والجاهلة كذلك، التي نادت إلى كفّ العسكر أيديهم عن محاكمة المدنيين، فتباطئ الفهم، ومعه تأخر الاستيعاب، فأتى التنفيذ بعد طول انتظار خجولا لا يكاد يكون ما تطمح له الجماهير، فأحس الناس أن ثورتهم، بدأت تذهب في طريق مسدود، وأن مصالح “الثورة” تصطدم بصخرة العسكر”!.
فأيّ صواب هذا الذي فقدت به مصر بوصلتها السياسية، إذا أسدلت الستار على نظام مبارك وأعوانه بعد 30 عاما، وأي خطأ انزلقت له قدم الثورة وهي تخطو أولى مشوار الأميال المليون؟؟
اليوم، ووفق التجاذبات السياسية اللامنتهية، ووفق التشكيك، بين تنامٍ سلفيٍ مشكوك في ظهور المفاجئ، ومساومة “إخوانية” لا انتهاء لتفاوت آراءها واصطفافها، وتقزيم لطوائف أخرى، وأحزاب أخرى، أصبحت مصر أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن تسدل على مشهدها السياسي ستار “العسكر” وتتعثر في دهاليز التجربة البكر، دون وصيّ، أو أن تترك للعسكر حرية التنظيم وترتيب المشهد السياسي لها، وتنظيم شؤون البيت المصريّ، في اللحظة الذي يلحظ فيها الناس، تقارب الأخوان والسلفيين مع المؤسسة العسكرية، بطريقة ما كانوا ليعدوها، إلا لأن الأفق تحمل من الأخبار ما قد بُيّت للشعب.
مليونية الـ 18 من نوفمبر، وما تلاه من أحداث حتى يوم السبت وفجر الأحد 20/11، تضع المراقب للمشهد، أمام تخوف مبرر مما سينتج عنه غدا المشهد السياسي كاملا، فهل الخطأ يكمن في تأخر انتقال السلطة للمدنيين، أم في تعجيل طلب انتقال السلطة؟ وهل المؤسسة العسكرية تعمل على تكسير “ركب” المعتصمين الحقيقيون، وبدأت في توظيف المشهد السياسي لما يجعل المواطن المصريّ يشك في قدرة وعافية الحياة المدنية لبضع سنوات للأمام؟ وهل في تحالفاتها الخفية مع عدد من القوى السياسية، نبأ لشكل المشهد السياسي المقبل من حيث رأس الهرم السياسي، ولون الحكومة؟؟
ما الحل إذاً أمام كل هذه التطورات المُلحة للمشهد السياسي؟
من الذي يؤجج الفتنة إن كانت هذه فعلا بوادرها؟
من المستفيد من توقف الحياة السياسية؟
لا أعتقد، أن المؤسسة العسكرية، ستخسر هيبتها ولا هيبة الدولة، إن خرجت على الجموع ووضعت أمامهم خارطة الطريق التي ستتبعها، في سبيل نقل السلطة للمدنيين، ولا أعتقد أنها سترتكب جُرما، لو أنشأت حكومة وطنية أو انقاذ أو استشارية، ليس بها أحد من النظام السابق – حتى ترفع الحرج عنها- لعهد مبارك.
الحالة المصرية، مؤثرة على غيرها من الحركات في الوطن العربيّ، وما يحدث من تنامي التيارات والأحزاب، واختلاف توجهاتها، وتوظيف مصالحها فوق المصلحة العليا للمصريين ومصر، لا شك، أن سيقود البلاد إلى نفق مظلم، لا تخرج البلاد منه إلى الضوء إلى بوجود “عقلاء” من مختلف الأطياف والمذاهب والأديان، يُكرسون الممارسة الديمقراطية، والمواطنة، والمساواة، بما يتيح لمصر حياة مدنية بصناعة مدنية، وبرعاية مدنية.
استمرار القلق وتنامي المواجهه بين العسكر والمدنيين في مصر، مع عودة الاضطراب في البحرين، واقتحام الأمة لمجلس الأمة في الكويت، واستمرار “الفلتان” السياسي في اليمن، والفراغ السياسي الذي يكاد يفتك بفرقاء الثورة أنفسهم والقادة السياسين كذلك، يضع الجامعة العربية في شك وتشكك من نواياها، بل يضعها في دائرة الاتهام من مدى مصداقية إدارة عجلة الإصلاح ونصرة الشعوب، بسبب تكثيف وتوجيه دائرة الضوء حول سوريا وحدها، وتحشيد الجهود ضدّها.فأين هي الجامعة من مراقبة الأوضاع في مصر، وأين هي عن البحرين واليمن؟؟
أتمنى، من الأحزاب والفرقاء في مصر، أن يتركوا عنهم التعنت المتعلق بأفكار ما، أو مذهب ما، وأن يلتفتوا للمصلحة الوطنية فوق أيّ شيء، فمصر ليست دولة حديثة على الإسلام حتى يُنادى فيها بدولة “خلافة”، و لا أنها هاضمة لحقوق أقلياتها، حتى يُشكك في نوايا المنتمين لفئات ما حالة وصولهم للسلطة، وأن الأهم والمهم اليوم، تفويت الفرصة على كل من يترصد لبث الفوضى، والانتقاص من نتائج الثورة وأهميتها، والعمل على بناء جدار الأساس لدولة تستوعب الكل، وتمثل الكل، ويكون فيها المواطن مقدما بعمله قبل أيّ شيء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s