إيــران، وفي الأفق غيوم تتراكم!


لا تضع سقفا للسياسة، لأنها لعبة لا تنتهي أبدا، قائمة ظروفها على مدى توفر المناخ “المطَمئِن” للولاءات المتعددة، ومدى ثبات أرضية المصالح الاقتصادية المشتركة، ولا تعتمد أبدا على التحالفات المبنية على النظرة السياسية الضيّقة، القائمة في عمقها على الفكر “الوحدويّ” البحت، الذي لا ينتج عنه غير دمار شعوب لقيام شعب، بحجة الدين تارة والمذهب تارة، والإرهاب تارة.
نظام “الأسد” لم يسقط إلى الآن في سوريا، وحزب الله لم تكسر شوكته؛ لا المحكمة الدولية ولا الاضطرابات في سوريا، ولا لعبة تغيير المواقع في الداخل اللبناني نفسه، وحماس، لازالت رغم الحصار واقفة على قدميّ الصبر والعزيمة، مستفيدة من التعاطف التركيّ معها، والدعم الإيراني. ولكن في القضاء على إيران، قضاء على المورد الذي لطالما طال الانتظار لدى البعض لأجل إسقاطه، مرة بحجة الأحرار في إيران، ومرة بحجة الدولة المدنية الحديثة، ومرة بحجة الدولة الصفوية وأطماعها في الخليج العربيّ.. ومرة ملفها النووي الذي لم يُسدل الستار عليه منذ سنين 7،إلخ، سيناريو لا ينتهي من التأليب والحشد.
أمّا تكرار السيناريو الليبي في الحالة السورية، فيبدو أنه فعلا يذهب ليس فقط بسوريا بل بلاد الشام، إلى فصل جديد من “الاعتراك” الطائفي، والفوضى السياسية، ذلك أنك في مواجهة حقيقة دامية، وهي أن بشّار الأسد، لازال على رأس المؤسسة العسكرية والأمنية في البلد، ولازالت قبضته الأمنية على “دمشق” و “حلب” من حديد.
لذلك، هل كان الأمر جديدا أم غريبا، حينما تغيبت أصوات الاحتجاج والشكاوي، في الحرب الأمريكية على العراق 2003، والحرب الإسرائيلية على لبنان 2006، ثم على غزة2008 /2009، وممارسات الخطف والاغتيال والاستيطان، وأليس غريبا كذلك، أن تسعى دولا إلى التحدث باسم مقموعين في دول أخرى، وتجييش العالم للقضاء على نظام ما بعينه، في حين أنها هي نفسها، لم تتوانى عن نشر دباباتها وجيشها ضد المعترضين داخلها، أو في دول موالية لها!
ما يحدث اليوم، من محاولات للسيطرة على ثمرات الربيع العربيّ في تونس ومصر، هو أكبر دليل على أن الثورات هناك كانت شعبية لا علاقة لأية يد خارجية في نشوءها وتكونها، وأن غياب التنظيم، في ضبط الصفوف، وتوعية العامة في أسس الفكرة وجذورها، لعبا الدور الأساس في كل الفوضى التي تشهدها كلا من مصر وتونس. في حين، أن تكوّن نوعا من اليأس مع النفير من حدة الأوضاع المستمرة في وسوريا و ومدى تباين وجهات النظر، حول الأوضاع في البحرين واليمن.
ما يؤكد لنا يوما عن يوم، أن كلمة “الربيع” ما عادت تجدي، وأن الحسابات السياسية المغلوطة، والموجهة، فرضت نفسها على خط سير الأمور مجددا، وأن الجمهور العربي عامة، بدأ المشي خلف سيناريوهات أعدت على عجل نعم، ولكنها فيما يبدو، أنها بدأت تستحوذ على عقله واهتمامه. خاصةً بعد سقوط القذافي، ودخول ليبيا في مرحلة، يعضّ العالم جميعه فيها على أنامل القلق والترقب، لما سينتج عنه الوضع الحالي، في زل انتشار السلاح والعتاد بين الثوّار، وفي ظل تنامي وتغلغل لحركات تطرف، لربما الاشتغال على الترهيب والتهويل في أمرها، هو فتح الباب لأمريكا وحلفاؤها، للدخول إلى ليبيا والمبيت على ثرواتها!
اليوم، السيناريو الأكثر خطورة، والذي سينتج عن كتابة فصوله وتحريرها كارثة على الشرق الأوسط، مخطط اغتيال السفير السعودي، الأمر الذي بالتأكيد، أبعاده لن تطال الدولتين المعنيتين فقط “إيران” و “السعودية”، بل سيتعدى الأمر ذلك، لأنك ببساطة، ضربت القوتين المؤثرتين في المنطقة حاليا، وفي حالة غياب الحكمة في التعامل مع الأمر، من الطبيعي أن تشهد المنطقة من العراق وحتى لبنان، الكثير من المشادات والمشاحنات حدّ الفوضى. ناهيك عن سعي أمريكا من خلال اتهام كهذا، إلى تحشيد أكبر قوة ممكنة، للعمل على عزل إيران اقتصاديا وسياسيا –وهو الأمر الذي لم يُجدي مفعوله للآن بسبب دعم الصين وروسيا-، مما يمهد لها، سقوط النظام من الداخل وتآكله شيئا فشيئا، حينما يضجّ الناس من سلطة الأمن القوية، والضرائب المرتفعة، والتضخم.
سيناريو اغتيال السفير السعودي، هو سيناريو شبيه بتفجير برجيّ منهاتن، ولربما الذريعة الجديدة التي ترسمها أمريكا وحلفاؤها في المنطقة هذه المرة، ليس من شأنها أن تضمن لأمريكا فقط المورد الاقتصادي، والحليف الاستراتيجي فقط، بل كذلك تضمن لحليفها الدائم في المنطقة السيطرة الفكرية والمعتقدية والاقتصادية، وتؤمن له النفوذ السياسي المتمثل حاليا محور الاعتدال.
موافقة أمريكا، على تنامي دور الجماعات الإسلامية في المنطقة، والتي تمثّل أولها في فوز حزب النهضة في تونس بأغلبية المقاعد البرلمانية، وبداية الأخوان والسلفية في مصر تجنيد الأوضاع الداخلية لمصلحتهم السياسية، والأمر نفسه سيفرض مجرياته في الساحة الليبية، ليس أمر تفعله أمريكا وأوربا بالمجان، ذلك أن ناقوس الحرب على إيران، سيتطلب وقفات هنا وهناك، وتضامن عربيّ من أكبر دول المنطقة وأكثرها تأثيرا، كمصر وتونس وليبيا والمغرب والسعودية!
أسترجع مقالة قديمة للكاتب الكبير فهمي هويدي، كتبها في 2007 عن إيران، وتحدث فيها عن مقابلته بالخامنئي، وسؤاله له عن دعم إيران للشيعة العرب دون غيرهم، حيث أجابه الخامنئي :وماذا عن دعمنا لحماس في فلسطين، والإخوان في مصر؟، وحينما سأله هويدي عن الملف النووي واصطدامهم الدائم بالولايات المتحدة وحلفاؤها، أجابه الخامنئي، أن الولايات المتحدة وحلفاؤها، عرضوا عليه أنه في حالة اكتفاء إيران عن دعم حركات المقاومة، والنظام السوري، واعترافها بإسرائيل، فإن الولايات المتحدة ستعترف ببرنامج إيران النووي.
لا أذكر الكثير من المقال بعد هذه المدة، ولكن الأحداث هي نفسها تتكرر، ومنذ سقوط نظام صدام حسين في العراق في 2003، ونحن ننتظر تكرر نفس المشهد في إيران، وبنفس الحجة، مع القليل من النعرات المذهبية، والكثير من الحقد التاريخي الذي لا ينتهي. في حين، يبدو أن إيران تعي فعلا اللعبة السياسية كيف تجري وكيف تُدار، فهي أحيانا لينةً ولكنها لا تُعصر، وفي أحايين كثير صلبة، دون أن تُكسر!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s