الربيع العربي ونوبل وكرمان.


قال المتنبي قديما : لو كان النساء كمن فقدنا… لفُضلت النساء على الرجال
لم تكن المعنية هنا، قائدة دولة، ولا هي رئيسة لحزب ما، ولا صاحبة قضية ما، مجرد امرأة ربما ليست من عوام الناس، كون أنها “أم” السلطان وقتها “سيف الدولة الحمدانية”، لكنها تبقى امرأة عادية في التاريخ!
ومن البسوس وعبلة وسجاح وليلى والكثير من نساء العرب، اللواتي خلّدهن التاريخ، في صفحاته البيضاء أو السوداء، يقف التاريخ مجددا أمام شخصية من عوام الناس، لم تأت من خلفية عائلية، ولا سيادية ولا حتى سياسية.. امرأة فتح التاريخ لها دفاتره، وسطر أوراقه، ليضمّها في سجلّه الناصع، كامرأة هزّت العالم بصوتها فقط، ولم يستطع أصحاب الدبابات والرصاص إسكاتها للآن.
كانت جمعة الـــ25 من فبراير، أي بعد سقوط نظام مبارك بجمعتين، وكان صوت امرأة يعلو في عدد من القنوات الفضائية، منها الجزيرة، امرأة عرّفتها الشاشة : توكل كرمان… ناشطة سياسية. تنادي بسقوط النظام، وتتعهد بذلك، وأنها لن تترك الميدان، لا هي ولا زملائها المعتصمون هناك حتى زوال “رئيس العصابة” كما وصفت “علي صالح”!.
توكل عبد السلام خالد كرمان، ليست امرأة أربعينية ولا خمسينية، بل ابنة 32 عاما، أديبة وشاعرة، امرأة محجبة من جماعة الأخوان المسلمين في اليمن، وعضوة في مجلس الشورى اليمني، عن حزب التجمع اليمني للإصلاح، كاتبة صحفية جريئة، ورئيسة منظمة صحفيات بلا قيود –تأسست ردا على تقييد عمل مراسلون بلا حدود- في اليمن، ابنة تعزّ، زوجة وأم، هجرت بيتها منذ ابتداء الحركة الاحتجاجية في اليمن، ورابطت ساحات الاحتجاج وتضامنت مع المتظاهرين. ليفاجئ اليمن، والعالم العربي.. والعالم بأسره باسمها كأول امرأة عربية، وأصغر امرأة تنال نوبل للسلام.
واتضح فجأة، أن العالم العربي، كعادته في غفلته عن معرفة علمائه ومفكريه، أنه لا يعرف المرأة التي اختارتها مجلة التايم الأمريكية، في المرتبة الأولى، لأكثر النساء “ثورية” في التاريخ بأكمله. امرأة ليست بمطربة ولا ممثلة ولا ملكة ولا رئيسة ولا وزيرة ولا ذات سلطة ولا ذات جاه أو مال، تحتل المرتبة الـــ11 ضمن الشخصيات الــ100 الأكثر تأثيرا في العالم لمجلة تايم الأمريكية 2011. وهي التي اعترفت بها وزارة الثقافة اليمنية نفسها كأحد النساء الرائدات في المجتمع اليمني، كما اختارتها منظمة مراسلين بلا حدود من ضمن السبع نساء الأكثر تأثيرا في العالم.
توكل كرمان، الذي دهش العالم حينما ظهرت عبر القنوات الفضائية بعد إعلان فوزها بنوبل، بمدى بساطتها، وابتعادها عن قوانين اللعبة السياسية، والدهاء السياسي، وأنها امرأة لا تتعدى طموحاتها رفع الظلم عن المقهورين، وأنها امرأة لا يمنعها رصاص ولا سلاح ولا قوة عن قول الحق في وجه الظالم، مهما كان منصبه ومها بلغ مركزه. وأنها امرأة،سلاحها ورصاصها هما اللسان والقلم!!
فهي اليوم موضع حيرة كبرى، الذي يراها تستحق، والذي يراها لا تستحق، وعلى كثرة الترحيب الذي لاقى رواجا بين العديد من الصحف العربية، وبعضها من استقبله بنوع من الدهشة، وآخر استنكر واستكثر عليها هكذا لقب، لدرجة شككّوا في نواياها، ومدى ارتباطها بالسياسية الأمريكية، ورغبة الغرب في الإطاحة بـ “علي عبدالله صالح”، وأنها شقّت عصا الطاعة، وتسعى للفتنة، وإطاحة اليمنيين في هاوية الفتنة، وإشعال فتيل الحرب الأهلية.
فهناك من شبهها بسجاح الأخنوجية، التي ادعت النبوة وتزوجت من “مسيلمة الكذاب”، شبهها بسجاح، في سعيها إلى تفريق أهلها وأخوتها، وفي تدليسها للحقائق، وفي تموضعها في مكان هي غير أهل له.. وكأن الطرف المقابل لها، أي الرئيس “علي عبدالله صالح” هو أحد الخلفاء الراشدين. وهناك من شبهها بالبسوس، وشبه المعارضة والموالاة كقبيلتي “تغلب” و “بكر” !. كذلك لم تسلم من اتهامها في عرضها وشرفها، فهناك من رأى أن علاقة سرية ما تجمعها بـ “حميد الأحمر”، ونشطوا في ذلك عبر اليوتيوب والمنتديات.
آخرون، رأوا أن ذهاب نوبل إلى وطن منقسم على نفسه، وقطع السلاح بين أهاليه تزيد عن ال70 مليونا، ولامرأة حديثة عهد بالسياسة، حتى وإن كان عمر نضالها 6 أو 7 سنوات، لهو مجازفة كبرى، وغياب للمصداقية.
لكن، لا يغيب عن بالنا أمرا أساسيا ومهما، أن توكل امرأة محجبة، وتنتمي لتيار ديني، وأنها طوال مسيرتها النضالية، قصيرة كانت أم طويلة، لم تأت بما نستنكره، لا شرعا ولا عرفا، وأنها في نضالها ضد حكومة “علي عبدالله صالح”، ومحاولتها رفع الظلم والاضطهاد عن المرأة اليمنية، وفي انتمائها لمجتمع ذكوري بحت، لا يعترف نوعا ما بأي دور للمرأة في الشارع السياسي ولا في الحياة الاجتماعية غير المطبخ وتربية الأبناء، تكون امرأة تقهر المستحيل، وكالزهرة التي شقت صخرة لتنبت!
الربيع العربي، رياحه لم تطال الوطن العربيّ فقط، بل تعدته لتصل إلى العديد من الدول العالمية، تعددت الدول والأسلوب واحد، فهناك من يحتج على غلاء المعيشة، وهناك من يحتج على جشع الشركات الكبرى، وهناك من يحتج على توريث السلطة، وهناك من يحتج على قبضة الأمن الدامية.. احتجاجات عدة، استطاع العرب أن ولأول مرة ومنذ عقود، أن يُؤثروا بها في العالم أجمع، بعد عقود طويلة، بل قرون، من التأثر بالغير.
ولأن توكل كرمان، امرأة ما زالت تؤمن وبشدة، في استمرارية الربيع، وأن الحق مهما تأخر، إلا أنه سينتصر لا محالة، وأن الظالم مهما طال مكوثه، إلا أنه ساقط لا محالة، وأن العزيمة والإصرار والصبر، تقهران كل قوى العالم، وتكسران هيبة أي سلاح.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s