جمال عبد الناصر…!


لم يحظى رجل بحب جماهيري غفير، كالذي حظي به جمال عبدالناصر، وحينما تسأل كل رجل يفوق عمره ال60، ستجده لا يتحسف من عمره الذي مضى، إلا على أيام جمال عبدالناصر، الذي لم يحظى زعيم دولة عربية بجنازة مثلما حظي بها جمال، ولم يخرج الشعب في جماهير غفيرة يشيعونه مثلما شيعوه، ولم يبكي الوطن العربيّ زعيما، كما بكاه. وإلى اليوم، لازال هذا الرجل محفل العديد من الإعجاب والانتقاد، لما خلفه من إرث عظيم ما استطاع حمله من عقبوه، ولقضائه على الديمقراطية في مصر، لما تسبب في خلق مصر جديدة ممتلئة بالثغرات القانونية، والفساد والمحسوبية.
وحينما تزور عددا من البلدان العربية، ستجد حزبا اسمه الحزب “الناصري”، يضاهي بقية الأحزاب في شعبيته وحضوره وفكره وأيدلوجيته، أنشأه الناس، لإيمانهم المطلق بفكر جمال، وقوميته، وحلم الدولة العربية الذي كان دائما يأمل في تحقيقه بلم الصف العربي وراءه، والوقوف وجها لوجه أمام العدوان الإسرائيلي والقوى الكبرى، مستندا على شعبيته التي طغت وتوسعت، ومعتمدا على دعم السوفييت له.
جمال عبدالناصر، الزعيم العربيّ الوحيد، الذي لازال الكتّاب كبيرهم وصغيرهم، يؤلفون فيه الكتب، ويحللون أسلوبه، ويكتبون عن بياض عصره وسواده، ويمتدحون فيه ويعتبون عليه، منهم من رآه الملاك الذي كان يقبض الرحمة بكفه، ومنهم الذي رأى فيه “الطاغية” الذي قضى على الخصوم والمختلفين معه في الفكر، حتى لا يسمع صوتا غير صوته أو ما وافق صوته، وكي لا يرى إلا ما يريد أن يرى!!
من52 وحتى 56، مرورا بــ 61، وانتهاءً 67، أعوام “أربعة”، تنقلت فيها مصر، بل الأمة العربية، من دهشة إلى أخرى، ومن صدمة إلى نكسة، أعوام “أربعة” كان العربيّ فيها يغذي أحلامه بفيتامين عبدالناصر، ويُسكت صبره بــ “أسبرينة” عبدالناصر، وإذا ما أراد أن يطرد “شياطين” الانهزام، نطق باسم عبدالناصر، حتى أقبل 1967، ليتفاجأ العالم العربيّ، أن اللوحة لم تكن كاملة، وأن الجدار الذي لطالما عملوا على بنيانه ناقص لم يكتمل، هشّ لم يحسنون تقوية تربته. وأن القوّة التي لطالما افتخروا بعظمة “صوتها” كانت طبولا فارغة.. وأن العمل العسكري، والنصر الميداني، حكاية طويلة من التجهيز والإعداد والإصرار والمتابعة والتحسين المستمر اللامنتهي.
جمال عبدالناصر، الذي طرد المحتل الإنجليزي، وقاوم العدوان الثلاثي، وأمم قناة السويس، وبنى السد العالي، وأسس لقاعدة صناعية كبرى لا زالت مصر لليوم تستفيد منها، وتعيش على بعض منجزاتها التي لم يدخل التحسين فيها، جمال الذي اقترب من الناس والفقراء أكثر، وساهم في صنع جيل في طريقه إلى “الحق” لا يعرف المستحيل، ولا يعرف الاتكال على الآخرين ولا على الأحلام ولا على الغد، هو نفسه الذي ملأ السجون بمعارضيه، وهو نفسه الذي داس على كل قلم انتقد مؤسسته، وهو نفسه الذي حابى من امتدح فيه، وهو نفسه، الذي في لحظة تمهيده ومطالبته بمساعدة الفلاحين والفقراء، أنفق أموال الدولة في حروب خارجية لدول عربية وأفريقية.
وللآن، لم يأتي رجل في جرأته، رغم تكرر رجال كثيرون يشبهون قسوته، للآن ورغم كثرة الأحزاب الناصرية، إلا أن الدولة الناصرية لم تعد، وللآن، لا زال الكاتب لا يأمن على مداد حبره من جبروت السلطان، وللآن، مصر بعد تجربة ديمقراطية في عهد فاروق، لا زالت بلا ديمقراطية، وللآن، لا زال المصريون يدفعون ثمن الانفراد بالسلطة والقرار. فهل كانت ثورة 1952 التي انقلب فيها الجيش على الملكية، وليس الشعب، ونصّب نفسه بدل الملكية ملكا، باسم “الجمهورية”، هل كانت ثورة “الحلم”.
هل كان جمال، المفتري علينا أم المُفترى عليه؟؟
هل كان جمال، أعظم حاكم عربيّ أم وأعظم ديكتاتور؟
هل كان جمال الرجل الذي أخذ بيد الحرية أم أنه الذي وأدها؟
الرجل الذي ساهم في تكوين “منظمة التحرير” من دون أيّ تحرير، والرجل الذي أنشأ حركة عدم الانحياز، رغم أنه كان الأكثر انحيازا في العالم لأفكاره هو وحده.. الرجل الذي لطالما حلم بوطن عربي موّحد، في حين أنه تخلى عن السودان طائعا.. ولليوم مصر تجني وستجني ثمار قرار كهذا..
ورغم أن كل شيء له دخل في الصناعة والطاقة، عمل ناصر على تضخيم رقمه، فقد زادت قيمة الإنتاج الصناعي بالأسعار الجارية من 314 مليون جنيه سنة 1952 إلى 1140 مليون جنيه سنة 1965 ووصلت إلى 1635 مليون سنة 1970 وزادت قيمة البترول من 34 مليون جنيه سنة 1952 إلى 133 مليون سنة 1970، ناهيك عن وفرة الطاقة الكهربائية، خصوصا بعد بناء السد العالي، إلا أن الخيرات ذهبت بعد ذلك فيما يبدو، لجيب نظام مبارك، وأحباب مبارك، وبقي ما بناه ناصر، وما عمل على تصفية القريب والبعيد من أجل استقراره، لا قانون يحميه، ولا نظام مستمر في تحسينه، لماذا؟؟ لأن الطغيان أعمى.. لا ترى من خلاله إلا ما تريد أن تراه وحدك.. دون أن تراعي جوانب القصور والضرر، التي لربما قد تطرأ، كون أن التجربة في الأخير، تبقى بشرية وبأيدي البشر.
الحياة المصرية في عهد ناصر، رغم تخضبها بالتجربة النضالية، ووسمها بنبرة التحدي، إلا أن المدّ الديمقراطي الذي قامت به ثورة الجيش كأحد الأسس للإطاحة بفاروق، تم وأده قبل أن يولد، من اصطدام بالإخوان ثم الشيوعيين ثم الكتاب، ثم إغلاقه لنقابتي المحامين والصحفيين… ثم اصطدامه بصديق عمره ورفيق دربه المشير عبدالحكيم عامر، وكأن ما قالته العرب قديما :الملك عقيم، يجري صحيحه دائما، فقط على أمتنا العربية.
هل لو امتنع ناصر عن دعم السلال في اليمن، بالمال والجنود والعتاد، أكانت ستحدث هزيمة ونكسة حزيران؟؟
وهل لو انشغل ناصر ببناء دولته، وإتاحة مساحة من الحريات الفردية، والممارسات الديمقراطية، أكان سيؤول المآل بمصر إلى التظاهر والاحتشاد في ميدان التحرير للإطاحة بمبارك؟؟
نحن العرب، اليوم وقبل أي وقت آت نحتاج لمراجعة تجاربنا جميعها بدل البكاء عليها!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s