لا هو غاندي.. ولا هي الهند!


لا تطلب الناس شيئا، هو حقك. ولا تستجديهم أمرا هو ملكك. ولكن، في أمر السياسة العجب العجاب، كلّ يرى نفسه “ذكيا”، فيأتي بأمر يُدهش الناس به، وكأنه أتى بما لم تأت به الأمم ولا البشر من قبل، وهذه “السذاجة”، لا تحدث إلى مع الجاهل في قيادة أمور ناسه وشعبه. تمضي الأيّام، وتتغير التواريخ والوجوه والأشياء من حولنا، ولكن يظل العقل البشريّ هو نفسه، والطباع هي نفسها، دون أن ندرك يقينا ونتعلم من قامات الكرامة في البشرية جمعاء، منذ الفراعنة والحمورابيين والكلدانيين والفرس والروم والإغريق والعرب والمسلمين، أن ما أُخذ بالقوّة، لا يُسترد إلا بالقوّة!
لذلك، وحينما فاجأنا محمود عبّاس، بجديده القديم، وهو رغبته في التوجه إلى الأمم المتحدة، مدعوما من قبل عددا من الدول العربية، والمطالبة باعتراف دوليّ بـ “فلسطين”، كان أمران يلوحان للمتابع في الأفق، أحدهما متعلق بتفسير سبب هذا التوجه المفاجئ الذي يشهد فيه العالم العربيّ خاصة تغييرات جذرية إن صح الوصف، ويشهد فيه “التشتت” الفلسطيني نوعا من لمة الصف وتوحيد المسار، وثغرات مشينة وسقطات مفزعة في الداخل “الفتحاوي”، بعد فضائح من هنا وهناك، تخص قيادات فتح نفسها، وربما بطريقة مباشرة أو غير ذلك، تطال “عباس” نفسه.
فأتى هذا التحرك المفاجئ لنا وللفصائل الفلسطينية الأخرى مثل حماس وجهاد، وعلا صوت عباس فجأة، أنه ينوي التحرك للأمم المتحدة والمطالبة بحق الاعتراف بدولة اسمها “فلسطين”، عاصمتها القدس. تماما، كالذي استيقظ من نومه يوما، وفاجأ العالم أجمع برغبته في أن يصبح ملكا، لمُلك هو مُلكه في الأصل!
أما الأمر الآخر، وهو ردة الفعل العالمية، العربية الخجولة جدا، والإسرائيلية الغاضبة، والأمريكية المساندة للغضب الإسرائيلي والمتفهمة لرغبة إسرائيل في عدم وجود كيان اسمه “فلسطين”، بالتالي، انسحاب التأييد عن وجود هكذا اعتراف، لأن أمريكا من حقها استخدام حق “الفيتو” وإلغاء الأمر برمته وكأنه لم يكن.
كل هذا يعود بنا إلى أن نتذكر تحركات غاندي، إبان الاحتلال الانجليزي للهند، وقدرته على إجبار القوى الكبرى منح الاستقلال للهند، دون حرب وإراقة دماء. كان غاندي، وكانت الهند، المليئة بالطوائف المتعددة، والديانات المختلفة، والأصول المتباينة، كانت الهند التي لا تتفق ولا تلتقي، فكان أن وحد الصف، وساوى بين الجدار والآخر، بعدها، وبعد أن تأكد الأمام من أن الصفوف خلفه متراصة، الأقدام بالأقدام والمناكب بالمناكب، تحدث باسم الصفوف المتحدة، ووقف مستندا على جدارهم، فهل هذا ما حدث في فلسطين؟؟؟
من يستطيع أن يأخذ دعوة أو طلب محمود عباس على محمل الجد؟ والداخل الفلسطيني منقسم على نفسه، وكل له نظرته وتوجهه للدولة التي يجب أن تكون، وكل له لونه الذي يختلف عن الآخر، وطريقه الذي لا يتقاطع مع طرق الآخرين، من الذي سيأخذ طلب عباس على محمل الجد، في أمر هو أمره، وفي وبلد هي من حقه، وفي ملك، هو ملك شعبه وناسه وأهله!! فهل اختلفت الموازين واختلت القوى؟؟
ولكن نعم، يبدو أن عباس يعرف مسبقا ردة الفعل الدولية على هكذا أمر، ويعلم مسبقا أن الدعم العربي الخجول أو الجريء لن يصل به لمكان، ويعرف جيدا، أن أمريكا لن تساند إلا إسرائيل، ويعرف جيدا، أنّه في وضع يده بيد “نتنياهو” يستبدل دم الشهداء بالماء، ويعرف جيدا أكثر، أنه في حركته هذه وتوجهه للأمم المتحدة، فأنه لن يكسب إلا شارعا واحدا، وهو صفه الفلسطيني الذي بدأ يُشكك في قدرات عباس بعد مسلسل الفضائح المتتالي.
ولكن يبدو فيما يبدو لما من الأمر برمته، أن العرب، مهما تبنوا نظريات “الفلسفة الثورية” ومهما تسلقوا جدران الإيديولوجيات السياسية، ومهما لبسوا ملابس الثقافة السياسية، يظلون هم العرب أنفسهم، ولائهم للقبيلة قبل الأرض، وللمذهب قبل الدين، للوسيلة قبل الغاية. فالأمير يولد أميرا، ويعيش أميرا ويموت أميرا، كان مجرما أم سفاحا أم طيبا أم ساذجا أم غبيا إلخ، لذلك، تمرّ السنون، وتتوالي والقضية الفلسطينية هي هي، لم تراوح مقعدا، ولم تغادر أيّ درج؟
هي ليست دعوة للسلاح، ولكن، استرداد الحق، إن لم تأت به الشرائع والقوانين، لا تأت به غير العزيمة والإصرار والمقاومة، مهما بلغ الثمن، والبزّات الأنيقة، والسيارات الفاخرة، والسير على رخام قاعة “الأمم المتحدة”، لن يأتي بالأرض التي ذهبت واحتلت، طالما كان تشريع الاحتلال خرج من القاعة نفسها. لأن المسألة ليست مسألة “الظالم” و “المظلوم” بل المسألة تتعلق بأمة جبُنت، وانشغلت بنفخ جيوبها بالمال بدل الرصاص!
سيدي “محمود عباس” لست أنت غاندي، ولا أن فلسطين “الهند”، كم أتمنى لو رأبت الصدع أولا، وكنتم صفا واحدا، الأقدام بالأقدام، والعقول بالعقول، قبضة واحدة وصوت واحد، بعدها، اطلب العالم ماشئت، لأنهم لحظتها سيخشون الوحدة التي أنتم عليها، أما أن “تتسول” العالم ما هو ملك لكم أصلا، إنما هو استهانة بكل قطرة دم تمت إراقتها، وكل روح تم زهقها، وكل نفس وجسد وحلم تم وأده.

Advertisements

One thought on “لا هو غاندي.. ولا هي الهند!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s