الثورة المصرية.. خيارات المحاسبة والإصلاح!


    حينما تتكاثر السلع وتتنوع، يكثر التجّار والمتسلقين والطامعين، والثورة المصرية، أنتجت سلعة غالية وعظيمة ولا تقدر بأي ثمن، هي مصر، الدولة العربية الغنية بالثروات، والمرهونة بالعديد من السياسات، والتي تشكّل عمود العرب وخيمتهم الأساس، عليها تقوم قائمتهم، وتحتّ ظلها يلتقون.
    أتت الثورة، وأسقطت نظاما تسيّد البلاد والعباد فيها طوال 30 عاما، 30 عاما، تخلى في المصريّ عن كل المكتسبات الجميلة التي أخذوها من عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول والرافعي وجمال عبد الناصر، وآخرون غيرهم، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية أو الفكرية أو السياسية، إلا أنهم بنوا لمصر وشيّدوا صرحا حضاريا لا يُستهان به، وصنعوا لها ثروة قومية في الكثير من المجالات أفرزت العلماء والكتّاب والأدباء والعلماء إلخ، 30 عاما، أصبح همّ المصريّ فيها لقمة العيش والجري خلف أسباب توفير هذه اللقمة.
    وحينما سقط “مبارك”، كان سقوطه كزوال الغيوم الكثيفة التي لطالما اعترضت شروق شمس الحرية على البلاد والعباد، فانكتب تاريخا جديدا للمصريين، مثل ثورة 23 يوليو، تاريخا يضع الدولة الجديدة وصانعي ثورتها أمام العديد من المطبات الصعبة والخيارات الأصعب، مرحلة عرّفها الأثر بـــ “الجهاد الأكبر”، بعدما انتهت مرحلة الجهاد الأصغر بسقوط مبارك ونظامه.
    لكن الثورة يبدو أنها ابتدأت بسقوط مبارك، وانتهت بمحاسبته، ونسي ثوّار مصر، أن الثورة إن لم تكن تعني الإصلاح والتغيير الحقيقي، في حضارة المجتمع وشكله وآلية تعامله، إن لم تكن تعني أن تخلق مجتمعا جديدا، العلم والحق والحضارة، هي ملامحه، مجتمعا، يستحضر كل جميل وأصيل من مكتسباته الماضية، ويستند عليهما بخبرة علمائه ومفكريه وروّاده وتجاره، في بناء الدولة الجديدة، وتخليصها من سرطان الفساد الذي استشرى في جسدها طوال 30 عاما، ليس فقط الركون على “جدار” المحاسبة، وتصوير الثورة على أنها مجرد قوّة ظهرت لمناطحة قوّة، وقوم أتوا ليستبدلوا قوما آخرين، لأن هذا سيعني أن الظلم الذي ذهب، سيأتي آخر غيره أكثر حلكة وسوادا.
    اليوم الثوّار مطالبين بتحديد مسار الثورة عبر تفعيلها في المجتمع، وليس عن طريق مليونية أخرى في التحرير، ولا عن طريق إنشاء الأحزاب، ولا عن طريق عرض العضلات، ولا التنقيب في مفاسد من سقط من القوم طالما ذلك لا يسهم حتى في وضع طوبة على جدار بناء الدولة. اليوم الثوّار مطالبين بخارطة طريق متعددة المراحل، تنهض بمجتمع حقيقي، والتخلص من كل سلبيات الدولة السابقة، في الرشاوى والإهمال واللامبالاة والقذارة والفقر. خارطة تعتني ببناء الدولة لا بحماية الثوّار وإظهارهم والتطبيل لهم، ثورة تخلق القوانين التي تعين عدم تكرر حقبة الفساد، القوانين التي تحفظ كرامة المصريّ وصحّة جسد الوطن.
    فماذا فعل الثوّار للمواطن العادي جدا؟
    ماذا فعلت الثورة الآن للتاجر البسيط جدا؟
    ماذا قدّمت الثورة للمظلوم في أرض أو علم أو اقتصاد؟
    ماذا اتخذت الثورة من خطوات وخيارات وقرارت للنظر في في الفساد التعليمي وآلية تفعيل المخرجات التعليمية وتوظيفها في المسار الصحيح لها؟
    ماذا أعطت الثورة للعامل على قارعة طريق؟
    مالذي غيرته الثورة في شكل مصر ما قبل مبارك ومصر ما بعد مبارك؟
    مالذي أضافته الثورة في أمور الزراعة ومحصولاتها ومداخيلها بعدما جنت دولة “مبارك” عليها في استثماراتها ومشاريعها ؟؟
    الشيء الأكيد، حينما تعود إلى مصر الآن، ستعرف أنها مصر مابعد مبارك، من خلال غياب صوره في الشوارع وصور “رجالات عهده وحكومته”، ومن خلال مبنى الحزب الوطني الذي أشعل الثوار فيه نيران غضبهم أيام بدايات الثورة، ومن خلال عنجهية رجالات الأمن في شوارع مصر. ولكن، لا زال الفقر مطبوعا على جبهة الكثير من البسطاء، ولا زالت “الزبالة” المشكلة التي تثير الكثير من التساؤلات، ولا زالت الرشاوى تفرض نفسها من هنا وهناك، ولا زالت “الفهلوة” هي الأساس في الحكم على أهمية المرء لا عمله. ولا زال مفكري الأمة وعلمائها بعيدون جدا عن الخارطة السياسية.
    فهل كان الثوّار أصحاب مشكلة أسمها “محمد حسني مبارك” وعائلته وحاشيته؟؟؟ إن كان غير ذلك، لماذا تركوا هذا الحمل الثقيل جدا، والمتعب جدا، والمنهك جدا، على حمل دولة “ترتجف” يداها خشية إسقاطهم من لافتة شارع، وعلى ظهر “عسكر” لا خبرة لهم في تنظيم الحياة المدنية بقوانينها ومبادئها وتعقيداتها. لماذا حينما صعدوا للقمة تمسكوا بها دون أن يأخذوا الآخرين إليها، ودون أن يسهموا في تبديل ملامحها ولا تعديل صورتها؟؟؟
    انتهت أيام مبارك، ولم تنتهي للآن تبعاته، فيبدوا أنه من السهل جدا أن يأتي مباركا آخر، ورجالات حكومة ك “نضيف” و “عز” و”العادلي” وغيرهم، طالما أن الثورة التي أشعلت النيران على الأرض الفاسدة لم تهتم ولن، بزراعة الأرض ببذور الثورة. حينما تجد أن المصريّ يستغل المصريّ، والمصريّ يسرق المصريّ، والمصري يستهين بأهمية المصريّ، وحينما يرى كلّ مصريّ أنه هو وحده القادر على الإضافة والتغيير والآخرون لا، يعني هذا، أن مصر مازالت هي مصر التي حرص “مبارك” وحاشيته على رعايتها وتربيتها!!!
Advertisements

2 thoughts on “الثورة المصرية.. خيارات المحاسبة والإصلاح!

  1. أقتبس منك: ((ولا زال مفكري الأمة وعلمائها بعيدون جدا عن الخارطة السياسية.)) …
    للأسف كلامك صحيح..

    في علم الاجتماع (لا السياسة) لا يوجد شيء اسمه ثورة..

    يوجد احتجاجات، انقلابات، الخ…. وهي كلها تغييرات مختلفة تحدث في المجتمع، أما تفسير علم الاجتماع للظاهرة المسماة (ثورة) هو حركات شعبية معينة (غالباً سببها اقتصادي بحت) يقودها ثلة من السياسيين إما منذ البداية، أو لاحقاً عند تطور الأحداث..

    كل وقائع التاريخ تثبت صحة هذه النظرية.
    وما يجري في مصر من أحداث تم تسميته (أمريكياً) ثورة وربيعاً عربياً.. بالاشتراك مع ثلة من قنوات الإعلام..
    وللفطين أن يتساءل لماذا؟

    أقدر لك موضوعيتك الشديدة بالرغم من أنك من التواقيين للحرية ومحبيها.. أمثالك قليلون.. من يرفعون شعار العقل.. لكي نعقلها ونتوكل.. لا كما أشاعت قنوات التحريض الثوري الحالية (نسقط الأنظمة ثم نعقلها) فهذا منتهى الفوضى، والفوضى الفكرية أولاً.

    دمت وعمان بالود.

    • عزيزي..
      متى ما أدرك العرب غدهم الحقيقي… متى ما أدركوا مصلحتهم الحقيقية..
      نحتاج لليقظة قبل الثورة.. حتى نستطيع أن نضع خارطة طريق تقودنا لما نحن ماضون له..
      لأن الإصلاح حركة طويلة، لا تتمحور ولا تتخلص في قلب الكرسي على الجالس فيه فقط..
      مودتي لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s