الاختلاف والاتفاق!


لكل نظام في العالم، من يتفقون معه، ومن يختلفون. ولعل الإختلاف “رحمة” في قليل من الحالات، خاصة الحالة التي يصبح فيها النظام سلطة فوقية، لا تعايشية، سلطة تضع القانون للتسيد الموقف، لا لتنظمه. وهذا الاختلاف عادة ما ينبع منه الضوء الذي يقود لنهاية نفق الاختلاف على الاتفاق في أحيان قليلة جدا، هذا الإتفاق الذي يأتي إما “قسرا”، وإما اختيارا.
ولعل الاتفاق الثاني، هو الذي ينتج عنه الإصلاح، وإعادة ترتيب البيت الداخلي للدولة وفق رؤى ونظريات، تتبع سلم الإصلاح معتمدة على أسباب نشوء هذا الاختلاف، ومعالجة نقاط الخلل، بعدم خلق نقاط خلل أخرى، ووضع كل المشاكل مهما كانت صعوبتها أو تطلب علاجها، وتقديم الحلول وآلية تنفيذها، وهذا ما يقف رهن إشارة رغبة الطرفين: “السلطة” و “المعارضة” في المضيّ قدما للإصلاح، بعيدا عن خيارات المناصب وتوسيع أو تقليل السلطة، مع الاحتفاظ على مبدأ مشاركة الطرفين في صناعة القرار، أو بالأحرى، تمكين الطرف المعارض على المساهمة في صنع وتكوين معادلة القرار وصنعه.
أما القسر، فيأتي نتيجة “خوف” السلطة عادة من فقد الكثير من “نفوذها”، أو فقدان رجالاتها للكثير من “مصالحهم” الاقتصادية، التي توّفر لهم وتمكنهم من بسط سلطة اقتصادية بجانب السياسية، بالتالي ضمان وجود صفّ موالي خارج التركيبة الاجتماعية والطبقية، صفٌ لكثرة اهتمامه بتحصيل لقمة العيش، لا يهتم إلا باتباع الطريق المرسوم له، والوقوف عليه. كذلك انسحاب تأثيرهم “الاجتماعي” على فئة من الناس، التي عادة ما تضمن لهم قوّتهم “الميدانية” في حالة تطلب الأمر تنبيه أو تذكير بمدى أهمية وجودهم في السلطة، بحجة لمّ الصف، والوحدة.
نجحت الأنظمة العربية إلى اليوم، في بسط اتفاق”القسر” أكثر من الاختيار، ذلك أن أسباب تأمين وجودها واستمرارها، كان أكثر “أثرا” و “اهتماما” من أسباب البناء والإصلاح، لذلك، معظمها عمل على مبدأ “العصا” و “الجزرة”، والعقاب والثواب، ليس من باب حفظ النظام، ولكن لتمكين السلطة وتأمين النفوذ. فليس من بلد عربيّ ليس بها مدارس وجامعات، ولكن العبرة في جودتها ومدى صلاحيتها للفرد أولا وللمجتمع ثانيا وللدولة أخيرا، خاصة إذا ما تمت المقارنة بغيرها من الدول في التعليم، ونواتج التعليم، في الصناعة والزراعة، مما يسهم في تنمية ثروات البلدان اعتمادا على الثروة البشرية نفسها قبل الطبيعية.
الأمر نفسه من الناحية الصحية، وغيرها من الخدمات المقدمة للفرد العربيّ في بلاده. لذلك ستجد أن الخدمات كمسمى، التعليمية والصحية والصناعية,, إلخ، متواجدة، ولكن من ناحية الكيف، ناحية التطبيق والنتيجة والعمل، الأمر مختلف تماما، هو الأمر نفسه الذي يجعلك تراقب حركة تنمية لبلد ما، مؤشرها إن ارتفع، فهو يرتفع ببطئ شديد، ولا يعود ارتفاعها إلى “رُقي” و”جودة” التنمية، بل إلى تراكم الخبرات البشرية بسبب استمرارها في نفس المجال لسنوات عدة، وتجددها من جهة، لزيادة الكوادر البشرية واستحداث وظائف عدّة.
الأنظمة اليوم وأكثر من أيّ يوم مضى، تحتاج للاستماع إلى من يختلف معها، لا من يتفق، ولعل نظرية”ماذا قدمت” ما عادت تجدي نفعا تحت سقف الممارسات السياسية شبه “الحقيقية” التي تعطي، ولكن بحدود، وتسمح ولكن بشروط، فليس مطلوبا من الفرد أن يكون شمّاعة للقيم ولا المبادئ، طالما القانون يستأثر خيرات الدولة لرجال دون غيرهم، ولا من المعقول، أن يُحشر المعارض في قائمة “الخونة” دائما، ويتم تجاهل رؤيته أو نظريته، بحجة أنّ التنظير يغلب على الواقعية في طرحهه، والسلطة تعلم، أن غياب التطبيق يعود بسبب وجود منهجا واحدا لا غير، وهو المنهج السلطويّ الذي يتوافق مع رؤية المسؤول فقط، أي وفق ما يتحقق في المصلحة للدولة بأدني شروطها، ومصلحته الشخصية بأعلى خياراتها.
التغذية الراجعة لكل نظام واجبة، فمهما كانت النية السليمة، والطموح الكبير لنظام فرديّ، في خلق مجتمع أو دولة عظيمة، إلا أن ذلك لا يعني الانفراد بقرار التنمية، وأن يكون للفرد الفدرة على وضع بصمته في صناعة مستقبله، وفق ما يتناسب من مجالس بلدية ودستوريه، تمكنه من المساهمة حقيقة لا صورة.
اليوم، يكثر ظهور المطبلين للسلطة، في أي نظام، بسبب انتماء المؤسسات الإعلامية بمختلف تياراتها، قرائية ومرئية وسمعية إلخ، للنظام، وبسبب عدم السماح بظهور الصوت الآخر في هذه الوسائل، رغبة من المسؤول في التلميع والتغطية، ورغبة من السلطة في التخلص من “صداع” إثارة خلافات الرأي، بحجة توحيد الصف، والحفاظ على المنجزات.
واليوم، بدأ يتراجع دور المعارض كصوت إصلاحي، أو مناديا للتغيير والإصلاح، بغض النظر عن قدرته في ذلك تطبيقا، فما دامت الفكرة نابعة من واقع، فلا يجب النظر إلى زاوية أخرى وشخصنة الأمور، بهدف التعتيم والتضليل على فكرة الإصلاح نفسها. خاصة، وأن الإصلاح إذا قام بمبدأ: البدء من حيث توقف السابقون، أي عدم إلغاء تجربة الآخر مادامت تحمل توافقا فكريا، وتخدم غاية الإصلاح نفسه.
ليس من المهم أن يكون الإصلاح مواجها للفساد، بل عادة ما يكون مترافقا مع التنمية قبل أن يكون مجرد حلول لمشاكل أو أخطاء، أي أنه السبيل إلى تطبيق رؤى قديمة بأفكار وخطط جديدة، تتناسب مع معطيات العصر، وتتوافق مع وسائله، والأهم، تتوافق مع فكر الأجيال وطاقاتها. لا الاكتفاء بضخ الدماء الجديدة من أجل توظيفهم لتنفيذ الفكر القديم.
آن آوان التخلي عن أنانية القرار، واقصاء الآخر، آن أوان الوقوف جميعا أمام منصة واحدة، مهما تعددت أفكارنا واختلفت اتجاهاتنا، ما دام ذلك يعني السعي لغاية واحدة، لا المصلحة الشخصية ولا المنفعة ولا الوجاهة، فقط التأكيد على المصلحة العامة، آن أوان تخلي السلطة عن القيام بدور “الموّجه” والعالم ببواطن الأمور وخوافيها. فالدول العربية تحتاج اليوم اكثر من أي وقت مضى إلى الوقوف على أخطاء الماضي وتدارك الحاضر لصنع مستقبل يتناسب مع فكر أجيالها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s