المحكمة الدولية… حرب أهليه مذهبية في الأفق!


من الطبيعي جدا، أن نستهين بأمر رجل يسمح باستباحة أمنه وأمن بيته وأهله، وأن نقول عن هذا الرجل أنه “مخبول” أو “مسطول” أو قد بلغ به الجبن/السفه، إلى أن يتنازل عن كرامته وشرفه، لحد الموافقة على التدخل في شؤونه الداخلية، والعبث بعلاقاته الأسرية، والتدخل في ترتيب أثاث بيته، وتقسيمه. فما هو الحال إذاً حينما يتعلّق الأمر بدولة كـ لبنان؟؟
في الأمس القريب، وبعد موافقة حكومة السنيورة في نوفمبر 2006، على إقرار الموافقة من قبل حكومته على المحكمة الدولية، ظهر رجال حقوق عرب كبار، نادوا في الجامعة العربية والدول العربية ذات العلاقة عامة، ولبنان خاصة، إلى التراجع عن هكذا قرار، وإعطاء الفرصة للجنة قضائية لبنانية، أو عربية مستقلة، ذلك أن الذهاب نحو “تدويل” قضية اغتيال الحريري، أمر من شأنه القضاء على خيوط دقيقة وحسّاسة متعلقة بالأمن الأهلي اللبناني، وفتح أمن البلد وأسراره وسياسته لقرار خارجيّ، ربما يسيّس المحكمة حسب “الهوى” السياسي العام، ورغبة كل جبه بالشرق الأوسط. كان أحد هؤلاء الحقوقيّ والقانونيّ المصري الكبير الدكتور علي الغتيت.
ما يحدث اليوم، وما سيحدث غدا في لبنان، سيناريو أعدّ له سابقا، ربما قبل اغتيال رفيق الحريري نفسه، بل شبه مؤكد بعد اغتياله. ولكن بالتأكيد، بعد فشل الغزو الإسرائيلي في أغسطس 2006 على الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية ببيروت.
إذاً العالم الإسلامي عامة، والعربيّ خاصة، معنيّ بقضية جوهرية وأساسية، اسمها “المحكمة الدولية” وذلك لأبعادها السياسية التي قد تطال العديد من الدوَل، وأثارها “المذهبية” التي ستتمدد وتتوسع على خارطة العالم الإسلامي، في حالة تشبيه –كما هو رائج اليوم- اغتيال الحريري محاولة للقضاء على السنّة في لبنان عن طريق الشيعة. والتوتر “الأهلي” الذي تسعى المحكمة الدولية جهارا اليوم، لبثّه بين الفرقاء السياسيين في لبنان، وإيصاله للشارع اللبناني وشرائحه الاجتماعية.
التحدث عن تدخل خارجي في القرار اللبناني، عمل ساذج، ذلك أن ليس هناك من دولة عربية غير خاضعة لهكذا تأثير. ولعلّ لبنان هي من الدول المتميزة بل المتفردة، في استقواء فرقها وأحزابها على بعضها البعض بدعم إقليمي، رغبة في تكوين إحدى الدولتين: دولة استسلامية تنضم لمحور الاعتدال العربيّ، بالتالي خلق دولة إن لم تكن خاضعة سياسيا للإدارة الأميركية، لا تشكل خطرا على إسرائيل. أو تكوين دولة هي امتداد للمشروع “الضعيف كيانا” المناوئ لقوى الغرب، والذي يظهر قلقا من تواجد إسرائيل، ويدين اعتداءاتها المتكررة بحق الفلسطينين، بل ما زال إلى اليوم يتعامل مع إسرائيل كدولة احتلال.
في اعتقادي، استمرار فريق 14 آذار في تمكين المحكمة الدوليّة من كل مؤسساتها الرسمية، و”تغميضة العين” على أدائها المشبوه، لا شك سيؤدي إلى انفجار جديد في لبنان، ولكن هذه المرة ليس كـ 7 آيار، فحسب المعطيات، أن هناك رجالا تم تجهيزهم وتدريبهم في الأردن يتبعون للقوات والكتائب، ناهيك عمّن يتبعون “المستقبل” من ميليشيات مسلحة، بالتالي، ستكون هناك نوع من المواجهة الساخنة بين الموالاة والمعارضة –ويا لسرعة تبدل الأماكن في لبنان- ، لربما تقود إلى حرب أهلية، ولربما تتبعها ضربة “إسرائيلية” جوّية على المكامن الحيوية لـ “حزب الله” بغية إضعاف شوكته، والتخلّص من ترسانته العسكرية ولو بنسبة 30 – 50%، بما يضمن لإسرائيل مسألة الحسم في أية مواجهة قادمة منذ أيام المواجهة الأولى.
لكن الأوراق قد تغيّر ترتيبها، والمحكمة، مما لا شك فيه، قد اتضح للكثير في الداخل اللبناني أنها أداة فتنة أكثر منها مشروع عدالة، ولأن تمسك المجتمع الدولي ومعه فريق 14 آذار، بقميص رفيق الحريري، ففريق 8 آذار سيتمسك “بحرمات المقاومة”، خاصة وأن أي اتهام لحزب الله سيؤدي إلى ارتباك أمني كبير لن يستطيع وقتها الحريري ولا فريقه من ضبط وحدّ توابعه السلبية اتجاه إيران.
عودة “الزخم الإعلامي والتنفيذي” للمحكمة الدولية هذا الوقت بالذات، يجعلنا نرجّع الأمر لعدة أسباب، منها:
– اسقاط 8 آذار لحكومة سعد الحريري، وتعيينهم لميقاتي رئيسا ممثلا لأغلبية 8 آذار.
– أوضاع سوريا الراهنة، والتي تساعد في علوّ صوت 14 آذار، مع تجديد اتهامهم للنظام السوري بدوره في اغتيال الحريري، رغم الاعتذار الذي صدر عن حكومة سعد الحريري اتجاه سوريا في هذا الأمر.
– القضاء على شوكة حزب الله وسلاحه، بتدويل القضية، والاستعانة لاحقا بقوات أممية لحفظ الأمن والسلم الأهلي في لبنان.
ما تم تسرّبه سابقا من قناة cbc الكندية، لا شك أنه ينبأك بمدى غياب عنوان “النزاهة” في أداء المحكمة، وأن ما كان من المفترض به أن يظل سريا، ومكتوما عن العامة، في الواقع هو مكشوف لعدة جهات كما حدث سابقا مع “ديرشبيغل” الألمانية. والأخطر من ذلك، الإيحاء بأن كل ما في الأمر مسرحية يُعدّ لها سابقا من اجل عرضها وحصد ثمار مشاهدتها، في إشعال فتيل الفتنة اللبنانية.
المساعي العربية، إلى الآن لم تؤتي أُكلها، ونار الفتنة اقترب لهيبها من خشب الصف اللبناني، ولعل حزب الله الذي صرّح سابقا، أنه لن يسمح بهكذا اتهام لأي من أفراده مهما بلغت الضمانات، قد صرّح الآن بأنه لن يسمح بتنفيذ أي حكم على أي من أفراده، ولعل الجانب الذي يبدو فيه حزب الله محقا هنا سببين:
– قضية حبس الضباط الأربعة سابقا.
– عدم محاكمة شهود الزور ومن قام بتقديمهم وحمايتهم.
– عدم تمرير المحكمة على مجلس النواب أو رئيس الجمهورية للموافقة أو التصويت عليها.
– عدم وضوح المسوّغات القانونية ولا الأدلة المادية التي قامت عليها الاتهامات.
– استبعاد فرضية اتهام “اسرائيل” كطرف محتمل في اغتيال “الحريري”.
– وجود خلل فني، تمثل في اختراق اسرائيلي لشبكة الاتصالات اللبنانية الخلوية، والتي تمكن اسرائيل من دس مكالمات ورسائل دون علم صاحب الرقم أو الموبايل!
أكثر ما يدهش المتابع لهكذا وضع، هو وجود جهة تنشر اتهاماتها يمنة ويسرة، مستغلة بذلك عواطف الناس، والوضع العربي الراهن.. وجهة تدرء عن نفسها كل الاتهامات الملفقة، بأدلة وبيانات.. ولكن يبدو أن ما يحدث في لبنان ينطبق عليه القول : الحقيقة واضحة، ولكن الناس تصدق ما تريد أن تصدقه فقط.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s