أردوغان.. رجلٌ تشتهيه العروبة.


نتائج الانتخابات التركية.. لم تأتي بجديد.. المتوقع والمُنتَظر حدث، وفاز “حزب العدالة والتنمية” بأغلبية مقاعد البرلمان، ونصّب أغلبية الشعب رجب طيب أردوغان، زعيم الحزب الإسلامي، على رأس هرم الدولة العلمانية لفترة ثالثة، وجددوا ثقتهم في سياسته وسياسة حزبه، مع تحسّف الحزب على عدم تمكنه ضمان عددا من المقاعد، تتيح له إقرار التغييرات والقوانين، منها الاستفتاء على تعديل الدستور، دون الحاجة إلى الرجوع في المشورة إلى أحزاب أخرى.
ومن هنا، يفرض نجم “رجب طيّب أردوغان” شعاعه في سماء سياسة “الشرق الأوسط” المظلمة. وذلك لانتمائه لمرجعية دينية عميقة تتناقض مع أسس الدولة العلمانية وشروطها ومبادئها التي وضعت منذ الانقلاب العسكري عام 1980، وعمله الدؤوب منذ فوزه الأول في الانتخابات التركية هو وحزب العدالة والتنمية، عام 2002، واكتساحه الأخير لها بما يقرب من 50% من مقاعد البرلمان. فالرجل، لم ينسى أنه ينتمي جغرافيا للقارة العجوز، وثقافيا للشرق الأوسط، والرجل لم ينسى أن دولة كـ “تركيا” علاقاتها السياسية قائمة على المصلحة الاقتصادية، بالتالي لا ضرر في وضع يدها مع أعداء خلفيته الثقافية والعقائدية، ولا بدّ من التعاون مع أعداء انتماءه الجغرافي. ولكن هل هذا لا يعني بالضرورة انقلابا على أساسيات النشأة الفكرية لهذا الزعيم.
أردوغان.. تعلّم الدرس التركي جيدا، وحفظ كامل نقاطه، واضطلع على أهم التفاصيل. فلم يفوّت على نفسه تجربة أستاذه الراحل “نجم الدين أربكان” الذي كان نائبا لحكومة أجاويد قبل الانقلاب العسكري عام 1980، فحين أنشأ حزب العدالة بعد حظر حزب “الفضيلة”.. أعلن للداخل التركيّ، مدى التزامه بالدستور العلماني للدولة، وأنه ملتزم بكل ما يلتزم به أغلبية الشعب التركيّ. وحين اختاره 363 عضوا من البرلمان لرئاسة تركيا عام 2003، عرقل أحد أحكام السجن السابقة مهمة رئاسته، وذلك بسبب قصيدة وصفت بالطابع الدينيّ ألقاها في أحد الخطب الجماهيرية عام 1999، وسجن على إثرها.
حكومة أردوغان، امتنعت عن استضافة الجنود الأمريكين في جنوبها عام 2003 لغزو العراق، وعمله على إعادة الحقوق للأكراد، وسعى إلى “تجريم الزنا” عام 2004، وتدخل بشخصه الرئاسي لتعديل القانون الذي يمنع المحجبات من دخول الجامعات التركية والسماح لهنّ بذلك. وتصديه للمؤسسة العسكرية في معاقبة كل من يثبت عليه جرم ورفع الحصانة عنه. ورغم ذلك، لم يسطع نجمه عربيا وإسلاميا، إلا بعد انسحابه الشهير من مؤتمر “دافوس” في يناير 2009، المؤتمر الذي لم يكن يعني العالم العربي والإسلامي في شيء، ولكنهم حينما سمعوا عن موقف أردوغان، وتدفقوا إلى االمتابعة، اكتشفوا بالصدفة لحظة خروج أردوغان، وجود عمرو موسى في آخر الصف صامتا. كذلك تهديده بمقاطعة العلاقات التركية الإسرائيلية إثر العداوان الأخير على غزة (يناير 2009). منذ ذلك الحين، وكل تحرك لهذا الرجل تترصده العيون الإسلامية والعربية بترحيب، خاصة بعدااكتسابه ثقة الداخل التركي، حين خرج ببلاده قويّة إثر الأزمة الاقتصادية العالمية، واحتلاله مركزا متقدما في مصاف الدوّل المتقدمة، هو الـ18 عشر عالميا.
لم يكتفي أردوغان بذلك، بل مدّ يده إلى جيرانه وأعداءه التقليديين (أرمينيا و اليونان)، وإنشاء علاقات دبلوماسية واقتصادية معهم، ومدّ العون والتعاون الاقتصادي لإيران في ظل العقوبات الأميريكية والأوربية لها، وتكوينه حلفا مع نظيره البرازيلي (دا سيلفا) لمنع العقوبات عن إيران على برنامجها النووي، وامتناعه تسمية حركات المقاومة في فلسطين (حماس) وفي لبنان (حزب الله) بتنظيمات إرهابية، وحرصه على الظهور بهويته الإسلامية قبل التركية، وتذكير إسرائيل أحيانا وخصومه كذلك بأصوله التي تعود للدولة العثمانية. وانتقاده اللاذع لنظام البعث في سوريا، على القمع اللامبرر للمحتجين والمتظاهرين الذي يحدث وسط صمت عربيّ مبهم، وتحريض مذهبيّ بدأ يأخذ حيّزه.
من جهة أخرى، نشاهد ترصّد وتوجس من الحليف الأمريكي، خاصة بعد ارتباك العلاقة التركية الإسرائيلية، ونشهد تنامي غير مسبوق لخلايا القاعدة داخل تركيا، وشغب متصاعد بل غير منضبط للأكراد على الحدود، وللقارئ حرية الربط بين هذا وبين الدعم الأمريكي والإسرائيلي لحركات كالـ “القاعدة”، أو بعض ملل من الأكراد. مع توجس عددا من مثقفي العرب، من خفايا النوايا، وما يبحث عنه أردوغان من مصالح له ولدولته، عبر بوابة الشرق الأوسط. وهل حلم الدولة العثمانية، هي ما يسعى له، بعد أن تجنب الإلحاح على التواجد داخل وحدة “القارة العجوز”؟
العلاقة بين أنقرة وواشنطن… وأنقرة وتل أبيب.. وغياب التحركات الجديّة إلى الآن على خلفية أزمة “أسطول الحرية” وتداعياتها بين الطرفين، ووجود السفارة الإسرائيلية إلى الآن في أنقرة. بل وغياب تركيا كذلك، عن أسطول الحرية 3. تضع تصريحات تركيا ومسؤوليها في حرج نوعا ما، فإن كان “أردوغان” يريد حقا محاكمة إسرائيل على خلفية أحداث غزة 2009، وأحداث أسطول الحرية2، فلماذا لم يبادر إلى إغلاق السفارة التركية؟ وما هي حجم العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟؟ وما هو نوع التشارك “العسكري” بين تركيا وبين إسرائيل؟ وهل قرار هذا التشارك يعود لحكومة أردوغان أم أن القوات المسلحة مستقلة بقرارها هذا؟
إن كُتب لــ أردوغان التوفيق في تحقيق مطامحه السياسية، بعد فوزه الكاسح بالولاية الثاله في الرئاسة، فمما لا شك فيه أننا سنشهد تغيّرا جذريا للمشهد السياسي في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تنامي الصف المؤيد للدور الأمريكي في المنطقة على حساب المنطقة ومصالحها، وظهور حشد من المثقفين العرب يبحثون عن “بطل” يعلّقون عليه آمالهم، بغضّ النظر عن عروبته.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s