حقيقة الثورات العربية… 2


لا بد أن نؤمن، أن التغيير آت لا محالة، وأنه سيطال كافة الأقطار العربية أو أغلبها، حسب أهمية كل قُطر على الخارطة السياسية للبيئة المجاورة له، أو للخط السياسي العام. لذلك نرى أن الكثير من الدول العربية، بادرت للتغيير، سواء في القليل أو الكثير من الأنظمة واللوائح والتشريعات، مع العلم أن غالب هذه التشريعات والتعديلات، ما هي إلا “قرص” تهدئة، للجموع الغاضبة، التي انتظرت كثيرا كي تعبر عن غضبها دون خوف.
هذا التغيير ليس فقط سببه هشاشة العلاقة بين الأنظمة وشعوبها، بل كذلك حالة الكشف اللاطبيعية، التي سهلت للخارج قراءتها، فكل دولة عربية باتت معروفة التركيبة، وواضحة الملامح، ولايخفى على أحد أركان أساسها ونقاط ضعفها ومكامن قوّتها.
بعد سقوط زين العابدين، ذهب حسني مبارك إلى إجراء عددا من التعديلات الاقتصادية والسياسية، ولكن ذلك لم يُنقذه من شيء، خاصةً وأن الفساد قد تغلغل في كل شبر، وتجاهل النظام إلى محاسبة أسباب نشوء الفساد، وأسباب انتشاره. فقامت الثورة، ووصلت إلى المبتغى، بعد إصرار على زوال النظام. كذلك فعل “علي صالح” في اليمن من تعديله لبعض القوانين، وقبله “الأسد” في سوريّا، فهل منع هذا من قيام المظاهرات؟ أبدا، قامت المظاهرات، وربما ستقوم أخرى.. وهذا ما تُبشر عنه المعطيات الحالية للدول العربية.
كذلك حدث الأمر نفسه في ليبيا، توسعات اقتصادية للمواطن الليبي، في السكن والراتب و و إلخ، ولكن، وقع الفأس على الرأس، وماعاد علاج ينفع ولا أدوية تصلح، وكان أن اكتفت ليبيا من القذافي وتفاهاته وحماقاته، اكتفت كونها بقرة حلوب له ولأبناءه ومعارفه، فكان ما كان، ولكن تأثيره كان لا زال يسري على الناس كافة وربما حتى الآن، الأمر الذي يؤكد على حقيقة مرّة: ليس كل الشعب يهتم!!
الأنظمة العربية متهالكة.. هرمة، لم ترحم كِبرها، ولم تحترم أجيال شعوبها، ونست أن التغيير سنة الكون في الحياة، وأنك طالما كنت زائدا على الدنيا لا تضيف فيها شيئا، فلا حاجة للدنيا بك.
أما في الشأن السوري.. دأب بشّار بعد سقوط زين العابدين إلى الأمر نفسه، توسعات وإن كانت قليلة في الاقتصاد، إلا أنها تعتبر خطوة مهمة لشعب حكومته تعاني من حصار اقتصادي وضغط سياسي، وقام بفتح مجال الانترنت دون رقابة، منها السماح باستخدام وتحريك الفيس بوك، وغيرها من إصلاحات. ولكن مع بدايات فبراير، وأيام الثورة المصرية، كانت هناك محاولات عدة للتجمع وإقامة مظاهرة كبيرة وضخمة، بدايتها المناداة بإصلاحات، ولم تتم تلك التظاهرات إلا متأخرة جدا، وتعامل النظام معها بعنف، أدى بها الحال إلى رفع لافتات تنادي وبكل جرأة لتغيير النظام، ورحيل بشّار.
نعم، أنه الوقت المناسب فعلا أن نقول: آن الأوان لتكتفي سوريا من حزب البعث وسطوته وسلطته. لكن، لا يجب أن ننسى أبدا، موقع سوريّا الجغرافي والخطير، فيما يخص :اسرائيل ولبنان والأردن والعراق، الأمر الذي بالتأكيد ساهم في تلكأ أمريكا وأوربا عن دعم فصائل الثوّار في سوريا، وعدم المسارعة إلى التهديد والوعيد، كما تعودنا، خاصة وأن لأمريكا وإسرائيل حسابات خاصة مع النظام السوري، تتعلق بحزب الله وإيران ودور سوريا في دعم بعض حركات المقاومة في العراق. مع اللاجئين السوريين أثناء حدوث الاصطدام الحقيقي بين الثوّار وجيش النظام، صدام النار بالنار والسلاح بالسلاح تماما مثلما يحدث في ليبيا، أين سيتجه اللاجئون؟؟ خاصة وأن هناك ما يقارب المليون عراقي كلاجئين في سوريّا.
مع التأكيد، على ضبابية المشهد بعد بشّار، من يحكم؟ من ينتصر؟ من يقود المشهد السياسي كاملا في سوريا؟ كيف ستكون صِبغته؟؟ هل سيكون مهادنا لإسرائيل ومتواطئا مع أمريكا أم لا؟ هي أسئلة شرعية، لذلك لا عجب إن سعت أمريكا إلى تسليح الثوار بعد أن تتضح لها معالمهم وملامح غاياتهم السياسية، وبعد أن يتأكدوا من خلفياتهم الفكرية والدينية، تماما مثلما حدث في ليبيا.
في حين، إن هذه الملامح غائبة حتى عنّا، ولم يجبنا للآن أحد على هذا السؤال: ماذا بعد بشّار وحزب البعث؟؟ هل نحن بحاجة إلى تذكير أنفسنا بحساسية الموقع الجغرافي والسياسي لـ سوريا؟
لربما الأمر من جهة إسرائيل، سيكون مريحا من ناحية واحدة: حينما تدع الخطر يقع بالنسبة لها، وهو ذهاب النظام البعثي –الذي رغم اختلافها العميق معه إلا أنه وفّر حماية لا مباشرة لحدودها- ، مع التأكد من ضرورة تنامي دور القاعدة أو “فتح الإسلام”، وقدرتها على السيطرة على جزء من الأمكان والاوضاع، بما يتيح لها الدخول في مناوشات مفتوحة مع حزب الله، بل وربما الجيش اللبناني، الأمر الذي بالتأكيد ستعمل إسرائيل نفسها على تغذيته بما يتيح لها فرصة مراقبة الطرفين وهما منهكان، من حرب لا ناقة لهم منها ولا جمل، سوى إضاعة المال والأنفس، بالتالي سهولة القضاء على حزب الله وهو منهك وخارج توّه من حرب كتلك، أو طعنه من الخلف أثناء إنشغاله بهذه الحرب، بحجة تأمين الحدود من خطر هذه الحرب مثلا.
الثورات تراكم قبل أي شيء.. تراكم لأفكار.. لغضب.. لرغبات، الثورات في أساسها حالة من الرغبة في التغيير، التغيير الحقيقي للنظام السياسي، مع تقبل كل ضرائب هذا التغيير، سواء في الدين أو في العادات والتقاليد، وليس التقبل هو التسليم، بل العمل فعلا على توظيف هذا التغيير بما يتناسب والحالة السياسية، الأمر الذي لازال للآن محل اختبار في مصر، في المناورة الفريدة من نوعها بين السلفيين والأقباط. هو الأمر نفسه تجده في تونس مثلا حينما يخرج عليك منظّر ويقول : نحن نريد الديمقراطية. ثم يأتيك من ناحية أخرى ويقول: تونس غير مستعدة للعودة مجددا لقانون تعدد الزوجات!! إذا ما هو التغيير الذي ننتظر؟؟.
الشعوب العربية لا زالت تنظر للثورة على أنها تغيير من جانب واحد، وأغفلت أن الثورة هي تغيير يطال الكثير من الجوانب، وليست محددة على جانب دون غيره، السياسة والاقتصاد والمجتمع. تغيير يقضي على القيود، وإن فرض قيودا، فهي لاحترام الانسان ومكانته لا أكثر، قيودا في حقيقتها أمانا لا سلبا للأمان، حرية للفكر لا طمسا وكبتا له، فهل من الممكن أن نرى ثورة حقيقية على أرض عربية؟؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s