عن المثقف المفخوخ والمنفوخ والمكفوخ.


الشجاعة الحقيقية ليست في قول الرأي والتصريح به جهارا.. بل في تحمّل تبعات الرأي والعمل على تطبيق أفكاره، والخروج به من نفق الخيال إلى ساحة الواقع. ولعل أكثر الناس كانوا إدراكا لمعنى كهذا، هم المنظرون والكتّاب، الذين لطالما قرأوا في التاريخ وعن تجارب الشعوب، وعلموا معنى الاختلاف وثقافة تباين الأراء. وتوصلوا لحقيقة ربّانية لا جدال فيها، أن الله خلقنا لنختلف لا لنتفق، لأن الاختلاف في الحياة حياة.
ولا أعني هنا بالاختلاف، هو الصراع على الملك أو شهوة الشك، أو التسفيه بكل ما لا يتوافق معك، بل ذلك الذي لا يفسد للود قضية. ومنه نأخذ صواب الأمر، حتى يكون النظام السائد، هو مجموعة مختلفة من الأراء من مجموعة متعددة من الناس… هدفها غاية واحدة.. الدين أو الوطن أو المال أو أو إلخ.
المثقف، حالة حرجة فعلا، وسط هذا التداعيات والأحداث الأخيرة التي ألمّت بالبلد، التداعيات التي عملت على توفير أرض جديدة وصلبة للتغيير.. أو بالأصح، أجبرت الرأي الرسمي الذهاب عنوة نحو التغيير، ليس انصياعا للصوت المنادي بذلك، ولكن لأن خارطة الزمن الجديد.. والعصر الجديد.. لا تتحمل فكرا مغبّرا.. وأساليبا عفى الزمن عليها.
كان يبدو مما بدى,, أن هناك مجموعة من المثقفين.. منهم من بادر للانضمام لهكذا تحركات..وثبت على موقفه إلى الآن.. ومنهم من انضمّ وانسحب وآثر الصمت.. ومنهم من انسحب وانقلب وشتم.. ومنهم من لم ينضم، ولم يفهم حتى معنى كلمة “مطالب” وأخذ بالشتم والقذف,, والاتهام والتشهير.. ومنهم من زال في صمته، يكتب عن الكائنات التي تُرى والتي لا تُرى.. إلخ.
ولكن.. كل هذا تم تجاهله جملة وتفصيلا.. وتم التركيز على أن المثقف مجرد “متسلق”على ظهر الاعتصامات، للوصول إلى غاياته الخاصة.. التي يبدو انها للآن لم تنجلي ولم تظهر… فأية غايات هذه؟؟؟ ولماذا كل هذا التشهير والتشكيك أمام كل من اشترك أو اعتصم. خاصة وأن بعضهم من ذوي الأقلام المأجورة والأراء الموّجهة، نسوا أن المثقف أمام كل هذ الحالة من التهجم عليه والتشكيك فيه، بل حتى التهجم على عرضه وشرفه، وفي اعتصامه وصموده كذلك، لهو أكبر دليل على حسن النوايا.. وعلى المبادئ التي يؤمن بها.
فهل كان لزاما على المثقف، أن يكون “كاميرا تصوير” توثّق اللحظة دون الدخول حتى في تفاصيلها؟؟
أم أنّ المثقف مجرد حالة “تحت الطلب” حالما يتم أمره اتجاه موقف أو فعل ما، يُنفّذ!!
ولنقف قليلا أمام المثقف المعنيّ هنا، مع العلم أن الجميع هنا لهم انتماءهم وولائهم للبلد:
المثقف الموالي: وهو المحسوب اطلاقا على الحكومة ورجالاتها، وتجده شاعرا وخطيبا ومحاميا لها في كل مواقفها.
المثقف المعتدل (المستقل): الذي يشيد بما يستحق الإشادة، وينتقد ما يستحق الانتقاد، دون أن يكون ذلك له دخل بإفكار أو إيدلوجيات سياسية معينة أو يخدم توجهات مذهبية ومؤسسية.
المثقف المعارض: وهو الذي عادة ما ينتقد أداء الحكومة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مع وضع حلول وبدائل، وتوّقع عددا من المشاكل.
فهل لزاما علينا أن نعطي التصنيفات للمثقفين وسط هذه الظروف؟؟
أعتقد الإجابة، نعم. ليس للوقوف على صاحب الفضل في كل الحالات، بقدر الوقوف على حقيقة الاختلاف والرقي في تناول أساليب النقاش مهما احتدم، والابتعاد عن الاتهامات والشتم اللامبرر له الذي ذهب إليه للأسف بعضا من المثقفين الذين ينشرون هنا وهناك بمباركة رسمية مضمونة عدم القطع طالما هناك تهجم عنيف نوعا ما، وخارج عن سياق الذوق النقاشي على ما يمكن تسميتهم ذوي النهج الاعتراضي والمطالبين بجملة من الإصلاحات السياسية.
كذلك، بعيدا، عن أولئك الذين أرداوا نسيجا وفصيلا محددا ومعينا من المثقفين، لهم مواصفات محددة، وأساليب معينة، ويخدمون مصالحا واحدة.. مثقفون يسهمون في تهدئة الأوضاع المتوترة في أساسها من قبل الرأي الرسمي، بالتالي، مثقفون يسهمون في إعطاء جرعات التهدئة للشعب، وإظهار الاعتصامات والمعتصمين على أنها الشيطان الأكبر والخطر المهدد للأمن والسلم، وأن الأمن والعسكر، هما السبيل الأوحد لـ لملمةالفوضى والنخلص منها، وتبرير أيّ عمل حتى وإن كان محظورا في كل الدساتير الشرعية والقانونية في العالم.
لا نستطيع تحديد ملامح المثقف ولا تفصيل مواصفاته، طالما أنّه كائن مستقل بذاته حر في خياراته.. فإن كان المرء حر في دينه ومعتقده كيف نأتي نحن لنفصل له عباءته الفكريه ونرسم له ملامح توجهاته الإيديولوجية بحجة الصفّ الواحد والوطن الواحد.. لأننا نريد أن نعيش باختلافنا وتعددنا، بعيدا عن الوصايات المبتذلة.. والنصائح المستهلكة.. فليس لمواطن فضل على آخر.. إلا بما قدمت يداه.
الفتنة تتخندق ملامحها في خلق وطن ووطن، وفي تكوين أكثر من خارطة، وفي تقسيم حدود البلاد وتقسيم فئات العباد.. فهل كانت المظاهرات والاعتصامات الأخيرة تدل على كلّ هذا؟؟ طبعا لا.. ولكن فعلا يبدو، أن هناك أطرافا عدّة اهتزّ عرش منصبها من رياح التغيير، واندهش لقدرة مجموعة من الشباب الذين لا ينتمون لحزب سياسي، ولا لمذهب إسلامي، ولا لإيديولوجية فكرية ما، شباب يريد التغيير فقط، ويسعى جاهدا إلى خلق وطنا خاليا من كوليسترول الفساد، وتلوّث المحسوبية.. وكل ما فعله بعض المثقفون أن تخلوا عن مسمياتهم واصطفافاتهم الثقافية أيّا كانت، أدبية أم فنية أم سياسية… إلخ، ووقفوا وقفة واحدة، خلف المعتصمين والمتظاهرين ليعبروا عمّا عبر عنه الشعب،، فمن هم أولئك اليوم، الذين يريدون خلق مثقفا يتناسب حسب المزاج الرسمي، أو يتحوّل وفق المتغيرات االسياسية، أو تتداخل به الأفكار وتخرج، فيصبح كالأسفنج يمتص أكثر مما يفرز..

Advertisements

One thought on “عن المثقف المفخوخ والمنفوخ والمكفوخ.

  1. بالتوفيق نبهان..بحلم بعمان جديدة يحكمها حاكم يحب عمان..وبوجود شباب مثلكم احس تحقيق حلمي قريب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s