هكذا..يأتي المتسلقون.. هكذا تتغير المواقف!


يقول نابليون : الثورات يخطط لها الخبثاء.. ويقوم بها الجهلاء.. ويجني ثمارها الجبناء.
وإن كنت لا أتفق في توظيف مقولة هذا القائد في حالتنا العمانية الراهنة، من باب: الإصلاح لا الانقلاب. إلا أنني أتفق معه وبشدة في النقطة الأخيرة: يجني ثمارها الجبناء.
متى ابتدأت المسيرات والمظاهرات والاعتصامات في عمان؟؟ ومن كان لها سندا وعونا؟
بالتأكيد، حين عودتك إلى تواريخ محددة مثل :17 يناير 2011، 18فبراير 2011، 27 فيراير 2011، ستُصاب بالدهشة والخيبة معاً، من الأسماء التي كانت متضامنة وقتها مع هكذا تحركات احتجاية,, وتراجعت بقوّة، بل بعضها بدّلت من مواقفها وآرائها تحت عناوين عدّة وأسباب متعددة. وأسماء، كانت مشككة، وغير مؤيدة، واليوم لا زالت على موقفها، ولكنها تأتيك وكأنها هي من دعا الشباب إلى الاحتجاج ودفعهم إلى ذلك دفعا.. ودعوات من هنا وهناك.. لا تنظر أبدا للجانب الإيجابي الذي أثمرته هذه التحركات.. بالتأكيد أحدها زيادة الرقم في راتبه، فتجده يقول: هؤلاء خرّبوا البلد.. هؤلاء مدسوسين… هؤلاء كذا وكذا وكذا..
والآن.. زمرة من الأسماء.. أصبحت تنادي بالحكمة.. وتنظر في المسائل.. وتحاضر في الناس عن الفساد والإصلاح.. وتتحدث، وكأنها ممن خاضت التجربة سابقا، في حين، أنهم في الحقيقة أسماء انتظرت.. وتربصت.. حتى رأت الوقفة الإيجابية لــ جلالته من تحركات شباب الوطن للتغيير.. فتقدمت الصفوف لأجل تسليط الضوء عليها!!!
هكذا يأتي المتسلقون، الذين يبحثون دائما عن “سُلّم” يحقق لهم نواياهم، ويصعد بهم. وهكذا هم الجبناء، الذين يجنون ثمار ما لم تفعله أيديهم.. لا يشكرون ولا يحمدون. فلماذا يحدث كلّ هذا في وقت اعتقدنا فيه أن كسر حاجز الخوف، سيسهم في توضيح الناس لمواقفها وأرائها.. لنكتشف، أن الكثير من الناس غيّب عقله فلا رأي له غير الإدانة.. ومن الناس من كثرة ما فاض حبه للوطن، تكفّل بحملة التشهير والقذف والشتم في أعراض مجموعة من المتظاهرين والمحتجّين.. وكأن ما قاموا به أو ما زالوا يقومون به، من خبائث الشيطان!!
لن تعود عمان أبدا إلى ماكانت عليه قبل 18 فبراير أو 27 فبراير.. اختلفت الخارطة السياسية قليلا نعم.. ولكنها ذاهبة في التغيير إلى الأعماق.. فالمجتمع الذي هو أساس كل تغيير وضمانته للبقاء.. هو من يجب أن يضمن استمرار حركة التغيير.. مادامت سليمة وواضحة ولا لبس فيها، ولا تقوم في أهدافها البعيدة على خدمة أسماء ما بعينها أو ايدلوجية سياسية ما.. ذلك أن المجتمع.. طالما جعل من هذا التغيير عادة يمارسها أفراده.. وأفكار يتداولها عمومه.. رسخت وبقت.. مهما حاول مجموعة من الناس التغطية عليها أو رفضها.
أما من تغيّرت مواقفهم، وبين ليلة وضحاها تغيّرت النكهة السياسية لكتاباتهم، وتبدلت ألوان جلداتهم، فذلك أمر محيّر فعلا ومؤسف كثيرا. حينما تُعجب بقلم أحدهم، وتتبع مقالاته، وتتبنى أفكاره، فتجده ينسلخ من كلّ هذا، وبحجة مصلحة الوطن واقتصاده وأمنه.. يترك مبادئه ويتّبع عواطفه!!!!
بل تمثّل هذا التغيّر في الموقف والمبدئ، إلى التهجم ممّن كان بصفهم، وممن تشارك معهم الرأي، وسار الدرب بجانبهم، فلم يتوانى في كتابة مقالات سمّتهم بالأسماء,, وسفهت من أفكارهم، وقللت من أهدافهم.. وكذلك، تراجع عن هجومه على أسماء مسؤولين.. وتخلّى عن فكرته الأساس في الاختلاف.. فهل هذه هي حقا ثقافة الاختلاف؟؟ أم هي ثقافة الحرباء؛ أينما تموضعت فتلوّن بلون الموضع الذي أنت فيه.. أو، أيّة كفّة غلبت انحاز لها.. أو.. أية جهة دفعت لك، وأملّتك اتبعها…؟؟؟؟
عُمان.. كأية دولة أخرى، بها المغيرون الحقيقيون الثابتون على مبادئهم، يعلمون حقا معنى “اختلاف الرأي”، وبها من ينشد التغيير.. ولكنه غير قادر على تحمّل تبعات المواجهة.. وبها من يتصيد المقاعد.. فأي الجهات غلّب فكرها وقرُب قطف ثمارها سارع إلى الاصطفاف معها.. وبها، من يؤمن بالمؤسسة ويفي لها، مهما ذلك دعاه إلى التزييف والقفز فوق قناعاته الخاصة أو حتى تبديلها.
لكن التنقل من فكرة لأخرى، وتغيير المبادئ والتنازل عنها، يضع المثقف أو الناشط الحقوقي أو أياً كان المسمى والصفة، أمام حالة من الكرّ والفرّ لمبادئه، دون أيّ اعتبار لمدى صدقية مواقفه، وما هي المصالح التي يعتمد الوصول إليها من خلال تنقلّه من موقف لآخر.
ما حدث في مصر بعد سقوط مبارك، فضح الكثير من أصحاب “أنصاف المواقف” و “أنصاف المبادئ”، وقدّم لنا دستة من الأسماء التي لطالما كنّا نسمع لها أو نقرأ، وهم يميلون مع من مالة له الكفّة، وينقلبون على مواقفهم ويتهجمون حتى على أفكارهم السابقة، دون الحاجة لذكر أسمائهم الكثيرة والعديدة هنا. فهل تبع مثقفونا أو ناشطونا أو مريدو الإصلاح، معلميهم وأساتذتهم؟؟ وهل باتت المواقف مجرد “وجهة نظر”، لها لونها وشكلها وطبيعتها، حسب الحالة السياسية العامة؟؟
اليوم، ليس كافيا أن تقرأ لفلان الفلاني أو فلانة مقالا، فيه انتقادا لسياسة ما، أو خطة اقتصادية، أو وضعا اجتماعيا، قبل أن تتأكد إن كان هذا الكاتب، له هدف او مصلحة، أو أنه مجرّد مهرج يستجلب عطف الناس، لزيادة عدد معجبيه او ربما عدد الزوّار لمدونته.
منذ بداية التحركات الشبابية الشعبية المطالبة بالتغيير والإصلاح، كان الخطر الأكبر على هذه التحركات ليس الأمن، ولا العقلية الممتلئة بالغبار للدولة؛ بل هي “ثلّة” المثقفين، المتلونين والمتحولين، المتربصين لأية فائدة أو مصلحة او مكافئة أو منصب. المثقفون الذين لا يأبهون لمطالب الناس الحقيقية، بقدر اهتمامهم بتوظيف هذه المطالب بما يُعينهم على الوصول إلى غاياتهم الخفية والظاهرة.
الشباب اليوم، ليسوا بحاجة إلى قائد لحركة التغيير والإصلاح التي ينشدوها,, ولا هم بحاجة إلى تنظيرات فلسفية في الحالة الراهنة والمستقبلية.. الشباب يريد التغيير؟؟ هل من أحدٍ يسمع؟؟
الشباب لا يريد مجموعة من أصحاب المبادئ الواهنة والمواقف المتذبذبة ليتقدموا صفوفهم، أو يتحدثوا عنهم؛ الشباب يريد الإصلاح، الإصلاح الذي يتضمن القضاء على هذه الأشكال النفعية والمتسلقة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s