عن طيبة المعولي.. إمرأة عن ألف رجل


في منتصف التسعينات من القرن المنصرم.. وبداية تشكّل الوعي لديّ فيما يُعرف مصطلحا بـ “السياسة”، كنت بـمنزل العائلة في جعلان بني بوحسن، ملتمّين نحن العائلة نتابع البث المباشر لـ أحداث مجلس الشورى في دورته الأولى، ونحن نتابع بشائر “الديمقراطية” في خطواتها الأولى… كان الميكروفون يتنقل بين أعضاء بعضهم لم يكونوا حتى يفقهون ما معنى تمثيله لبلدته في مجلس الشورى، وبعضهم ضائع بين مقترحات لتلميع صورته أمام المؤسسة الرسمية العليا للدولة.. و و و إلخ، حتى انتقل “المايك” إلى إحدى أعضاء أو عضوات المجلس واسمها “طيبة المعولي”، في وقت كنا ننكر على  “إمرأة” وجودها وسط الرجال. ولكنّ تلك المرأة.. هزّت جلسة “الشورى” بأكملها، لدرجة التفّت فيها رؤوس جميع الأعضاء، ومنهم من قام واقفا، لينظر إليها أو إلى مصدر الصوت، أمّا رئيس المجلس وقتها اكتفى بـ “غلق” المايك، بعد أن امتنع الوزير يومها من الإجابة، وأنكر الحقائق التي أثبتتها “طيبة” بوثائق ومستندات.. ذلك اليوم.. ومنذ تلك اللحظة، علمت أن الحق، مهما كلفنا الثمن، وجب علينا الانتصار له، وأن الوطن، لم يكن في يوم ليشبه مواصفات رجل، أو تتوقف قامته على طول رجل واحد، أو تتحدد ملامحه على مسؤولين ما بعينهم. ذلك اليوم، وأنا أرى أبي يشيد بتلك المرأة وهو يقول: والله إنها عن ألف رجل. وحتى جلسات أبي وأصدقاءه لم تخلو يومها عن الحديث عن تلك المرأة التي هزّت أركان المجلس بصراحة غير معهودة، وأحرجت الوزير ورئيس المجلس. لم ألتقي أو أتواصل مع طيبة المعولي قبل فبراير 2011، ولكنني كنت قريبا نوعا ما من سيرة نضالها وكفاحها، منذ نقاشتها وجدالها في مجلس الشورى.. وسجنها بعد ذلك بسبب تلفيق عددا من التهم عليها.. إلى وقوفها اليوم صامدة أمام حملة من التشهير وانتهاك الأعراض، قام بها ولا زال يقوم بها، مجموعة من الناس مجهوليّ الهوية، عبر منتديات عمانية وعبر البريد الإلكتروني، هي ومجموعة من الأسماء الذي طرحوا فكرة الدستور التعاقديّ. من يقف خلف هذه الحملة الهمجية، البعيدة جدا عن الإنسانية، والتي ينكرها الدين ويرفضها العقل؟؟ وكيف للدولة أن تقف مكتوفة الأيدي أمام حملة التشهير هذه التي يبدو أنها دخلت حيّز التنظيم، من بوابة المنتديات إلى عناوين الإيميلات؟؟ وكيف للأمن، الذي أباح لنفسه سلطة المراقبة والتتبع والتنصت، أن يقف اليوم متفرجا على هذه الحملة، التي لا يُعرف لها صاحبا؟؟ طيبة المعولي، إمرأة أثبتت عبر مسيرتها النضالية والسياسية، أنها امرأة قادرة على تحمّل نفقات التبعات النفسية والاجتماعية لتوجهاتها السياسية، وقادرة على دفع فاتورة مواقفها ومبادئها، وأنها امرأة صلبة لا تتراجع، وكلما كثر حولها “الطاعنون في الظهر” و “المخوّنون” و “الهاتكون لأعراض الناس” قالت : حسبنا الله ونعم الوكيل. قال المتنبي مرة وهو يرثي سيف الدولة الحمدانية لوفاة أمّه: ولو أنّ النساء كمن فقدنا… لفضّنا النساء على الرجال…. فما التأنيث لاسم الشمس عيب… ولا التذكير فخر للهلال.. وفيما بدا لي من قراءتي للمشهد السياسي الذي تغيّر في عمان منذ انطلاق المسيرة الخضراء الأولى فالثانية والاعتصامات التي تلت في صلالة وصحار وصور.. ووقوفا على مشاهد وأحداث في حياة “طيبة المعولي”، يدرك بما لا يدع مجالا للشك لحظة واحدة.. أن هذه المرأة فعلا عن “ألف رجل” كما وصفها أبي قبل أكثر من 15 عام. وأنها امرأة لم تنتظر تكريم المناصب أو المقاعد.. في سبيل انتصارها للفكرة التي آمنت بها. إن كان الشرع والدين يرفض التهجم والقذف والشتيمة في حق المسلم… فأين أهل المؤسسة الدينية من حملة التشهير التي بدأت ولم تنتهي..؟؟؟ وإن كان قانون الدولة يُجرّم العبث بأعراض الناس وهتكها، أين هو من حمايتها اليوم، أم أن القانون تم تفصيله بما يتناسب مع ثلّة من “الشعب” وفئةً منه؟؟. وأين هم الشرفاء والأحرار الذين يأبون إلا أن ينتصرون لأخلاقهم وكرامتهم.. هل أخرس الخوف ألسنتهم أم ينتظرون غلبة المواقف ليصطفوا بعد ذلك مع من غَلَب. شكرا طيبة المعولي.. اليوم.. ورغم اتفاقي معك في أمور واختلافي في أخرى.. إلا أنك أثبتّ للكل.. أن الفكرة ليست “شرفا” للمكانة.. ولا “هبة” مجتمع.. وأن الوقوف بجانبها والدفاع أشرف من التشدّق بالثقافة والتطبيل للمسؤولين ونفاقهم. شكرا طيبة المعولي.. فالخارطة حقا تغيّرت في عمان، وأصبح الشعب صانعا للقرار ومساهما في تثبيته وتفعيله. والشباب اليوم حمل على عاتقه مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وتسيّد منصّة القرار.. يُقال، الكلاب “تنبح” والقافلة تمضي.. ولكنّ، حملة التشهير والتخوين وهتك العرض،، لا أحد له علمٌ بها من “ابتدأها” ومن سيّسها وأظهرها.. ونعتذر للكلاب حقا، أن شبهنا مجموعة من “الناس” لا يخشون الله، ولا ضمير لهم ولا يخافون الله في أنفسهم وأهلهم وأعراضهم.. شبهنا هؤلاء بـ “الكلاب” التي تعرف كيف تكون وفيّة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s